الدرس في شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الأصل الأول للإيمان بحقانية القرآن، ويتطرق إلى معاني كلمة القرآن واصطلاحها الشرعي. يُبرز أهمية الإيمان بأن كل ما في القرآن هو حق وصدق وهدى.
يُحَذِر من الشك في القرآن أو تغييره، ويعتبر من يفعل ذلك كافرًا بإجماع الأمة. يُثبت أن القرآن محفوظ بحفظ الله تعالى ويُذكر قصة يهودي اعتنق الإسلام بعد تجربة على نسخ الكتب السماوية.
يشدد على وجوب الإيمان بأن القرآن حق وصدق وليس فيه باطل. يُبين أن من تجرأ على الطعن في القرآن أو زعم فيه تغييرًا أو تحريفًا فقد كفر، وهذا محل اتفاق بين العلماء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الأول، وهذه المسألة تردنا وترجعنا إلى ما مضى ذكره، أن المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الإمام الصنعاني، ذكر أنه سيذكر لنا أصولًا وقواعد تتعلق بمقام التوحيد، وهي مما ينبغي معرفته على كل مسلم ومسلمة. وهذه الأصول، سواء في هذا الباب أو في غيرها من الأبواب، وما يذكره العلماء في باقي الفنون، تعتبر الأصول من الأشياء المهمة التي حرص عليها العلماء، وينبغي كذلك على المسلمين أن يحرصوا عليها. وذلك لأن الأصول بشكل عام، إخواني في الله، من محاسنها أنها تجمع لك شتات الباب، فتجد أن بابًا من أبواب الدين فيه الكثير والعديد من الأحاديث والآثار والأحكام، فيذكر لك عالمًا من العلماء أصلًا، وهذا الأصل يغني عن هذه الفروع؛ لأنه عبارة عن أصل جامع. فهذه من محاسن الأصول أنها جامعة لشتات الباب. زد على ذلك أن هذه الأصول مما يمكن حفظها واستحضارها؛ لأنها غالبًا ما تكون مختصرة ومختزلة، يمكن للمرء أن يحفظها فيجعلها في صدره ويستحضرها. أضف إلى ذلك أن الأصول التي يذكرها العلماء كثيرًا ما تكون من المسائل المجمع عليها، المتفق عليها، فهي صحيحة الورود والاستدلال والاستشهاد بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الأول، قال: إنه قد علم من ضرورة الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل، وصدق لا كذب، وهدى لا ضلالة، وعلم لا جهالة، ويقين لا شك فيه. فهذا أصل لا يتم إسلام أحد ولا إيمانه إلا بالإقرار بهذا الأصل، وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف فيه. هذا هو الأصل الأول. قال إخواني في الله: تجد أن الإشارة إلى ما يتعلق بأن المرجعية تكون لكتاب الله سبحانه وتعالى، أنه قد علم من ضرورة الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل. وكتاب الله سبحانه وتعالى، وهو القرآن، ومن باب الفائدة، كتاب الله من أسمائه، طبعًا لكتاب الله الكثير من الأسماء، أوصلها جماعة من العلماء إلى خمسة وخمسين اسمًا، لكتاب الله. ومن أشهرها القرآن. وكلمة القرآن يقول علماء: إن أصلها إما بمعنى أصلها يعود إلى كلمة قرأ، قرأ، فهو قرآن. وقرأ تأتي في اللغة بمعنيين اثنين، إما قرأ بمعنى تلا، فهذا الكتاب، وهو القرآن، هو كتاب متلو، أي تتلوه الألسن. فقرأ بمعنى تلا، أي أن هذا قرآن متلو. أو أن قرأ في لغة العرب تأتي بمعنى جمع، ومنها قول القائل: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته في الحوض. فقرأ تأتي بمعنى جمع، فالقرآن بهذا الاعتبار يكون جامعًا، قرأ جمع، فالقرآن جامع. لماذا؟ قيل: جامع للأحكام الشرعية، قيل: جامع لأخبار الأمم، قيل: إنه جامع لثمرة الكتب السابقة كلها، وجد في هذا القرآن الجامع. فهذه من معاني القرآن، إما قرآن من قرأ بمعنى تلا، فهو اسم مفعول بمعنى متلو، أو أن قرأ بمعنى جمع، فهو جامع، اسم فاعل بمعنى أنه جمع ما قد مضى. فهذه من معاني القرآن. وأما اصطلاحًا، فالقرآن هو كلام الله، كلام الله المنزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، المتعبد بتلاوته. وكلام الله سبحانه وتعالى، القرآن حق، حق من حيث الثبوت، وهو حق من حيث الدلالة. من حيث ثبوته فهو حق لا مرية فيه، أنه كتاب الله، أنه كتاب أنزله ربنا جل وعلا، وقد تكلم به. فمن شك في هذا الكتاب أو تردد أو اعتقد أو ظن أن هذا القرآن ليس من عند الله، فقد كفر، فقد كفر، كما كان يزعمه أهل الجاهلية، وما عليه الملاحدة والزنادقة في تلكم الأزمان، ولا زال في هذه الأزمان يشككون في القرآن، وأن هذا القرآن ليس من عند الله، وإنما هو من ابتكار محمد عليه الصلاة والسلام، هكذا يزعمون، وأنه قد أخذه من بعض أهل الكتاب، فصاغه وكتبه وأخرجه للناس. وهذه فرية ما لها من مرية. فمن من البشر يستطيع أن يكتب هذا الكتاب العظيم الذي فيه نبأ من كان قبل، ونبأ من سيأتي إلى قيام الساعة، واجتمع على أحكام عظيمة جدًا، عظيمة، لا يمكن أن يكون هذا من صنع بشر، ولا من كتابة بشر، بل هذا من كلام الله جل في علاه، وهو رب الأرباب. وهكذا من زعم، زد على ذلك، أن هذا الكتاب قد دخله التصحيف أو دخله التحريف أو دخله التغيير، فقد كذب، فقد كفر، ولو زعم هذا القائل بأن هناك حرفًا غير وبدل وزيد وحرف في كتاب، فهو كافر. وهذا بإجماع الأمة. يقول قاضي عياض رحمه الله تعالى: قال: وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا أو بدله بحرف أو زاد فيه حرفًا، أنه كافر. وهذا بالاتفاق، هذا كافر. فالقرآن أنزله ربنا جل وعلا من عنده، وهو محفوظ بحفظه سبحانه وتعالى. ومن الطريف ما يذكر في هذا الباب، إخواني في الله، ما ذكره الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى، أن يهوديًا أتى إلى بعض الأئمة، وهو إلى يحيى بن أكثم رحمه الله، فقام هذا الإمام وعرض الإسلام على هذا اليهودي، إلا أن هذا اليهودي تأخر في الرد، وما رد أي رد خبر إسلامه إلا بعد سنة. فسأله يحيى رحمه الله تعالى عن سر تردده في الدخول في الإسلام، وعن هذه المدة التي جعل يفكر فيها، فأخبره اليهودي بقصة، ومنها هذا الذي جذب وجلب قلبه للإسلام، أخبره بأنه أراد أن يتأكد هل الإسلام هو دين الحق؟ فماذا فعل؟ فذهب وكان كاتبًا، وكان كاتبًا وعالمًا من علماء اليهود، فأتى وكتب نسخًا من التوراة، إلا أن هذه النسخ غير وحرّف وبدل فيها. ثم أخذ بهذه النسخ وذهب بها إلى سوق الوراقين إلى سوق الوراقين عند اليهود، ثم عرض البضاعة، فإذا بهذه النسخ يتلقفها اليهود حتى أخذوها كاملًا وعملوا بما فيها. ثم قام هذا اليهودي وكتب نسخًا، لكن من الإنجيل أيضًا، غير وزيد وبدل فيها، ثم أخرج هذه النسخ إلى سوق الوراقين عند النصارى، وعرض هذه النسخ للبيع، فأخذت جميعًا وتداولها النصارى وعملوا بما فيها، مع تصحيفها والتغيير الذي فيها، لم يتفطن أحد لما فيها. ثم قال: قمت بكتابة القرآن وغيرت فيه وبدلت، لكن كان التغيير فيه يسيرًا، يسير جدًا، ويتفطن له أحد على حد زعمه. فلما انتهى من هذه النسخ، أخرجها إلى سوق الوراقين عند المسلمين، وعرض هذه المصاحف للبيع، فما إن أخذها المسلمون ونظروا فيها حتى رموا فيها بوجهه، حتى رموا بها بوجهه، كشفوا أن فيها تغييرًا وتبديلًا. قال: حينها علمت أن هذا الدين هو دين الله؛ لأن الله تكفل بحفظ كتابه، وهذا مصداقه قد وجد في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فربنا قد تكفل بحفظ القرآن، فهو حق ليس فيه زيادة، وليس فيه نقصان، بخلاف كتب من غيرنا، فهذا الإنجيل، كم إنجيل أنزل على عيسى؟ هو إنجيل واحد، لكن الآن عند النصارى كم الأناجيل؟ كثيرة، أربعة، إنجيل يوحنا، إنجيل مرقص، إنجيل برنابة، إنجيل غيرت وبدل، وفيها من الطامات ما الله به عليم. أما القرآن فهو كما أنزله ربنا جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام. لهذا من تجرأ على الطعن في القرآن، وزعم أن فيه تغييرًا أو تبديلًا أو زيادة أو تحريفًا، فقد كفر، من المشتشرقين أو من الملاحدة أو ممن دخلته لوثة من لوثة هذه الأفكار العلمانية. وهكذا قل من يكون من حال الروافض ممن زعم، بل منهم من يصرح بأن هذا القرآن مبدل، مغير، مصحف. فمن زعم هذا، كائنًا من كان، فقد كفر. فمن ظن أن آية من القرآن أسقطت، فقد كفر، أو غيرت، فقد كفر. وهذا محل اتفاق بين العلماء. ولهذا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: إنه قد علم من ضرورة الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل، وصدق لا كذب، وهدى لا ضلالة، وعلم لا جهالة، ويقين لا شك فيه. قال: فهذا أصل لا يتم إسلام أحد ولا إيمانه إلا بالإقرار بهذا الأصل. عليك أن تقر بما فيه. وأيضًا مما يذكّر من هذه المباحث بعد إقرارك بأن القرآن من حيث ثبوت حق، كذلك من حيث الدلالة وما يدل عليه فهو حق. فهذا كتاب حق وصدق، ليس فيه باطل، وما احتوى على باطل، وما اجتمع على باطل. ومن زعم ذلك فقد كفر، كما قال ربنا في حق كتابه، واصفًا له: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. فأخبر ربنا جل وعلا أن كتابه جل في علاه لا يأتيه الباطل، وما احتوى على باطل. ثم ختم ربنا سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾، دلالة على أن هذا الكتاب قد أحكمت آياته، أحكمت شرائعه، فهي محكمة متقنة، ليست من تفكير البشر، وإنما هو من الله سبحانه وتعالى، رب البشر. وختمت هذه الآية بقوله: ﴿حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾؛ لأن في هذا الكتاب من المصالح ومن المنافع التي أرشد الله إليها، وفيه من المفاسد والمضار التي دفعها الله عن الخلق، فيها ما يحمد الرب سبحانه وتعالى على كمال رحمته بخلقه، بما أودعه في هذا الكتاب، فهو حكيم حميد جل في علاه. اطبع حكمته وكمال حمده له بأنه سبحانه وتعالى بما أودعه في كتابه. فهذا الكتاب، إخواني في الله، لا يأتيه الباطل، ولهذا جعله ربنا سبحانه وتعالى لسانًا عربيًا يقرأه كل أحد منا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ما هي الآيات المحكمات؟ قال العلماء: الإحكام هنا هي الآيات الواضحة الدلالة، يعلمها كل أحد، يعلمها الواحد منا، يأتي العامي، تأتي المرأة العجوز، يأتي الذي ما تعلم، يقرأ القرآن، يفهم، يفهم معاني القرآن. ولهذا دع عنك يا عبد الله ما يلبس عليه المتلبس من أهل البدع، عندما يبعدون الناس عن القرآن، وأنهم إذا أرشدوا الناس للقرآن يقرؤونه كالكتاب المعجم، اقرأ ولا تدخل في التفاصيل. حتى أصبح الناس كثيرًا ما يفقهون لكتاب، لخوفًا من فهم كتاب الله. ولما هذا التخويف يا عبد الله؟ القرآن ليس كذلك. ربنا سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب بلسان عربي مبين، حتى يقرأ ويفهم. أفلا يتدبرون القرآن؟ فأنت مطالب في القرآن يا عبد الله من جهة قراءته، ومن جهة كذلك فهمه. فالمسلم يفهم القرآن، وكما قال ربنا: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، الأصل والأكثر والأغلب في القرآن مما يفهمه الناس؛ لأنه واضح الدلالة. نعم، هناك آيات متشابهات، هذه المتشابهات يا عبد الله، وهي التي لا تطبع دلالتها. هل ترجع إليك؟ ترجع إلى أهوائنا؟ الجواب: لا، وإنما ترجع إلى أهل العلم ممن يستنبطون القرآن. في خلاصة الأمر، إخواني، وهذا أمر بحث يطول ذكره حول بيان ما يتعلق بتفسير القرآن وفهم القرآن، لكن ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أنك يا عبد الله تعتصم بكتاب الله، وليكون هو المآل، وهو المرجع، وهو الذي تتكل عليه في استدلالك، وفي مصادر التشريع، هو ما كان من كتاب الله، وما أرشد إليه القرآن، كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله تعالى. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بالأصل الأول من حيث العموم، أن تعتقد بأن القرآن حق، وأنه لا تغيير فيه، ولا باطل. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.