الدرس في شرح كتاب التوحيد 205، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من جعل الدنيا همه الأول، ويوضح الفرق بين من يعيش للدنيا ومن يعيش للآخرة. يُبين أن التركيز على المال والمظاهر الخارجية يؤدي إلى الشقاء.
يشرح هذا الفصل كيفية التمييز بين الدنيا المحبوبة والمذمومة من خلال ضابط الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الرضا إذا أعطي والسخط إذا لم يعط. يُوضح أن من يركز على الدنيا قد يصبح عبدًا لها.
يتناول هذا الفصل عاقبة من يفضل الدنيا على الدين، ويوضح أن الشرع يعامل الإنسان بضد ما يريده. من يركز على الدنيا يجعل الله فقره بين عينيه ويفرق عليه شمله، ويخسر بركة ماله.
يتم في هذا الفصل ختام الحديث بالإشارة إلى انتهائه، مع الدعاء للنبي محمد وعلى آله وصحبه بالصلاة والسلام. يُظهر هذا الختام نهاية المناقشة مع التبرك بالدعاء وتسليم الأمر لله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا تقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في معرض كلامه حول إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وفحواه ما يكون من أحوال بعض الناس أن يجعل الدنيا هي الأساس في هذه الدنيا، يعيش لها ويستميت في سبيلها حتى أنها تطغى على آخرته. ففي هذا الحديث بيان من نبينا عليه الصلاة والسلام لأحوال الناس بين صنفين اثنين: بين من همه الدنيا يعيش لأجلها، وبين من همه الآخرة. فقال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار»، تعس بمعنى شقي من التعاسة وهي الشقاوة، فهذا دعا عليه نبينا عليه الصلاة والسلام أن يلحقه هذا في الدنيا، أن يصاب بالتعاسة في الدنيا. تعس من؟ تعس عبد الدينار، عبد هنا بمعنى الحريص، بمعنى الطالب. عبد الدينار أي الطالب والحريص على الدينار، إلا أنه وصف بالعبودية لبيان درجة غرامه، فهو ليس أي طالب، بل طالب مع شغف، طالب مع تضحية، طالب مع حرص حتى أنه يعبد لشدة حرصه للدينار، فوصف بالعبودية. قال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم»، والدرهم أي الفضة، وهذه إشارة إلى أن هذا الرجل يسعى في هذه الدنيا لجني الأموال وما كان في معناها من الذهب والفضة والمجوهرات وغيرها من زينة الحياة الدنيا. قال: «وتعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة». الخميصة قال العلماء: هو الكساء المزين، وهو نوع من أنواع الألبسة من المحامل ونحوها، لكنها مزركشة مزخرفة مزينة. فهذا كذلك من عباد الدنيا أن يحرص على الثياب وعلى الأزياء وعلى الهندام وما يلبسه وما يخرج به على الناس، يحرص على هذا كل الحرص في سبيل أن يلبس أحسن الثياب لكي يستميل أنظار الناس وإعجاب الناس، فهو عبد للخميصة. قال: «تعس عبد الخميلة». قال العلماء: الخميلة هنا إشارة إلى الفرش، وهي الفرش الوفيرة التي تكون فيها الراحة في مجلسها. فهو يتحرى أن يقتني من أدوات بيته من الديكور والجلوس والوسائد وما يجلس عليه أن يكون من أحسن ما يجلس عليه، فلا يرضى بالدون، وإنما يحرص في سبيل حرصه على أن يجمع لبيته هذه الوسائل المريحة، لربما كان عبدًا لها. قال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة». نبينا صلى الله عليه وسلم يعدد لنا هذه العبوديات إشارة إلى أحوال الناس في حرصهم وطلبهم لها. قال: «إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط». هذا هو الضابط، كيف تعرف أصحاب الدنيا؟ هذا قد يقع في بيئة الإشكال فيه عند كثير من الناس: كيف دنيا دنيا، ونحن ما نعيش إلا على الدنيا؟ بل قال ربنا: «ولا تنس نصيبك من الدنيا». نحن نعمل لأجل الدنيا، نعمل لأجل الدينار والدرهم، نعمل لأجل أن نؤثث البيوت، أن نبني الدور والديار. فكيف نفرق بين الدنيا التي يحبها الله وبين الدنيا التي ملعونة، ملعون ما فيها كما جاء في الحديث؟ إذن كيف نفرق؟ تريد يا عبد الله أن تعرف الفارق، عليك بهذا الضابط. هذا الضابط قاله عليه الصلاة والسلام: «إن أعطي منها رضي، وإن لم يعط سخط». تأمل في هذا الفارق في نفسك، واجعله كذلك معيارًا في غيرك. فمن رأيناه في أنفسنا أو في غيرنا إن أعطي من حظ الدنيا ما أعطي، تجده فرحًا، بل لربما رضي عن ربه، قال: نعم يا رب، نعم يا رب، الآن هذا الذي أنا أريده منك، أن تعطيني الشفاء، العافية، الأموال، الوظائف، الشهادة، ما تقربه الأعين، يرضى عن الله وينشرح صدره للدين. وإن لم يعط سخط، إن حرم ما حرم من الأرزاق، ضيق عليه في متاعه، ضيق عليه في ماله، ما وجد في حياته إلا القل، قل في الصحة، تجد أن الأمراض تكالبت عليه وعلى أهله، قل في المال، قل في المتاع. فلما يجد أن القل قد تواترت عليه سخط، سخط على ماذا؟ لا أقول سخط على قضاء الله وقدره، بل ربما سخط على ربه. قال عليه الصلاة والسلام: «تعس وانتكس». تعس وانتكس، دعا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم بعكس ما أراد. تعس وانتكس، أي دعا عليه بالتعاسة، وأيضًا زيادة على التعاسة الانتكاسة. تعاسة وانتكاسة. قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا شيك فلم تقش». وفي رواية: «فلم تقش». وإذا شيك أي أصابه الشوك، فما أخرج عنه هذا الشوك، بل يبقى في جسده. قال علماء: والمراد من هذا الحديث أن الشرع شرع دعا لهذا الرجل صاحب الدنيا على خلاف ما أراد. هو يجري، صاحب الدنيا يجري خلف الدينار، يجري خلف الدرهم، خلف الخميصة، خلف الخميلة، يبذل قصارى جهده جريًا وركضًا. والشرع عامله بالضد، فدعا عليه أنه لا يجري، فأن يصاب بالتعاسة ويصاب بالانتكاسة، بل ويصاب بالشوك في رجله بحيث يتوقف ولا يجري خلف الدنيا. وهذه الشوكة التي أصابته إذا أراد أن تنقش أي تخرج، ما أخرجت، بل تبقى مغروزة في جسده. لماذا؟ الشرع يعامل الإنسان بضد ما أراد. لما أراد الدنيا حرمه الله من الدنيا. وهذا قد جاء مصداقه في أحاديث كثيرة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الدنيا نيته، فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». هذا من كان همه الدنيا، يعامله الله بالضد، جعل فقره بين عينيه، وفرق الله عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، الذي كتبه الله لك في اللوح المحفوظ وأنت في بطن أمك يأتيك. وهذا الجري الذي تبذله على حساب ترك الدين، على حساب ترك الصلاة، على حساب ترك الزكاة، كمن يأتي على أمواله زكاة مفروضة، لكنه يحسب بالآلة الحاسبة كم عليه؟ قال: والله ذلك عند الصرافة ما شاء الله، ذلك خمسين مليونًا، طيب كم مقدار الزكاة؟ قال: وكذا، قال: أوه كثير، الزكاة لا، ما عندي، والله ما عندي قدرة، ما عندي قدرة على إخراج الزكاة، الله يغفر لي يا رب. يمشي وتمر عليه السنوات وتنمو هذه الأموال الكثيرة، لا يخرج منها شيئًا حبًا في كثرتها ونماء على حساب أن يترك دين الله ويترك شيئًا من فريضة الله. هذا يخرب بركتها. أو ذاك الذي منع عن نفسه الحج سنوات، سنوات وهو يتعزم على الحج، كلما هم على الحج يسأل: كم مقداره؟ كم يكلف؟ كم الإجمال؟ وكلما سأل قالوا: فو، لا زالت التكلفة تصعد تصعد تصعد تصعد، لا، لا، وقال الله: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، أنا والله ما عندي قدرة، الحقوق كثيرة، وأني عندي إلزامات، وعندي محلات، وعندي معارض، وعندي، على حساب أنه يترك فريضة هو قادر على أن يحج فريضة الإسلام، وما حج حجة الإسلام. حتى بلغنا أن من الناس من لربما هم من جوار حرم الله، من جوار حرم الله، وما حج في حياته، وما حج حجة في حياته لأنه يقول: في موسم الحج هو موسم بيع وشراء، كيف أفوت على نفسي هذا الموسم؟ وكلما جاء موسم الحج زاد البيع والشراء، جلس وما حج، وتمر عليه السنوات. كما أخبرت والله عن أناس من جوار حرم الله، وما حج فيه سنة لله، لأنه يرى أن موسم الحج تجارة، يخير بين الدنيا والدين، فاختار الدنيا. إذ أعطي منها رضي، وإن خاف على أن دنيا تذهب عليه، صاخطًا على شرع الله. فالشاهد إخواننا: فيها باقية مسائل تترك إن شاء الله في درس غد. نقف إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.