الدرس في شرح كتاب التوحيد 208، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح أثر ابن عباس في تحذير من مخالفة قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويتعلق الأمر بمسألة التمتع في الحج. ابن عباس يرى أن النبي تمتع بينما أبو بكر وعمر لم يفعلا ذلك.
يتناول أفضلية التمتع في الحج ويرجح كونه أفضل من القران والإفراد، ويحذر من التقليد المذموم لأحد دون اتباع الكتاب والسنة. يشير إلى أن كل إنسان عرضة للخطأ.
يناقش أهمية تعظيم شرع الله وعدم التعصب للأشخاص أو المذاهب، ويحذر من تقديم أقوال العلماء على سنة رسول الله. التعصب المذهبي يؤدي إلى مخالفة شرع الله.
ينهي الخطبة بدعاء الله أن ينفع بما قيل فيها ويختم بالصلاة على النبي محمد، ويظهر التواضع والاعتراف بفضل الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر، وهي من أوائل استدلالاته بهذا الباب، والذي بوَّب عليه بقوله: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرَّم الله أو تحريم ما أحلَّ الله، فقد اتخذهم أربابا. وتكلمنا حول فوائد هذا الباب وما يتعلَّق به من مسائل وأحكام، وها هو رحمه الله تعالى يورد استدلالاته في هذا الباب، فأورد أثر ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. وهذا الأثر رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده بإسناد صحيح من طريق عبد الرزاق عن معمر عن طاووس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. ولهذا من قال أن هذا الأثر ليس له أصل ليس بصحيح، بل هو من الآثار الصحيحة المسندة إلى ابن عباس، وقد تناقلها العلماء. فقوله رضي الله تعالى عنه: يوشك، وهي من أفعال التقريب، بمعنى يقربوا. وأوشك ماذا؟ أن تنزل عليكم حجارة من السماء، وهذا إشارة إلى مسألة عظيمة، وما هو هذا الأمر؟ قال: أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. وهذا الأثر ذكر العلماء أن له سببا، وذلكم ما رواه سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تمتع، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: إنهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله، ويقولون: قال أبو بكر وعمر. ففي هذا الأثر بيان السبب، وهو ما جاء في أمر المتعة، والمقصود بالمتعة هنا متعة الحج. فابن عباس رضي الله تعالى عنه يدلل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من فعله وهديه التمتع. والتمتع للحاج صورته أن الإنسان يأتي بعمره في أشهر الحج، فيأتي إلى الميقات ويحرم، ثم يقوم بالطواف حول البيت ويصلي خلف المقام، ثم يطوف ثم يسعى بين الصفا والمروة، ثم يتحلل. فإذا تحلل حينها له أن يتمتع بأي شيء، فله أن يمس الطيب وأن يلبس ما شاء، وله أن يأتي النساء حتى يأتي اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، فحينها يهل بالحج. وهذا هو التمتع، يأتي بعمره ويأتي بحج، لكن يجعل بينهما فاصلا يتمتع فيه. وهذا هو التمتع الذي أراده ابن عباس بأن النبي تمتع، لكنه قوبل رضي الله تعالى عنه بأن أبا بكر وعمر ما تمتعوا، بل إنما أفردوا. والإفراد هو أن يأتي بالحج فقط منفردا. فلما رأى ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه عُرِض بذلك غضب، مع أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كأمثال أبي بكر وعمر إنما اقتصروا الحج على صورة الإفراد باجتهاد منهم، ورأوا أن هذا هو أقرب للسنة. إذ أن من الصحابة من يرى أن الحج هو الإفراد. ولهذا روى ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يحجون أربعين سنة إفرادا. وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يرى أن الصواب هو التمتع، بل كان يرى الوجوب. وهذا ليس بصحيح، لا يصل التمتع إلى حد الوجوب. ولهذا القول الفصل في هذه المسألة أن أنساك الحج وهي التمتع والقران والإفراد كلها جائزة، وإنما الخلاف في الأفضل. فمن ذهب إلى القران أفضل، ومن ذهب إلى الإفراد أنه أفضل، ومن ذهب إلى التمتع أنه الأفضل. فالخلاف في الأفضلية، ولا شك أن التمتع أفضل، كما جانح إلى ذلك جماعة من أهل العلم. وكان السلف رحمهم الله تعالى يرون هذا لعدة أسباب، منها ما جاء في بعض الروايات، وأيضا للمنافع والمصالح العظيمة التي تعود على المسلم في نفسه وفي غيره إذا جمع بين العمرة والحج. فمن تلكم المنافع ما يكون من استغلال الوقت بملاقاة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، يأتي الإنسان في وقت العمرة ثم يجلس ينتظر الحج، فكانت تستغل هذه الأوقات في مجالسة الصحابة وفي سؤالهم. وكذلك ما يكون فيه من أمن الطريق، لأن المتمتع لربما جاء في وقت تتحرك فيه الناس من أشهر الحج، فيبدأ الناس بالذهاب والإياب، فتكون الطرقات مطروقة، فيأمن الناس على أنفسهم. وكذلك ما يكون من كثرة استمرار التجارة، فذاك الذي يأتي لربما استغل حجه بالبيع والشراء، وتطول مدة البيع والشراء في مواسم الحج، وخاصة في حق المتمتعين. وهكذا الأجر يعظم، لأنه يأتي بعمره ثم يأتي بحج، فهذا له أجر، وهذا له أجر، فتزداد عليه الأجور. ولهذا كان القول الصواب في هذا الباب أن التمتع أفضل. ومن فوائد هذا الأثر أن ما من إنسان مهما علت كعبه وكثر علمه إلا وهو بشر عرضة للصواب والخطأ. فما هناك أحد معصوم، وفوق كل ذي علم عليم. فكم من إمام لربما يفتي بمسألة ثم يتراجع عنها، أو لربما يفتي بفتوى ثم يتضح أنه أخطأ فيها. ففي هذا الأثر نعلم أن ما هناك أحد معصوم من الخطأ والزلل مهما كان أمره. ويكأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه يشير لمن في زمنه أن أبا بكر وهو من هو، وعمر وهو من هو، هم كذلك من عداد البشر، يعتريهم ما يعتري البشر من الخطأ. ولا يمكن لأحد أن يدعي لنفسه العصمة، كما نجده من بعض من تغطرس و استكبر ومن يرى في نفسه العظمة، وأن الحق دائما وأبدا معه. إذا كان الحق دائما وأبدا معك، إذا أنت معصوم. قل: أنا بشر، أخطأ وأصيب. وهكذا كان العلماء دائما يلقنون الطلاب بهذا. نعلم من هذا الأثر أن ما منا من أحد من أهل العلم والشان إلا وهو عرضة للخطأ. وفي هذا الأثر أيضا من الفوائد التحذير من التقليد المذموم، وهو أن تنصب لنفسك أو لجماعتك أو للأمة تنصب لهم شخصا توالي عليه، تعادي عليه، تتبعه في كل شيء. هذا لا يجوز لأحد أن ينصب كائنا من كان، ويقال هذا يتبع ولا يتبع سواه. هذا لا يجوز. ومن هذا الذي نصب فلانا على الأمة؟ ما عندنا إلا الكتاب والسنة، هؤلاء لهم العصمة، واتباعهم حجة. وغير الكتاب والسنة ما يعظمون هذا التعظيم أو يجعل لهم هالة التقديس فيقلدون كما نجده من كثير من الأتباع في مثل هذه الأزمان. أنه ينصب لنفسه شخصا فيقلده على كل شيء. ولهذا جاءت عبارات السلف بالتحذير من التقليد، حتى قال بعض العلماء كابن عبد البر: لا يقلد إلا عصبي أو غبي. هذا الذي يقلد إما عصبي بلغ من العصبية المقيتة أنه يأخذ دينه من فلان، أو أنه غبي ما عنده فكر يفكر. لأن الله أمرنا أن نأخذ من كتابه ومن شريعة رسوله عليه الصلاة والسلام. أفلا يتدبرون القرآن؟ اقرأ يا عبد الله وتفكر، وإذا استشكل عليك شيء فاسأل أهل العلم، فاسألوا أهل الذكر ممن تأمنهم على دينك، وهم كثر. فلان وفلان، فتجعل شخصا بعينه هو الذي تعود له وتمنع على نفسك وغيرك السؤال على غيره، ما يجوز هذا. ولهذا كان من عبارات السلف أن قالوا: لا تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذوا. هكذا كان يربون أنفسهم وأتباعهم. وإمامنا الشافعي رحمه الله تعالى كان من أشد الناس تربية لهذا الأمر. الشافعي رحمه الله تعالى ضرب لنا أروع النماذج في مقالاته وأفعاله في أن يعلم طلابه بضرورة التعظيم لشرع الله، وعدم التعظيم لشخصه. فهو يعرف مستوى نفسه وأنه بشر يعتريه الخطأ. ولهذا كان في من سؤالات بعض الناس له، أن سئل بسؤال فقال: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. فإذا بالسائل مطمئن للإجابة، مع أن الشافعي أخبره بحكم شرع الله وبحكم قول رسول الله. قال رسول الله كذا وكذا، فقال: وماذا تقول أنت هنا؟ وضرب الشافعي رحمه الله تعالى مثلا، قال: أتراني خرجت من كنيسة؟ أترى علي زنارة؟ أقول لك: قال رسول الله، وتقول: ما أقول؟ وأنا أنت واعي بهذا الطرح. أنا أيش تراني؟ ما أنا مسلم؟ ترى علي زنارة من زنانير اليهود أو تراني خرجت من كنيسة؟ أنا مسيحي، نصراني عندك؟ أقول لك: قال رسول الله، وتقول: ما أقول؟ أنا تريد إيش؟ أعرب هذه تربية تربية عظيمة إخواني في الله لنا جميعا في كل زمان ومكان. فيا ليت من تربى على هذا المذهب وعلى سير المذاهب أنه يتربى على تعظيم السنة قبل أن يعظم الأشخاص، فيعظمهم فيرفعهم إلى منزلة رسول الله. بل وهذا مسألة الثالثة أعظم الناس خطورة من إذا حدث عن رسول الله وحدث عن غيره، أخذ بقول الدون ورد حديث رسول الله. وهذا من أشد الناس تعصبا ومقتا أن يصل بك الحال إلى هذا الحد أن تجعل الكلمة العليا لصاحب مذهبك وصاحب طريقتك. فقوله يؤخذ، وإذا وجد معارضة بين قول الصاحب مع قول رسول الله، فقول رسول الله يترك. قد وجد هذا حتى قال بعض متعصبة متعصبة المذاهب. قال أحدهم: أي حديث، أي آية أو حديث يخالف مذهبنا، فهي إما منسوخ أو مؤولة. إذا وجدت آية قرآنية أو حديث نبوي يخالف ما نحن عليه، ما عليه صاحب المذهب، لا تظن أن الخطأ فينا، لا ما نخطأ نحن، بل ارجع للآية والحديث، فهي إما منسوخ أو مؤولة. لا أبد أنك تغيرها، هذه الآية الذي ترى أن فيها التعارض أو هذا الحديث الذي فيه التعارض لمذهبنا غير، إما يكون منسوخ ذاك حكمه، أو يكون مؤول له معنى في الأخير يقول إلى مذهبنا. فالأصل عندهم المذهب لا يخرج عنه قيد أمل. وهذا هو التعصب المقيت، وهذا الذي عناه ابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما تصخط على أمثال هؤلاء: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. إذا كانت المعارضة إن قدرت معارضة من أبي بكر وعمر، فما ظنك إذا كان المعارض دونهما؟ فإن الأمر أعظم وأشد. هذا أذكر في هذا المقام، والذي به أراد المؤلف رحمه الله تعالى على أن أهل العلم ولو بلغوا منزلا عظيما في العلم والرفعة، فإن قولهم لا يعارض به شرع الله جل وعلا. أقول هذا ما سمعتم، وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.