الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 42، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع سبع مسائل من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب حول آية سورة سبأ، مبيناً تفسيرها ودلالتها على إبطال الشرك بتعلق القلوب بالصالحين. كما يوضح قول الملائكة ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وسبب سؤالهم خوفاً من العقوبة، وإجابة جبريل لهم، وفضيلته بأولوية رفع الرأس، وعموم إجابته لأهل السماوات.
يسرد المقطع فوائد مستنبطة من حديث النزول، منها غشي أهل السماوات لصوت الوحي وارتجاف السماوات، ودور جبريل في تبليغ الوحي مجملاً للملائكة. ويبين استراق الشياطين للسمع ورميهم بالشهب، وتكاثر الملائكة حتى يركب بعضهم بعضاً، وحقيقة الكهان الذين يخلطون الكلمة المسترقة بمئة كذبة.
يشرح المقطع كيف تقبل النفوس الضعيفة الباطل الممزوج بقليل من الحق، وكيف يتلقى السحرة والكهان الوحي المسروق. ثم يثبت صفة الكلام لله تعالى رداً على الأشاعرة المعطلة الذين ينفون الكلام بالحرف والصوت، ويختم بوصف رجفة الملائكة وغشيتهم خوفاً من الله وسجودهم شكراً له بعد الإفاقة.
يشير المقطع إلى خضوع المؤمنين وسجودهم لله وحده، مؤكداً أن إلههم هو الله تعالى. ثم ينتقل المتحدث إلى تدوين هذا المعنى ترسيخاً للعقيدة في النفوس.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ العلامة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: فيه مسائل، يعني في هذا الباب: الأولى: تفسير الآية، ويريد قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾. وعرفنا ما معنى الآية. الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصًا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب. وقوله: "ما فيها من الحجة على إبطال الشرك"، يعني أن هذا الخلق العظيم، الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يفزعون ويخافون عندما يسمعون كلام الله تعظيمًا لله سبحانه وتعالى، فكيف بغيرهم من الخلق؟ أيهم أعظم طاعةً: الصالحون أم الملائكة المقربون؟ ومع هذا يخافون عندما يسمعون كلام الله، فكيف بعد ذلك يخاف من غيره ويعظم غيره ويعبد غيره؟ ولذلك قال: "وهي الآية التي قيل إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب". فالقلب الذي يعظم الله، والقلب الذي يفزع من الله ويخاف من الله، كيف يخاف من غيره وكيف يعظم غيره وكيف يتعلق بغيره؟ واضح هذا الآن، فهذا معنى قوله: "ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، وخصوصًا من تعلق على الصالحين". الثالثة: تفسير قوله: ﴿ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾، يعني قالوا: أي الملائكة الذين ردوا، وعلى رواية حديث نواس بن سمعان أن جبريل قال ذلك، قالوا: قال الحق. هكذا التقدير: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾، علي في ذاته وصفاته، وكبير بكبريائه وعظمته سبحانه وتعالى. وناسب أن يؤتى بـ "العلي الكبير" لأن الملائكة فزعت وخافت من كلام الله، وهي صفة من صفات الله عز وجل، فهو علي في ذاته وصفاته، وكبير بكبريائه وعظمته. الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك، لماذا سأل الملائكة عن ذلك؟ خوفًا من أن يكون هذا الكلام فيه عقوبة لهم، هذا هو السبب. ولذلك لما أفاقوا زال عنهم الخوف، قالوا: ماذا قال ربكم؟ ما هو سبب سؤالهم عن ذلك؟ حتى لا يكون هذا الكلام ينالهم فيه عقوبة، فهم يسألون بسبب ذلك. الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال كذا وكذا. هذا على تصحيح حديث النواس بن سمعان، فإن جبريل هو الذي يقول: "قال الحق"، كما في هذه الرواية، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحي بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كل مرة بسماء سألته ملائكتها. فهذا معنى قوله: "أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال الحق، قالوا: قال الحق". السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل، كما في حديث النواس بن سمعان، وهذا فيه فضيلة لجبريل، إذ أنه أول من يرفع رأسه، فيصعقون جميعًا، لكن أول من يرفع رأسه جبريل الموكل بالوحي. السابعة: أنه يقول لأهل السموات كلهم لأنهم يسألونه، يعني كل أهل السموات يسألونه كلما مر على أهل سماء، فيستفاد من هذا أن جميع أهل السماء يسألونه فيجيبهم. الثامنة: إن الغشي يعم أهل السموات كلهم، أو كلهم لأنه توكيد على "أهل"، يعم أهل السموات كلهم لأنهم يسألونه. نعم، فالغشي بمعنى بعض الصعق يغشى عليهم، فالسؤال من جميعهم، والغشي من جميعهم، لأنه قال: "أول من فاق جبريل"، معنى ذلك أن كلهم قد صعقوا. نعم، هذا هو المراد. التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله، كما في أول الحديث: "أخذت السماوات منه رجفة". العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله، لأنه هو الموكل بالوحي وهو أمين. ولذلك جاء في هذا الحديث، حديث النواس بن سمعان: "فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل". جبريل ما يقول للملائكة تفصيل هذا الوحي الذي أوحي إليه، وإنما يأتي لهم بكلام مجمل: "ماذا قال ربكم؟ قال الحق، قالوا: قال الحق". قيل: يفسر بتفسيرين: "قال الحق" يعني هذا الوحي الخاص فإنه حق، و"قال الحق" أي أن الله عز وجل لا يقول إلا الحق. الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين، وهذا في حديث أبي هريرة: "فيسمعها مسترق السمع" من الشياطين. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضًا كما وصفها سفيان، يركب بعضهم على بعض. قال ابن عثيمين: وهذا فيه دليل على كثرة الملائكة، انظر كم المسافة من هنا إلى فوق السماوات، مسافة كبيرة جدًا، فهم كل واحد يركب على الثاني يعملون مثل السلم، هذا يدل على كثرتهم. كثرة الجن، الجن من الشياطين. الثالثة عشرة: إرسال الشهب، والشهاب هو الجزء الذي يخرج من النجم، أما إذا سقط النجم لاحترقت الأرض ربما، لكنه هو الشرارة، وهو الجزء الذي يخرج من النجم. الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركها. وهذا كما جاء في الحديث: تارة يعني مرة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، قبل أن يتكلم بها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه، فتارة ينجح وتارة لا ينجح. الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان، لماذا يصدق؟ لأن الجن هذا المسترق السمع يصدق في سماعه للكلمة، طيب، فيصدق بعض الأحيان، وأكثر الأحيان لا يصدق، فإنه يكذب معه مئة كذبة. السادسة عشرة: كونه يكذب معه مئة كذبة. طيب، مئة كذبة هل يراد بها حصر العدد في مئة، أو يراد بها كثرة الكذب؟ الثاني هو الصواب، يعني يراد به كثرة الكذب، كما يقال الآن مثلًا: تتكلم مع شخص فيقول لك مثلًا: "أنا قد كلمتك مئة مرة"، ما يريد العدد وإنما يريد أني كلمتك كثيرًا، وهذا مثله: "يكذب معها مئة كذبة" يعني يكذب كذبات كثيرة، يكذب كذبات كثيرة، لا يراد أن حصر العدد بمئة. السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، يعني لولا أن هذه الكلمة تكون صادقة لما صدقه الناس، لأن كله سيكون كذبًا، لكن لما يخلط مع الكذبة الصدق، الكلمة هذه الواحدة، مئة كذبة يصدق في قوله، فهذا معنى أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، لأنها صدق وغيرها كذب، فيصدق هذا الكذب بسبب هذه الكلمة. واضح. وهذا فيه أن صاحب الباطل يدس السم في العسل، قد يأتيك بشيء من الحق، شيء يسير من الحق، من أجل ماذا؟ من أجل أن تقبل الباطل الكثير الذي معه. واضح، فيصدق من أجل الحق الذي معه، ويصدق باطله لأنه عنده شيء من الحق. واضح هذا الآن. الثامنة عشرة: قبول النفوس الباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة؟ فانظر، الباطل تقبله النفوس الضعيفة بسبب شيء يسير أو قليل من الصدق أو من الحق. فهذا معنى قبول النفوس الباطل: كيف يتعلقون بواحدة؟ طيب هي واحدة صدق، كيف تصدقون في الباقي وهو كذب؟ لا يعتبرون بمئة كذب، وإنما يأخذون الصدق مع الكذب. التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها حتى لا تنسى، كل واحد يسمعها الثاني إلى أن تصل إلى الأرض، فيذهب صاحب الأرض ويلقيها على الكاهن أو الساحر كما جاء في الحديث. العشرون: إثبات الصفات خلافًا للأشعرية المعطلة، ومن تلك الصفات صفة الكلام. هذا الحديث فيه إثبات صفة الكلام، لأنه في حديث أبي هريرة: "إذا قضى الله الأمر في السماء"، ومعنى "قضى الله الأمر" يعني بالوحي بالكلام، ويدل عليه الرواية الثانية: "إذا أراد تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي"، ففيه إثبات الكلام. الأشاعرة في الظاهر أنهم يثبتون الكلام، لكن في الحقيقة هم ينفون صفة الكلام. طيب، فيقولون مثلًا: "نحن نثبت صفة الكلام"، لكن كيف يثبتون صفة الكلام؟ عندهم صفة الكلام لله عز وجل مثل صفة الحياة، مثل صفة السمع والبصر، يعني صفة ملازمة لله عز وجل، فلا يتكلم بمشيئة، ولا يتكلم بما شاء كيف شاء متى شاء، واضح، وإنما يقولون: صفة الكلام مثل صفة السمع، ولذلك يقولون عن القرآن: هو عبارة عما في نفس الله عز وجل، عبارة، ويريدون بهذا أن هذا القرآن مخلوق، خلق الله عز وجل هذه الكلمات عبر بها عما في نفسه، ولم يتكلموا لأنهم ينفون الكلام بحرف وصوت، كما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة. أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله عز وجل له الكلام يليق بجلاله، يتكلم بصوت وحرف، يتكلم كيف شاء متى شاء بإرادته سبحانه وتعالى، ويقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، خلافًا للمعتزلة والأشاعرة، وكلهم مجمعون على أن القرآن مخلوق وليس بكلام الله. طيب، وتقول الأشاعرة: نثبت كلام الله لكن كإثباتنا للسمع والبصر، فهي صفة ذاتية لله عز وجل، لا يتكلم بمشيئة، ولا يتكلم بحرف وصوت، فالقرآن عندهم مخلوق. واضح هذا الآن. ولذلك قال: "خلافًا للأشعرية المعطلة"، لأنهم عطلوا هذه الصفة، يعني أنكروها، أنكروها. الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي كان خوفًا من الله عز وجل، يعني ليس لشيء آخر، إنما هو خوفًا من الله وتعظيمًا لله عز وجل، وخوفًا من أن هذا الكلام فيه عقوبة لهؤلاء الملائكة، فخوفًا منهم من ذلك كانت هذه الرجفة وذلك الغشي. الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدًا، وهذا قلنا بعدما يفيقون من صعقهم، وهذا السجود شكرًا لله عز وجل، إذ أن الكلام الذي سمعوه ولم يطيق سماعه بل غشي عليهم لا ينالهم بشر، بل هو حق. وقلنا هذا الآن. فهم يخرون، أنهم يخرون لله سجدًا. طيب، نكتب بهذا وإلهنا الله تعالى تبو هل