الدرس في شرح الرائد في علم الفرائض 4، ألقاها
يتناول هذا الفصل موانع الإرث في الإسلام، مع التركيز على القتل كمانع من موانع الإرث وأنواعه وتأثيره على الإرث. كما يوضح الشروط التي تجعل القتل مانعاً من الإرث.
يبحث هذا الفصل في أحكام الإرث بين المسلمين والكفار والمرتدين، حيث يشرح آراء الفقهاء حول توريث كل طرف للآخر وتأثير الردة على الميراث.
يناقش هذا الفصل أحكام التوارث بين الزوجين في حالة الطلاق الرجعي والبائن، مشيراً إلى استمرار التوارث في الطلاق الرجعي وانقطاعه في البائن مع استثناءات محددة.
يستعرض هذا الفصل بعض الأمراض المخوفة التي قد تؤثر على أحكام الميراث، مثل السرطان والنزيف المستمر، ويبين أهمية هذه الأمراض في سياق الميراث.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ذكر المؤلف رحمه الله من موانع الإرث القتل المانع من الإرث، وهو كل قتل أو جرم قصاص كالعمد المحض العدوان. قلنا: العمد يخرج به الخطأ، والمحض يخرج به شبه العمد، والعدوان يخرج به ما كان دفاعا عن النفس. فإذا توفرت هذه الأوصاف في القتل بأن كان عمدا محضا عدوانا، فإنه يمنع من الإرث. طيب، فإن كان خطأ، فقلنا: جمهور العلماء على أنه لا يرث، كذلك أنه لا يرث كذلك بقتل الخطأ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يرث من قتل مورثه». والحديث صحيح، الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. وهذا الحديث عام يشمل من قتل عمدا ومن قتل خطأ. وهنا قول الإمام مالك رحمه الله: أنه يرث من المقتول سوى الدية، فلا يرث منها شيئا. ورجحه الإمام المقيم رحمه الله. وقال الشيخ العثيمين: لكن ينبغي أن توجد قرينة تدل على أنه ليس بعمد. طيب، أو أوجب الدية، كقتل الوالد ولده عمدا عدوانا، فإنه يضمن بالدية ولا كفارة لأنه عمد، ولا قصاص فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل الوالد بولده». هذا النوع الثاني من أنواع القتل المانع من الإرث، ما أوجب الدية، كقتل الوالد ولده عمدا. فقتل الوالد لولده يوجب الدية ولا يوجب القصاص، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل الوالد بولده»، يعني وإن قتله عمدا لا يقتل به، لكن تبقى عليه الدية، ولا كفارة لأنه عمد، هو يقتله متعمدا، والكفارة إنما هي في قتل خطأ. ولا قصاص فيه لهذا الحديث: «لا يقتل والد بولده». قال: أو أوجب كفارة، كمن رمى مسلما بين الصفين يظنه كافرا أخطأ، أراد أن يرمي الكافر وظنه أنه من الأعداء والكفار فقتله، فإذا به مسلم، فهنا ماذا عليه؟ كفارة، وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين. قالوا: أما القتل الذي لا يلزم منه واحد من هذه الثلاثة، فلا يمنع من الإرث، وذلك كالقتل قصاصا أو حدا أو دفاعا عن نفسه. كالقتل قصاصا، طيب، إذا قتل هذا القاتل قصاصا من باب قامة القصاص، فإنه لا يمنع من الميراث. طيب، أو حدا، مثلا هذا المقتول أو هذا القريب زنى وهو محصن، فحكمه الرجم. طيب، كان ممن شارك في الرجم من يرثه، فهل يمنع ذلك من الميراث؟ الجواب: لا، لا يمنعه من الميراث. قال: أو دفاعا عن نفسه، اعتدى عليه هذا الذي ماذا يرثه؟ اعتدى عليه فدفعه، وما أمكن دفعه إلا بالقتل فقتله، هل يمنع ذلك من إرثه؟ الجواب: لا، لكن هذا إذا وجدت قرينة تدل على صدقه أنه معتدي وأنه إنما قتله دفاعا عن نفسه. طيب، أو العكس، الإبن كافر والأب مسلم، فمات الإبن، فلا يرثه الأب بسبب اختلاف الدين. لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم. أو كان مثلا زوجان أحدهما مسلم والآخر كافر، الزوج مسلم والمرأة كافرة، يهودية أو نصرانية، ثم ماتت، فلا يرثها الزوج لأنها كافرة، ولا يرث المسلم الكافر. طيب، هذا باتفاق أن الكافر لا يرث المسلم، واختلاف أهل العلم: هل يرث المسلم الكافر؟ عرفنا أن الكافر لا يرث المسلم هذا باتفاق، لكن المسلم هل ممكن أن يرث الكافر؟ قال بهذا بعض أهل العلم، أن المسلم يرث الكافر، وروي هذا عن عمر ومعاذ ومعاوية رضي الله تعالى عنهم. وذلك أن المسلم أعلى من الكافر، تجب أن المسلم أعلى من الكافر، ولأنه يباح لنا نكاح نساء أهل الكتاب، ولا يباح لهم نكاح نساء المسلمين، فاستدلوا بهذا لأنه يرث. الصحيح أنه لا يرث، الصحيح أنه لا يرث المسلم الكافر، وهو قول جمهور أهل العلم، لعموم الحديث: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، قال: إلا الإرث بالولاء، فعند الإمام أحمد لا يمنعه به، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته». ولما روي عن علي وعمر بن عبد العزيز من توريث الكافر من المسلم به، يقول: أن إرث المسلم من الكافر يحصل التوارث بالولاء، إذا كان هناك لهذا المسلم ماذا؟ كافر أعتقه وصار ولاؤه لمن لهذا المعتق الذي هو المسلم، ثم مات هذا المعتق، فيرث هذا المسلم ماذا؟ هذا الكافر بالولاء، يرثه بالولاء. استدلوا بهذا الحديث: «لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته»، يعني يكون هذا النصراني عبده أيضا. طيب، هذا الحديث لا يصح، رواه الدارقطني من حديث جابر، وهو ضعيف في عنعنة أبي الزبير. إذا نبقى على عموم الحديث: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». قال: وكذلك إذا أسلم الكافر قبل قسمة تركة مورثه المسلم، ورث عند الإمام أحمد، ترغيبا له في الإسلام. هذه أيضا مسألة أخرى، إذا أسلم الكافر قبل قسمة تركة مورثه، الآن عندنا كافر مات مورثه، مثلا الإبن كافر مات الأب، طيب، قبل قسمة التركة أسلم الإبن، هل يرث من مال أبيه أو لا يرث؟ الإمام أحمد رحمه الله يقول بأنه يرث ترغيبا له في الإسلام، قدام أنه أسلم فإننا نورثه ويكون له نصيبا من الإرث. وهذا القول هو كذلك عن عمر، عثمان، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم. والقول الثاني: أنه لا يرث، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وعامة الفقهاء، لعموم الحديث: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، ولأن هذا المال بموت مالكه انتقل إلى ورثته المسلمين، فصار ملكا لهم، إذن فلا يرث هذا. والصحيح أنه لا يرث. قال: وكذلك يكون اختلاف الدين بين أنواع الكفر وملله كالمجوسية واليهودية والنصرانية، وهذا هو الصحيح عند أحمد، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فجعلهم مللا لا ملة واحدة. هذه المسألة وهي اختلاف ملل الكفر، هل ملل الكفر ملة واحدة أو كل ملة مستقلة عن الأخرى؟ فمن أهل العلم من قال: ملل الكفر كلها ملة واحدة، كلها تعتبر يعني داخل في الكفر، فيحصل التوارث فيما بينهم، يرث اليهودي النصراني، ونصراني اليهودي، والمجوسي الوثني وهكذا. ومن أهل العلم قال: بل ملل الكفر متعددة، وكل ملة يعتبر دينا مستقلا، لا يرث أحدهم من الآخر، فاليهودي لا يرث من النصراني، والنصراني لا يرث من اليهودي. وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله. قال: وكذلك يكون اختلاف الدين بين أنواع الكفر وملة له كالمجوسية واليهودية والنصرانية، يعني لا يرث كل واحد منهم الآخر. واستدل بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، قال: فجعلهم مللا، كل دين من هذه الأديان ملة مستقلة. ويحتج لهم كذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، بالحديث عن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحسنه الألباني رحمه الله. وهذا القول الذي قال به الإمام أحمد، قول أبي حنيفة، والشافعي. وهذا القول أرجح، لما سمعنا، فيكون هو الأقرب للصواب. قال: حكم المرتد. قال: المرتد لغة هو الراجع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، لا ترتدوا يعني ترجعوا، الارتداد الرجوع، لا ترتدوا على أدباركم يعني فترجعوا. أما أنتم فيه من الهداية والاستقامة والإسلام، فتحصل لكم الخسارة. قال: وشرعا هو من كفر بعد إسلامه، يعتبر مرتدا، حتى ولو لم ينتقل إلى دين آخر، بمجرد ارتداده عن دين الإسلام، رجعه عنه، يعتبر مرتدا. قال: وأما حكمه، فهو لا يرث، ولا يورث، وماله فيء لبيت مال المسلمين، لأنه ليس بمسلم حتى يرثه المسلمون. ولا يقرع على ارتداده حتى يرثه أهل الملة التي ارتد إليها، يعني عندنا آن شخص ارتد عن الإسلام، كان مسلما ثم كفر ورجع عن دين الإسلام، طيب، مثلا رجع إلى دين النصرانية، هل يرثه المسلمون؟ الجواب: لا، هو كافر، يعني إذا مات مثلا أو قتل على الردة، هل يرثه أو أقرباه المسلمون؟ الجواب: لا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر»، وهذا كافر. طيب، هل يرثه أهل الملة التي انتقل إليها؟ هم نصارى، الجواب: لا، لماذا؟ لأنه لا يقر على ارتداده، لا يقر على ارتداده حتى يرثه أهل تلك الملة. فإذا قتل على الردة، فماله يكون ماذا؟ فيء لبيت مال المسلمين، يأخذ ماله ويوضع في بيت مال المسلمين. وبهذا قال مالك، والشافعي، وكذلك أيضا الإمام أحمد رحمهم الله. وهنا قول آخر، وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يرثه ورثته المسلمون، يرث ورثته المسلمون. ورؤية هذا القول عن علي، وأبي بكر رضي الله تعالى عنهما. والأقرب للصواب أنهم لا يرثونه، لعموم الحديث، فعندنا الحديث يعني ماذا؟ قاض بعدم حصول التوارث بينه وبين ورثته، «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». قال: توريث المطلقة. قال: الطلاق الرجعي، عندنا الطلاق على قسمين: طلاق رجعي، وطلاق بائن. قال: الطلاق الرجعي يثبت التوارث بينهما، طبعا الطلاق الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج إرجاع زوجته، إذا طلقها مثلا طلقة واحدة، فهو الآن يملك رجعتها، إذا أراد أن يرجعها وهي في حال العدة له أن يرجعها. طيب، إذا حصل موت في أثناء هذا الطلاق، يقول: يثبت التوارث بينهما، طلق امرأته وهي في حال العدة طلاق رجعي، ثم مات، مات الزوج، فالزوجة هذه ترث زوجها المطلق، أو العكس ماتت هي في حال العدة في الطلاق الرجعي، فإنه يرثها لأنها ما زالت زوجته. قال: سواء كان في الصحة أو في المرض، ما دامت لم تخرج الزوجة من العدة. وحصول التوارث بينهما في الطلاق الرجعي هذا باتفاق أهل العلم. قال: ثانيا الطلاق البائن، إذا كان في حال الصحة، فلا توارث، يعني في حال صحة الزوج، ليس هناك يعني مرض عنده يكون طريح الفراش، أو أن هذا المرض مرض مستعصي، مثله لا يشفى غالبا صاحبه، فيوشك على الموت، لا في حال صحته، ليس عنده أي مرض، طلقها مثلا، ثم رجعها، ثم طلقها، ثم رجعها، أو قد طلقها من قبل مثلا طلقتين، ثم طلقها ثالثة، فصارت بائنا، فهنا لا توارث، ينقطع ما بينهما من علاقة. قال: وإن كان في المرض المخوف، ولم يتهم بقصد حرمانها من الميراث، المرض المخوف يعني المرض الذي يخاف منه الموت، كان يصاب بالسرطان أو بمرض الكبد أو نحوها من الأمراض المستعصية. قال: ولم يتهم بقصد حرمانها من الميراث، كما إذا سألته طلاقها ثلاثا فأجابها، فإنها لا ترث، كذلك، وادع القول بإيقاع الثلاثة في المجلس الواحد. وإلا في الصحيح أن الثلاثة في المجلس الواحد تعتبر طلقة، لكن على القول بأن الثلاثة تعتبر ثلاثا، فتبين منه، فإذا طلقها في مثل هذه الحالة، فإنها لا ترث. وهنا لا يوجد ماذا؟ قرينة بقصد حرمانها من الميراث، لم يتهم بذلك، فلا ترث منه. قال: فإن اتهم بقصد حرمانها، وذلك كما إذا سألته أن يطلقها رجعيا فطلقها بائنا، ورثته يقولون: إذا اتهم بقصد حرمانها، أراد أن يحرمها من الميراث. سألته أن يطلقها، طلق رجعيا، فطلقها طلاقا بائنا، قالوا: هنا ترث من باب أن يعامل بنقيض قصده، أن يعامل بنقيض قصده. قال: ورثته، ولو انقضت عدتها، يعني ولو انتهت عدتها من هذا الطلاق، ولم تتزوج أو ترتد، فإنها ترثه. قال: وكذلك القاتل يعامل على نقيض مقصوده، القاتل عندما يقتل مورثه، يستعجل الإرث، يريده أن يموت حتى يرثه، فربما يقتله حتى يرثه، هنا يحقق التوارث بينه وبين ورثته، فيحرم من الميراث. كذلك إذا أراد منعها من الميراث، فطلقها طلاقا بائنا، فإنها ترثه، معاملة لنقيض قصده. قال: والمرض المخوف كذات الجنب، والرعاف الدائم، فإن لم يكن المرض مخوفا، وذلك وجع ضرس أو صداع، وحمى يسيرة، فلا ترث لانتفاء التهمة، يعني إذا طلق طلاق بائن وهو مريض مرض غير مخوف، فإنها لا ترث، لأنه لا تهمة هنا لأجل منعها من الميراث. واستدل العلماء بمنعها بإرثها إذا قصد أو التهمة بقصد حرمانها بأثر عن عثمان رضي الله تعالى عنه، عندكم الأثر مذكور في التعليق. أن عثمان بن عفان ورث تماضر من عبد الرحمن بن عوف، وكان قد طلقها طلاقا بائنا في مرض موته. طيب، وهذا قول الجمهور، ذكر هنا من أمراض كذلك السرطان، مرض مخوف. والمرض المخوف كذلك، مثل السرطان، والنزيف أو الرعاف الدائم. والله أعلم.