الدرس في شرح تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، حيث يُفرد الله بأفعاله في الأول وبجميع العبادات في الثاني. يُوضح أن هذا التقسيم يهدف إلى توضيح معالم التوحيد.
يشرح سبب تقسيم العلماء للتوحيد إلى أقسام مختلفة لتوضيح المعتقد الصحيح وليس للتعبد بهذه التقسيمات، وقد أخذوها من السلف الصالح وليس ابتداعًا من شيخ الإسلام ابن تيمية.
يفرق بين توحيد الربوبية الذي يعني الإقرار بأن الله هو الخالق والرازق، وتوحيد الألوهية الذي يتطلب توجهًا للعبادة من الله وحده، ويبين أن الأول متفق عليه بينما الثاني محل نزاع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام الصنعاني رحمه الله تعالى: الأصل الثالث، وهذا الأصل أورده المؤلف رحمه الله تعالى في أوائل رسالته المسمى بتطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وهو يبين لنا القواعد والأصول التي ينبغي أن يتنبه لها كل موحد. وكان مما مضى الأصل الأول، والذي يدور على بيان أن القرآن هو الأصل، وأن المسلم ينبغي أن يأخذ بكل ما فيه، وكان الأصل الثاني يدور فحواه إلى أن الأنبياء والرسل جميعًا أتوا إلى الدعوة لتوحيد العبادة. وهذا الأصل الثالث يقول فيه المؤلف رحمه الله تعالى: قال إن التوحيد قسمان، القسم الأول توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناه أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم، والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكا، بل هم مقرون به كما سيأتي في الأصل الرابع. قال: والقسم الثاني توحيد العبادة، ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها، فهذا الذي جعل لله فيه الشركاء، ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى. هذا خلاصة الأصل الثالث الذي ذكره لنا المؤلف رحمه الله تعالى، وسيزيد في شرحه وإضاحه. وهذا الأصل الثالث، إخواني في الله، أفادنا المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: إلى توحيد الربوبية، وإلى توحيد الألوهية. وأن توحيد الربوبية، وهو الذي يعبر عنه بتوحيد الخالقية والرازقية، وهو أنك تفرد الله سبحانه وتعالى بخصائصه الذي اختص به الرب سبحانه وتعالى، فلا يجعل مع الله الشريك في هذا الباب. ولهذا بعض العلماء يعبر ويعرف توحيد الربوبية بأنه إفراد الله بأفعاله. فكل ما اختص به الرب من أفعال فهذا يكون لله، فالرب سبحانه وتعالى هو الذي يحيي ويميت، فلا يزاحمه أحد فيقول عن نفسه أنا أحيي وأميت، ربنا جل وعلا هو الذي يرزق العباد، فلا يرى أحد من نفسه أنه الرزاق، وهكذا قس في باقي أفعال الرب سبحانه وتعالى من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وما كان من أفعاله فهي له، هذا هو توحيد الربوبية. والقسم الثاني هو الذي عرفه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ومعناه إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات، فما من عبادة يتقرب بها العبد لله فهي تكون لله وحده، ما هناك شريك في هذا الباب، صلاتك لله، صومك لله، زكاتك لله، كذلك دعاؤك وتضرعك واستغاثتك وذبحك ونذرك وتوجهك وخوفك لله، هذا توحيد العبادة، وهو إفراد الله بجميع أنواع العبادات، هذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى في هذه القسمة. قد يقول قائل: أين توحيد الأسماء والصفات؟ نحن قد درسنا وعرفنا إلى أن التوحيد ينقسم إلى أقسام ثلاثة: الربوبية، وقد مر تعريفه، والألوهية، وقد علمنا المراد منه، وتوحيد الأسماء والصفات، والذي قد علمنا أنه أنك تثبت ما لله من اسم وصفة ما جاء في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل. والجواب أن يقال: إن من العلماء من يرى أن توحيد الأسماء والصفات هو في الحقيقة يندرج تحت توحيد الربوبية، فجماعة من أهل العلم يرون أن الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات في مسار واحد، وأن توحيد الألوهية في مسار آخر. ولهذا بعضهم من يختصر أنواع التوحيد في القسمة الثنائية، ومنهم، وخاصة من تأخر من العلماء، يرى أن توحيد الأسماء والصفات ينبغي أن يفصل، وذلك لحصول النزاع الكبير فيه بين الأمة الإسلامية بين الطوائف والفرق والجماعات والنحل. فكان جماعة من العلماء يحبون أن يفصلوا في أقسام التوحيد، فينزعوا توحيد الأسماء والصفات ويجعلوه لوحده. ومن هنا، إخواني في الله، كان مما يدل على أن العلماء كانوا يجعلون الأسماء والصفات من توحيد الربوبية، أن من أهل العلم من كان إذا أراد أن يقسم التوحيد قسموه إلى قسمين: إلى توحيد إرادي طلبي، وإلى توحيد علمي خبري فقط. فمن قال إن التوحيد ينقسم إلى توحيد إرادي طلبي يعني به توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية يحتاج منك إلى إرادة، يحتاج منك إلى قصد، إلى الطلب، أن تتوجه إلى ربك جل وعلا بأعمالك وأقوالك. وأما التوحيد الثاني العلمي الخبري، قال: المقصود به توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ويعبر عنه بتوحيد العلمي الخبري؛ لأن المسلم يحتاج إلى أن يعلم ذلك، وهو أمر قد أخبر به الرب، أخبر الرب عز وجل بأنه الخالق، بأنه الرازق، أنه المحيي، أنه المميت، أن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فهو السميع، وهو البصير. هذا التوحيد ما الذي تملك إزاءه سواء تعلم ما لله الذي أخبر عنه الرب فقط، فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات يلتحق بهذا النوع، بخلاف توحيد الألوهية، فيحتاج إلى إرادة وطلب. وقسمة أخرى كذلك من أهل العلم من قسم التوحيد إلى قسمين: إلى توحيد المعرفة والإثبات، وإلى توحيد القصد والطلب. فقالوا: إن توحيد المعرفة والإثبات يدخل فيه ماذا؟ يدخل فيه توحيد الربوبية والأسماء والصفات. كما قلنا: تجد أن العلماء يجمعون بينهما، فهم في توحيد المعرفة والإثبات، المعرفة والإثبات يقولون: بأن الربوبية والأسماء والصفات يحتاج، يا عبد الله، إلى أن تتعرف عليهم وتثبتهم لله. بخلاف توحيد الألوهية، فهو توحيد القصد والطلب، يحتاج منك إلى عمل، يحتاج منك إلى توجه، إلى إرادة، إلى إخلاص. ولهذا، إخواني في الله، تجد أن من العلماء من يرى أن توحيد الأسماء والصفات هو مع توحيد الربوبية في مقام واحد، وتوحيد الألوهية ينفصل عنهما. ولكن من أهل العلم من يرى إلى أن التوحيد يفصل في هذا التفصيل الثلاثي المعروف. وعلى كل، الإخواني في الله، من باب الفائدة نأتي إلى من يشرب على أهل السنة في هذه القسمة من أقسام التوحيد. سمعنا ولازلنا نسمع من بعض أهل البدع والأهواء ممن لم يفقه مسائل التوحيد، فأخذ ينكر على أهل السنة والجماعة ما كان من تقاسيمهم لأنواع التوحيد. ومنهم من يقول: هذه أشياء مبتكرة، وهي أقوال مبتدعة أتى بها هذا شيخ الإسلام ابن تيمية. ومن قال لكم أن شيخ الإسلام هو الذي ابتكر هذه التقاسيم؟ هذه التقاسيم قد عرفها السلف من العلماء القدامى من القرن الرابع قبل أن يأتي شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فقد أشار إلى أقسام التوحيد ابن بطة في الإبانة، والطحاوي في عقيدته، وذكر ابن حبان في روضة العقلاء، وذكرها الطبري في تفسيره. وهو لقد سبقوا شيخ الإسلام، سبقوا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، بل شيخ الإسلام إنما بالحقيقة أخذ منهم، فلا يقال إنه ابتدع وابتكر، وإنما يقول هذا من لم يفقه في دين الله سبحانه وتعالى. زد على ذلك، يا عبد الله، أنك تلاحظ أن العلماء ما عوّلوا على مسألة القسمة، فهم يرونها أنها ثنائية، يرون أنها ثلاثية، بل منهم من قسم التوحيد إلى أربعة أقسام. لماذا هذا الأمر؟ هم لا يتعبدون الله جل وعلا بهذه القسمة بذاتها، وإنما يريدون من هذه القسمة توضيح معالم التوحيد هذا القصد. ولن عبر، إخواني في الله، بباقي الفنون، بباقي الفنون التي قام العلماء من أهل الاختصاص بتقسيمها، بذكر أركانها، شروطها، أبوابها. لماذا فعلوا هذا؟ مثاله مسائل التجويد وقراءة القرآن، كان الأوائل ما يعرفون شيئًا اسمه علم التجويد. لماذا؟ لأنهم كانوا يقرؤون على السليقة، يأخذون القرآن غضًا طريًا، فكان المراد منهم أن يقرأوا القرآن صحيح التلاوة. فإذا وجد في هذا الأزمان من الناس من يقرأ القراءة الصحيحة المتقنة، إذن ليس عليك غضاضة أن تتعرف على الصفات، وعلى المخارج، وعلى أحكام التجويد، أحكام النون الساكنة. أقسام المدود، ما لك حاجة إذا كانت قراءتك صحيحة مئة في المئة، ما أنت بحاجة. لكن الذي ما يستطيع أن يميز، يقال: تعلم هذا العلم يعينك على القراءة الصحيحة. مثله في مسألة النحو، الأوائل ما كانوا يحتاجون إلى كتب النحو، ومعرفة الاسم والحرف والفعل؛ لأنهم كانوا يتكلمون بالسليقة العربية، قراءة ما فيها لحن ولا شذوذ. فمن كان يقرأ بالقراءة الصحيحة، الإعراب الذي ليس فيه لحن في كلامه، هذا في غنى أن يدرس التوحيد، إذا كانت القراءة ما فيها إشكال. لكن الذي يلحن، كحال كثير منا، هذا يحتاج إلى أن يدرس، لماذا؟ يتعلم، فهذا العلم يعين على القراءة الصحيحة. وهكذا قس في باب الصلاة، الآن تسمع من هؤلاء الذين يتهوكون على أهل السنة، يسألهم: ما الذي يدرسون في الفقه في باب الصلاة مثلًا؟ الأركان، الشروط، الواجبات، المستحبات. السؤال: لماذا هذه التقاسيم؟ الأركان سبعة، الشروط ستة، هذه الأعداد والأرقام لماذا جئتم بها؟ ما كان الصحابة يعرفون شيئًا اسمه شروط الصلاة، أو أركان الصلاة، أو مستحبات، ما كانوا يعرفون هذا. لماذا جئتم بهذا الفن؟ قالوا: هذا من باب التعليم. يقول: سبحان الله، وحنا لا ننكر هذا، نعم، هذا من باب التعليم، الإنسان يعرف ما هو الركن فيهتم به، ما هو الشرط فيعتني به، ما هو المستحب والسنة فيعطيه مقامه وقدره. وهذا الذي يريده العلماء في باب التوحيد، عندما قسموا التوحيد إنما قسموا التوحيد لكي يعرفوا الناس ما الذي ينبغي إزاء الرب جل وعلا من المعتقد الصحيح. تعرف ما الذي ينبغي أن يكون لله جل وعلا في ربوبيته، في ألوهيته، في الأسماء والصفات، ما الذي ينبغي أنت إزاء ربك جل وعلا في أن تتوجه إليه. إذن هذا أقسام التوحيد إنما فعلها العلماء من باب الإيضاح لمعالم التوحيد. ولهذا، إخواني في الله، لما لم يتفطن الناس إلى هذه القسمة، إلى قسمة التوحيد، ما الذي صار؟ وقع الخلط، بل ظهرت مظاهر الشرك، الذي ما يفهم الأقسام فما يعرف ما الذي ينبغي عليه إزاء الرب، يقع فيه الخلط. مثل الذي يخبط في أمر الصلاة، مثاله: لأن أحدًا ما عرف شروط الصلاة، واضطرب الأمر بين شروط الصلاة وبين مستحبات الصلاة، فجعل من أركان الصلاة ما جعلهم مستحبة، مثل الطمأنينة. الطمأنينة ركن من أركان الص، ثم ارفع حتى تعتدل قائمة، ثم اسجد حتى تطمئن ساجد، كما في الصحيحين، هذه إشارة إلى ركنية الطمأنينة. الذي ما يعرف ركنية الطمأنينة، ما الذي يكون في صلاته؟ سينقرها نقر الديك، وهذا على قول جماهير العلماء، صلاته باطلة. لماذا؟ لأنه ما أتى بركن. ولماذا لم يأتي بالركن؟ لجهله، ما عرف الأركان، ما عرف الشروط، ما عرف المستحبات، فخلط في الصلاة، فكان مرد ذلك أن صلاته بطلت. فإذا كان هذا في أمر الصلاة، فما ظنك بأمر التوحيد؟ الذي ما يفرق بين الربوبية وبين الألوهية، الذي وجدنا الخلط حتى رأينا من بعض الناس ممن ينتسب إلى العلم والفهم من يقول: لا إله إلا الله بمعنى لا خالق إلا الله، سبحان الله، كيف أدخلت الألوهية في الربوبية؟ هنا لا إله هذه ألوهية لله. ولما تفسرها لا خالق، أدخلت الربوبية، فكيف هذا؟ يا عبد الله، فأصبح معنى لا إله إلا الله أي لا خالق ولا رازق إلا الله، فمعنى هذا: أنا من قال واعتقد بأن الله هو الخالق، وهو الرازق، هذا الموحد، سبحانه، هكذا التوحيد، يا عبد الله، أنك تعتقد بأن الله هو الخالق، وأن الله هو الرازق. الجواب: لا، ليس هذا المقصود. ولهذا أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة مهمة، قال رحمه الله تعالى عندما ذكر توحيد ربوبية، قال: وهذا لا ينكره المشركون، هذا توحيد ربوبية، الاعتراف بأن الله الخالق والرازق، وأن الله الموجد للأكوان، هذا ليه يخالف فيه أحد؟ أصلا ما يخالف فيه أحد من أهل الأمة. بل بإجماع الطوائف والملل، نحن يعتقدون بأن الله هو الخالق، وهو المتصرف بالكون، النصارى مع القول بالتثليث، الأب والابن وروح القدس، يعترفون بأن الأصل هو الأب، المجوس وهم الثنوية الذين يعتقدون بإله النور وإله الظلم، يعترفون بأن الأصل هو إله النور، وأن إله الظلم حادث. بل هذا فرعون الذي يقول: بأني أنا ربكم الأعلى، ومع قومه الذين يصفقون له، ماذا في أنفسهم؟ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، واستيقنتها أنفسهم يعلمون بأن الله هو الخالق، ليس فرعون، فكل الأمم تعترف بأن الله هو الخالق، وأن الله هو الرازق. بل حتى الذي بعث إليهم نبينا، وهم كفار قريش، يعترفون بهذا الأمر، ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ يقولون: الله، فما في نزاع. نعم، هناك طوائف خالفة، وهم شذوذ، طوائف خالفت في الإقرار بتوحيد الربوبية، فرقة في القديم، وفرقة في الحديث. الفرقة القديمة: الدهرية، الدهرية فرقة قديمة كانت تكفر حتى بربوبية الله، ولا تعتقد بأن هناك ربًا خالقًا، ولا رازقًا، ولا محيي، وقد ذكر لنا ربنا قولهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فيرون أن البقاء والفناء إنما يتعلق بمسير الأيام والليالي، ما هناك إله في الكون. وهذه فرقة اندثرت وانقضت وانتهت. وفي العصر الحديث نعم جاءت فرقة، وهم الشيوعية الملاحدة، الذين يرفعون راية لا إله، والحياة مادة، يقولون: لا إله في الكون، لا رب في الكون، وينكرون وجود الرب سبحانه وتعالى، فلا خالق، ولا رازق، ولا محيي، ولا مميت، الملاحدة من الشيوعيين، وهؤلاء ثم تنازعوا فيما بينهم: إن من الذي أوجد الكون؟ من الذي أوجد البشرية؟ من أوجد الخلق والكائنات؟ حينها تنازعوا، من قائل يقول: بأن الكون أوجد نفسه بنفسه، ومن قائل: بأن الكون وجد صدفة، ومن قول ثالث: بأن الطبيعة هي التي أوجدت هذه الموجودات، الطبيعة، وهم لا زالوا في كلياتهم ومعها يقررون بعض النظريات، ويريدون من هذه النظريات إثبات هذه المسألة على أن الطبيعة هي التي أوجدت هذه الأشياء التي نحن فيها، كنظرية الانتخاب، ونظرية البقاء للأفضل، ونظرية التطور. نظريات كلها تهدف إلى أن الطبيعة هي التي أوجدت هذه الأشياء، وطبعًا هذه من الترهات، ويكفي في الرد عليها ما آلت إليهم بلادهم، إنهارت؛ لأن ما أحد أبدًا يستوعب هذه الفكرة الإلحاد. فإخواني في الله، فهذه مسألة أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن تقسيم التوحيد ينقسم إلى قسمين: توحيد ربوبية وألوهية، وأن الأسماء والصفات يدرجها العلماء في توحيد ربوبية؛ لأن في مسلك واحد، يحتاج من المسلم أن يتعرف عليها، وأن يعلم بها، وأنه يثبتها لله جل في علاه، بخلاف الألوهية، ففيها قدر زائد، فتحتاج إلى توجه، وإلى قصد، وإلى إرادة، وإلى الطلب. وذكر العلماء، المؤلف رحمه الله تعالى، أن توحيد ربوبية ما هناك أحد من جعل مع الله شريكا في هذا الباب، إلا من سمعتم من حثالة المجتمع ممن مضى وانتهى، وممن بقي واندثر. أما باقي الأمم، فهم مقرون بأن الله هو الخالق، الموجد لهذه الكائنات. الخلاف الذي تم، تم في توحيد الألوهية، وسيتم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى ما فيه إشارة إلى هذا النزاع الذي وقعت فيه الأمم. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.