الدرس في شرح كتاب التوحيد 206، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الحديث النبوي يصف أهل الدنيا بأنهم أعوان الدنيا، بينما أهل الآخرة يعبدون الله ويتركون الدنيا. أهل الآخرة يختارون العبودية لله في سبيل الله.
الرجل الزاهد غير مهتم بمظهره، مرابط في سبيل الله، ويتمتع بفضل وكرامة عند الله مقارنة بالناس الذين يعبدون الدنيا. هذا الرجل له منزلة عالية عند الله.
يجب على المسلم الاهتمام بمنزلته عند الله تعالى وليس عند الناس، فالله يعلم بحال العبد وعمله. المهم هو العمل الصالح وإقبال العبد على الله تعالى.
الحديث يبين حال صنفين من الناس، عباد الدنيا وعباد الله، ويوضح أحوالهم المختلفة. أسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويصلي على نبينا محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كنا مع الحديث الأخير الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب، باب إرادة الإنسان من عمله الدنيا، فأورد لنا ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة»، وأشرنا إلى معاني مفردات هذه الكلمات. ثم أبان نبينا صلى الله عليه وسلم عن حقيقة العبد الذي رضي بعبودية الدنيا بقوله: «إن أعطي منها رضي، وإن لم يعطى سخط»، هذه حقيقة العبودية للدنيا، إن أعطي منها رضي، وإن لم يعطى منها سخط. ثم دعا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم بما يمنعه من تحقيق مأربه ومن تحقيق غرضه: «تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش»، تعس وانتكس، أي انتكست حالته، وإذا شيك، أي أصيب بشوك، وهو إشارة إلى الشر، فلن تقش، أي ما وجد أحدًا ينتزع منه هذه الشوكة، بل يبقى في حالته، يمنع من مواصلة العبودية لهذه الدنيا الحقيرة. ثم بعد ذلك، بعدما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن أهل الدنيا، ناسب أن يذكر لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أحوالًا ممن هم من أهل الآخرة، أن يذكر لنا في هذا الحديث من هم أهل الآخرة، فقال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لعبد»، طوبى فيها أقوال، قيل: طوبى هي شجرة في الجنة، شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها وليس سيرًا بالأقدام، وإنما سيرًا على الجواد بفرسه مئة عام، مئة عام، تخيل رجل في جواده في فرسه وهو يمشي يمشي المدة كم؟ مئة سنة، ولا يقطع الظل، ولا يقطع ظل الشجرة، كم تتوقع أن يكون مسافة هذا الظل؟ لا أحد يعلم، ولن يستطيع العقل البشري أن يدرك المسافة، ما يستطيع العقل البشري ذلك. وقد جاء في ذلكم حديث رواه الإمام أحمد، يحسن جماعة من أهل العلم أن هذه طوبى، وقيل: أن طوبى هي الجنة، طوبى لعبد، أي له الجنة بشكل عام، وقيل: أن طوبى اسم لكل حالة طيبة، وهذا دعاء له، بخلاف الأول، صاحب الدنيا قال عنه نبينا «تعس»، دعا عليه بالتعاسة والشقاء، وهنا دعا له، قال: «طوبى»، هذا مدح، طوبى، من طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، هذا رجل آخذ بعنان فرسه، بحبل الفرس في سبيل الله، أي جهادًا. وتأمل هذه العبادة التي اختارها هذا العبد لنفسه، وهي بين الحياة والموت، من خرج للجهاد خرج للموت، قد يرجع، وقد لا يرجع، بل نسبة كبيرة أنه لا يرجع، واحتمال يرجع إن أراد الله له الحياة، وإلا الجهاد والقتال هي مظنة الموت والاستشهاد، فهذا الرجل من زهده بالدنيا وحبه للآخرة أنه هو بنفسه يعجل إليها، فاختار هذه العبودية، الجهاد، لكن بخلاف الأول، ذاك عبد عبد للدينار، عبد للدرهم، هل هذا سيجاهد؟ ما سيجاهد، هذا انبطح، أما هذا من أراد الآخرة برهن على ذلك بإقدامه، آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، ذاهب للقتال، كل ذلك إشارة إلى ليس أن للدنيا في قلبي وزن. قال عليه الصلاة والسلام: «آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه»، وتأمل إلى هذا الوصف، هذا الرجل وصف حالته أن شعره أشعث، وأن قدميه قد اغبرت، إشارة إلى ماذا؟ إلى أن هذا الرجل غير مهتم بمظهره، غير مهتم بمظهره، غير مهتم بشعره بتسريحة الشعر أو أن يجعل عليه الأدهان حتى يكون رطبًا نظيفًا جديدًا لامعًا، ولا اهتم بقدميه، مغبرة قد ملأها الغبار، إشارة إلى ماذا؟ إلى زهده وعدم مبالاته بالعناية بنفسه، بخلاف الأول الذي اهتم بهذه المظاهر حتى أصبح عبدًا لها، كما قال نبي «تعس عبد الخميصة»، تعس عبد الخميلة، الخميصة هي الثياب التي فيها الزخرفة والنقش، عباد الدنيا لربما الواحد يضحي بكل شيء، بل يضحي بدينه في سبيل أن يتحصل على أفضل الثياب. بينما هذا مهتم بمظهره عند الناس، أشعث رأسه ومغبرة قدمه، مقابل صاحب الخميلة وهو صاحب الأثاث والمجلس الوفير، يبحث عن مكان يتكئ عليه حتى يأخذ الراحة التامة، بينما هذا قدمه وهي أولى الأعضاء بالراحة مغبرة، فهنا مقارنة بين صنفين من الناس، من هم عبادًا للدنيا، ومن هم عبادًا لله جل في علاه. فقال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لرجل آخذ بعنان فرسه، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة»، أي هذا الرجل وصل به الحال أنه ينقاد لغيره، يعتبر من باقي أفراد الجيش، لا يملك لنفسه حكمًا ولا إرادة، يقول: أنا طوعًا لكم، أينما وجدتموني أنفع ضعوني، فإن وجدوه أنه نافع في الحراسة، قم يا فلان احرس، يحرس الليل، لربما باقي الناس يغطون في نوم، وهو قد باع نومه، يحرس أهل الإسلام ومعسكر المسلمين طوعًا لما أمر به أميره في سرية فيحرس. إن كان في الحراسة امتثل الحراسة، وإن كان في الساقة، الساقة هي مؤخرة الجيش، وهذه من طبيعة الجيش أن يجعلون من أفراد الجيش من الجند من يكون في المؤخرة، يبتعد عن الجيش ينفصل يبقى في المؤخرة، من وظائف هذا المتأخر أنه يلتقط ما عساه قد سقط، هذا قد يقع، تجد الجند عندما يسيرون على الركبان وعلى الخيل أو يمشون مشيًا وهم قد أخذوا الأمتعة والأسلحة، لربما قد يسقط الواحد منهم شيء منه، يسقط منه، يسقط منه مال، صرة، متاع، يسقط شيء، وهذا قد يقع. نحن في أوقاتنا ربما تذهب في سيارة، وثم تخرج، ثم تستذكر أن المحفظة سقطت أو الجوال سقط، عليه يقع هذا، السقطات تقع من بعضنا، ولا زال الناس كذلك، في الجيش تسقط منهم أشياء من غير شعور، فهنا يتداركون هذا السقوط، وخاصة في مسافات بعيدة، يجعلون ساقة، الساقة مهمة أن يبقى في المؤخرة، إذا مشى الجيش يتأخر ثم يمشي بعدهم، وينظر هل يعثر على شيء؟ فإن عثر أخذ، أخذ، فإذا وقفوا في راحة واستراحة، قال: يا جماعة، وجد هذا، لمن هذا؟ يعطي الناس أماناتهم، هذا في المؤخرة، المؤخرة لربما قد يكون عند بعض الناس هذا عمل، يعني عمل دنيوي، مقارنة بالجيش، هناك قادة الجند، قادة الكتيبة، القواد الذي لهم مرتبة العليا، الذين يتكلمون ويأمرون، هذا لا في المؤخرة، ومع ذلك راضي بهذا الوضع، بل وصل به الحال كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن استؤذن لم يأذن له، وإن شفع لم يشفع»، قد يأتي هذا الجندي ويطلب من أميره ومن رئيسه الإذن، إما في انصراف أو إذن بشيء ما، لا يعطى له الإذن، لا يقابل بوجه حسن لأنه غير معروف، غير مشهور، من أفراد الرعية. إن استؤذن لم يؤذن له، وإن طلب لغيره الشفاعة لم يشفع، قد يأتي يقول: يا أفندم، أخي هذا فلان، أنت من حتى تشفع؟ الشفاعة لها الوجهاء ولهم الأعيان، هذا الرجل بهذه الصفة، الذي تارة يكون في الحراسة، وتارة يكون في المؤخرة، هذا الذي إذا جاء عند من هو أعلى منه رتبة، إذا طلب الاستئذان لم يؤذن له، وإن طلب لغيره الشفاعة لم يشفع، هذا الرجل وهو خامل الذكر، هو عند الله له طوبى، له الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لرجل»، الحديث، وبهذا تعلم يا عبد الله فوائد عدة من هذا الحديث، الذي فيه بيان إلى أن الرجل ينبغي أن يعلم يحدد مكانته عند رب قبل عند خلق الله، لا تبالي، لربما تكون عند الناس مغمورًا، عند الناس مهضومًا، تستأذن لا يؤذن لك، تطلب الزواج، أنت من؟ ما نعرف، يا ابن عالي، ارجع إلى أهلك، يا أخي، ما نزوج بناتنا لأمثالك، ما يعرف، مهضوم، ليس له شان، لكنه بالمقابل عند الله له المنزلة العالية، كما في الحديث «طوبى»، ولكن مقابل طوبى هو ما يؤذن له، ولا يشفع عند الناس، ما يبالى به. فليس العبر يا عبد الله بالمظاهر ولا المناظر، العبر عند الله بما يكون بينك وبين الله من عمل صالح، من إقبالك على الله، لما كان هذا مقبلًا على ربه سبحانه وتعالى، أعظم الله منزلته عنده، وإن لم يعطى منزلة عند الناس، بهذا تعلم يا عبد الله الخطأ عند بعض الناس ممن يريد أن يتعجل حظ الدنيا، قد يكون ربما من الناس من يكون مصليًا، أمينًا، عفيفًا، مصونًا، بعيدًا عن الحرمات والمحرمات، ومع ذلك لا يزال الناس يعاملونه بالدون، بالدون، فيقول: أن الاحترام لي، لا، تنظر احترام من الناس، يا عبد الله، بما أنك عند الله مرضي، فاكتفِ، إن جعل الله لك القبول في الدنيا فذاك، وإن لم يجعل، فيكفيك منزلتك عند ربك سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث كذلك بيان على أن الإنسان يكون حيث تكون المصلحة، إن طلب منك وأنت في مسجد من المساجد أن تمسك حلقة أطفال، امسكها، امسكها يا عبد الله، لا تقول: أنا أمسك حلقة أطفال، أنا حقي أن أمسك الدرس العام، أنا حقي أن أقيم محاضرات، أنا حق، لا تقول يا عبد الله، حقك أن ينظر للمصلحة، إن وجد في مصلحتك أنك أهل لهذا، امسك هذا، ولا يضرك عبد الله، لأن منزلتك عند الله عز وجل لا عند الخلق. ولهذا للأسف كم من أناس يعانون ويدندنون على قضية التهميش، وأنه قد همش، وأنه قد هضم، وإي كأنه يريد أن الأضواء تسلط عليه، لا يا عبد الله، الأمر بيد الله عز وجل، إن احتيج إليك فذاك، وإن لم يحتج إليك الناس، ولا يعرفوك الناس، فيكفيك أن الله يعلم بك، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كما قيل في معركة القادسية، عندما انتهت بالفوز المحقق لأهل الإسلام، وجاء من جاء من المبعوثين إلى عمر يبشرونه بالفتح، فكان من أمر عمر أن سأل عن من قتل، عن من استشهد، فقالوا: وهم يعددون القتلى، فلان وفلان وفلان، وتعبوا، ثم قال: وأناس وأناس لا يعلمهم عمر، يعني كثر لا يعلمهم عمر، فبكى عمر، وقال: إن لم يعلمهم عمر، فالله يعلمهم، هذا الذي يكفيك يا عبد الله، أن الله يعلم بحالك، ويعلم بعلمك وعملك، سواء عرفك الناس أو لم يعرفوك. ولها ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «رب رجل مدفوع بالأبواب، مدفوع مردود، كلما طرق بابًا أراد أمرًا ما، صدت عنه الأبواب، لهوان عند الناس، لكن قال نبينا: رب رجل مدفوع الأبواب، لو أقسم على الله لأبره»، انظر إلى عظيم منزلته عند ربه، لو أقسم على الله، لحقق الله ما حلف عليه، والله كذا سيكون كذا، لعظيم منزلته عند ربه، لكن انظر إلى منزلته عند الناس، مدفوع، مهان عند الناس. فيا عبد الله، إياك أن تغتر بالمظاهر، أعم من ذلك، لا تغتر بالدنيا، العبر بالدين، إن رضي الله، إن رضي عليك رب العالمين، كفاك، وإن لم تأخذ هذا الحق الذي تظنه أنه لك، وهضمت أو همشت أو لم يعط لك شيء، فاعبد الله، تسل بما عند ربك جل وعلا، فهو خير وأبقى. فالشاهد أن هذا الحديث العظيم من الأحاديث التي فيها بيان لحال صنفين من الناس، أحوال من كان من عباد الدنيا، وحال عباد من أراد ما عند الله جل في علاه، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.