التعليق على كتاب التوحيد 74

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 74، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

باب الاستسقاء بالأنواء: تعريفه والفرق بينه وبين التنجيم

يشرح المقطع مفهوم الاستسقاء بالأنواء مبيناً أنه طلب السقيا من السماء عبر الكواكب، ويفرقه عن التنجيم العام بخصوصيته بطلب المطر. كما يقسمه إلى شرك أكبر بدعاء النجوم، وشرك أصغر بنسب المطر إليها قولاً، وكلاهما كفران بنعمة الله.

تفسير آية الرزق وحديث أربع خصال من الجاهلية

يستدل المقطع بآية البقرة على أن نسبة الرزق لغير الله تكذيب بنعمته، ثم يورد حديث أبي مالك الأشعري عن أربع خصال جاهلية باقية في الأمة منها الاستسقاء بالنجوم. ويوضح معنى كل خصلة محذراً من الوقوع فيها.

النهي عن الاستسقاء بالنجوم وحديث زيد بن خالد

يؤكد المقطع تحريم الاستسقاء بالنجوم وعده من أفعال الجاهلية مع بيان عقوبة النائحة، ويشرح حديث زيد بن خالد في وجوب نسبة المطر لفضل الله ورحمته. فمن نسبه للكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب على وجه الشرك الأصغر.

الشرك الأصغر في نسبة المطر للكواكب وختام الدرس

يقرر المقطع أن نسبة نزول المطر إلى الكواكب أو النجوم تُعد من الشرك الأصغر المحرم، ويختم الجلسة بالإشارة إلى استكمال المسائل المتبقية في الدرس القادم.

  • 12 جمادى الأولى 1438هـ - 08/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، قال الشيخ المجدد أعلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. والاستسقاء هو طلب السقيا؛ لأن مادة الألف والسين والتاء تدل على الطلب، مثل: استغفر الله (أطلب المغفرة)، ومثل الاستغاثة (أطلب الغوث)، والاستعانة (أطلب العون)، وهكذا. فقوله: الاستسقاء طلب السقيا، يعني طلب الماء من السماء. والأنواء هي الكواكب والنجوم. وقد يقول القائل: ما الفرق بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله: باب ما جاء في التنجيم؟ الفرق بينهما أن الباب الذي قبل هذا عام، فيشمل الاستدلال بالنجوم على نزول الماء، وعلى غيره من أمور الغيب، من كذلك إثبات الخير أو الشر بهذه النجوم أو نحو ذلك. فهذا الباب خاص بطلب السقيا، فإن جاءت فيها أدلة خاصة، جاء فيها أدلة خاصة، فلذلك أفردها هنا. وقال الله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82]. وتجعلون: أي تصيرون. ورزقكم: الرزق هنا عام يشمل أي رزق، فيشمل الرزق الحسي، والمعنى يشمل العلم، وكذلك غيره من الماء، من غيرها من ماء يرزق الله عز وجل به عباده، فيدخل فيها الاستسقاء طلب السقيا؛ فإنها رزق من الله عز وجل. وتجعلون من أفعال الصيرورة التي تنصب مفعولين، فمفعولها الأول: رزقكم، ومفعولها الثاني: أن المصدرية وما دخلت عليه. ويكون التقدير: وتجعلون رزقكم كونكم تكذبون، أو يمكن يقال: وتجعلون رزقكم تكذيبكم بالله عز وجل. وتجعلون رزقكم تكذيبكم بالله عز وجل. وذلك أن من طلب الرزق من غير الله فقد كذب بنعمة الله عز وجل عليه، وجحد نعمة الله عز وجل عليه. فمن طلب الرزق من غير الله فقد كفر النعمة. فإن شكر النعمة يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح. فمن اعتقد أن الرزق من غير الله... وهذا يجرنا إلى التفصيل في مسألة الاستسقاء بالأنواء: ما حكمها؟ وذلك هنا لم يجزم بشيء، فإنما قال: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء؛ لأن الاستسقاء بالأنواء قد يكون شركاً أكبر، وقد يكون شركاً أصغر. فيكون شركاً أكبر إذا دعا هذه النجوم من دون الله عز وجل، فطلب منها السقيا، فقال: يا نجم كذا، أسقنا الغيث والرحمة. هذا شرك في العبادة؛ فإنه دعا غير الله، فهذا شرك أكبر، شرك أكبر في الألوهية. وقد يكون الاستسقاء بالأنواء: أي أن يجعلها سبباً، أن يجعلها سبباً، فيقول: مطرنا بنوء كذا، يعني بسبب هذا النجم. فهذا شرك أصغر، شرك أصغر. فإذا من دعا هذه النجوم وطلب منها الرزق فهذا شرك أكبر، ومن جعلها سبباً فهذا شرك أصغر. وكله كفر بنعمة الله عز وجل؛ إذ من شكر نعم الله عز وجل أن تطلب منه، ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]. وهكذا أن لا يجعل سبباً غير الله عز وجل في هذه السقيا. فمن جعل هذه الأنواء هي السبب فقد أشرك شركاً أصغر. فهمتم الآن وجه الشاهد من هذه الآية؛ لأن معنى الآية: تصيرون رزقكم، ها، تصيرون رزقكم تكذيباً بالله؛ لأن ﴿ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ تأول بمصدر: تكذيبكم بالله. فمن نسب السقيا لغير الله فقد كذب بالله عز وجل، وكفر نعمة الله عز وجل عليه. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية. والرزق هنا عام، فيدخل فيها طلب السقيا؛ فإنها رزق. وقد سماه الله عز وجل رزقاً. قال الله في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ [البقرة: 21-22]. بل سماه رزقاً: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ﴾ [إبراهيم: 32]، سماه الله عز وجل رزقاً. فقولوا: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ يدخل فيه طلب السقيا، يدخل فيه طلب السقيا. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». رواه مسلم. قوله: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، يعني: أربع خصال. والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة، يعني: من استجاب له من أهل الإسلام. «ومن أمر الجاهلية» يعني: من خصال الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونها. وهذا فيه التنفير من هذه الخصال الأربع، فيه التنفير من هذه الخصال الأربع؛ فإن إضافتها إلى الجاهلية مما تنفر منه النفوس. وقوله: «لا يتركونهن» يعني: توجد فيهم، فبعضها في قوم، وبعضها في قوم آخر، فهي موجودة عند أمة الدعوة، عند أمة الإجابة. فهذا معنى قوله: «لا يتركونهن» يعني: موجودة فيهم، موجودة فيهم. الفخر بالأحساب: والفخر هو التعاظم والتعالي. وبالأحساب: المراد بالحسب يعني ما يرفع المرء، ما يرفع المرء من كونه شريفاً أو رئيساً أو ذا جاه أو نحو ذلك، فيفخر بهذا، فيفخر بهذا بحسبه، يعني: ما يحسب الناس له من مكانة، ما يحسب الناس له من مكانة. فالفخر والتعالي والتعاظم على الخلق بما عنده من مكانة، فهذا من أمر الجاهلية. فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتواضع: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر بعضكم على بعض». والطعن في الأنساب: والطعن هو القدح والعيب. فلا يقدح في نسب أحد، كون نسبه وضيعاً وليس رفيعاً. فمن طعن في نسب، إما بنفيه، وإما باستهزاء به والاحتقار ونحو ذلك، فهذا من خصال أهل الجاهلية. إن قيل: آل فلان ليسوا من هذه القبيلة، طعن في نسبهم. أو آل فلان قبيلة وضيعة، من باب الاستهزاء والتنقص والعيب والذم، هذا أيضاً يدخل في هذا، يدخل في الطعن؛ لأن الطعن بمعنى الذم والقدح. والاستسقاء بالنجوم: وهذا هو وجه الشاهد، يعني: طلب السقيا من النجوم. وذلك كما تقدم: إما بدعائها، وإما بجعلها سبباً، وإما بجعلها سبباً. والنياحة: النياحة هو رفع الصوت عند المصيبة بالبكاء، تتباكى وترفع صوتها. هذا غالباً ما يكون في النساء. أما مجرد البكاء وإخراج الدمع من العينين دون رفع صوت، فهذا لا بأس به، بل قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». قوله: «وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها» يعني: ما استغفرت وتابت وأنابت، وعلمت بخطئها، بل استمرت على ذلك، ولم يكن عندها ندم ولا أسف ولا ترك لهذه المعصية. «تقام يوم القيامة وعليها سربال» يعني: لباس تلبسه، «من قطران» يعني: من صديد النار، العياذ بالله، «ودرع من جرب». رواه مسلم. وهذا كله وعيد شديد لمن ماتت وهي نائحة. شيء: القطران قيل هي عصارة أهل النار، ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾ [إبراهيم: 50]. قيل هذا، قال: ولهما وجه. الشاهد منه: الاستسقاء بالنجوم، فهو من أمر الجاهلية، وليس من أمر أهل الإسلام. وقال لهما: عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية، يعني: في يوم الحديبية الذي وقعت فيه، وقع فيه الصلح. قال: «على إثر سماء كانت من الليل»، على إثر سماء كانت من الليل، يعني: قد أفرغت ماءها، قد أفرغت ماءها هذه السماء. والأثر هو ما مضى، وقال: أثر فلان، يعني: ما خلفه، ما خلفه. فلما انصرف أقبل على الناس، انصرف من صلاته، انتهى من صلاته، أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» وهذا أسلوب من أساليب التعليم، عرضوا المسألة عن طريق السؤال، عرض المسألة عن طريق ماذا؟ السؤال. قالوا: الله ورسوله أعلم. وهذا من أدب الصحابة، يردون ما لا علم لهم به إلى الله ورسوله. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر». والكفر هنا يحمل على الشرك الأصغر؛ لأنهم جعلوه سبباً، لأنه وقع بعد، وقع منهم ذلك بعد نزوله، والطلب إنما يكون قبل النزول. قال: «فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب». وهذا جعله العلماء من سنة نزول المطر، أو من السنة التي تقال بعد نزول المطر. إذا نزل المطر تقول: مطرنا بفضل الله وبرحمته، أو ورحمته، هكذا يقول المؤمن، فينسب هذا المطر إلى الله لا إلى غيره. قال: «فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب». «وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا»، الباء هنا السببية، يعني: بسبب كوكب كذا وكذا. «فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب». فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب. والكفر هنا قلنا: كفر أصغر، إن جعله سبباً. وهذا هو ظاهر الحديث. وهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث: أن من الشرك الأصغر نسبة نزول المطر إلى الكواكب، إلى الكواكب، أو إلى النجوم، أو إلى النجوم. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي مع المسائل في الدرس القادم إن شاء الله، معنا، معنا.