التعليق على كتاب التوحيد 10

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فوائد ثناء الله على إبراهيم وصفات المتقين

يشرح المقطع فائدتين من ثناء الله على إبراهيم: محبته والاقتداء بصفاته، ثم يستعرض صفات المتقين من سورة المؤمنون ومنها تحقيق التوحيد، ويورد حديث حسين بن عبد الرحمن مع سعيد بن جبير عن الكوكب واللدغة والرقية، موصلاً ذلك بحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وصفاتهم: عدم الاسترقاء، وعدم الكي، وعدم التطير، والتوكل على الله.

الرقية الشرعية وحديث السبعين ألفاً في عرض الأمم

يروي المقطع حواراً بين حسين بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير حول مشروعية الرقية، حيث استدل الأول بحديث «لا رقية إلا من عين أو حمة»، فأقره سعيد بن جبير وزاد عليه بحديث ابن عباس عن عرض الأمم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من أمته سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم خاض الصحابة في صفة هؤلاء السبعين ألفاً.

شرح صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب

يفسر المقطع حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، مبيناً أنهم الذين لا يسترقون، لا يكتوون، ولا يتطيرون. ويوضح أن ترك الاسترقاء والكي من باب الكمال، بينما ترك التطير واجب لتحريمه، ومن طلب الرقية أو الكي جاز له ذلك لكنه يخرج من فضيلة هذا الوعد.

ختام درس النحو والإشارة لاستكمال الحديث في الدرس القادم

أعلن المتحدث انتهاء الجواب الحالي وأشار إلى أن بقية الحديث ستكتمل في الدرس القادم، مبيناً أنه تم أخذ جزء من درس النحو، ثم ختم بالدعاء.

التفريغ النصي الكامل

قلنا في هذا الثناء - ثناء الله عز وجل على إبراهيم أو على أي أحد من خلقه - لا يقصد من هذا الثناء أن يصل إلينا هذا الثناء فقط، وإنما فائدة هذا الثناء في أمرين اثنين: الأمر الأول: محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيراً، فإذا نستفيد من هذه الآية أننا نحب هذا النبي الكريم إبراهيم عليه السلام، هذا أمر. والأمر الثاني: أن نقتدي به في هذه الصفات التي أثنى الله عز وجل بها عليه، فنكون ممن يقتدى به، وهكذا ما إلينا عن الشرك قانتين لله عز وجل، وعليه السلام، وذلك بدوام الطاعة والاستمرار عليها. إذن نستفيد من هذا الثناء أمرين اثنين: ما هو الأمر الأول؟ محبة هذا الذي أثنى الله عليه، هذا الأمر الأول. والأمر الثاني: أن نقتدي به في هذه الصفات التي أثنى الله سبحانه وتعالى بها عليه. طيب، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾. هذا فيه ثناء على بعض سادات المتقين، بعض سادات الأولياء والمتقين، فمن صفاتهم أنهم بربهم لا يشركون. وقوله: ﴿لا يشركون﴾ يراد به الشرك بالمعنى العام الذي يشمل جميع أنواع الشرك، فمن صفات سادات الأولياء أنهم لا يشركون بالله، لا يشركون بالله، وهذا فيه تحقيق التوحيد، وهذا فيه تحقيق التوحيد. فهذه صفة من صفات كثيرة وصف الله عز وجل بها هؤلاء الأولياء. أول آيات يقول الله عز وجل: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. هذه في أي سورة؟ في سورة المؤمنين. فمن صفات هؤلاء الأولياء أنهم بربهم لا يشركون، وهذا فيه تحقيق التوحيد. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. ثم قال المؤلف رحمه الله: عن حسين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة». قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة بن محصن - أو ابن محصن في فتح الصاد - فقام عكاشة بن محصن رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم». ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكاشة». والحديث في الصحيحين. نشرح هذا الحديث ونأخذ منه وجه الشاهد من إغاده في هذا الكتاب من حقف التوحيد: «دخل الجنة بغير حساب». حسين بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير من التابعين، من التابعين، فهما رجلان من أجلاء التابعين. فيقول حسين بن عبد الرحمن: كنت عند سعيد بن جبير، فسأل سعيد بن جبير سؤالاً، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ ومعنى انقض: يعني سقط. معنى انقض: يعني سقط. كوكب سقط البارحة، والبارحة يطلق على ما بعد الزوال، ولكن يراد به هنا الليل، بدليل ما قال حسين بن عبد الرحمن. فسأل سعيد بن جبير: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة في الليل؟ فقال حسين بن عبد الرحمن: أنا رأيته، أنا رأيته هذا الكوكب لما سقط. ثم قال حسين بن عبد الرحمن: أما إني لم أكن في صلاة، يعني قال ذلك رحمه الله لألا يظن - أو لألا يظن - أنه قائم يصلي حتى يبعد عن نفسه ماذا؟ الرياء، وأن يقال: ما شاء الله هذا ممن يكابد الليل وممن يقوم الليل. هو في الحقيقة رأى الكوكب ليس لأنه يصلي، وإنما ماذا؟ لأنه لدغ. ومعنى لدغ: يعني لدغته عقرب أو نحوه، أو نحوه. لدغته عقرب أو نحوه كالحية أو نحو ذلك. وظاهر الحديث أن هذه اللدغة كانت شديدة حتى أن حسين بن عبد الرحمن لم ينم منها، فدليل على شدتها وقوتها. فقال: أما إني لم أكن في صلاة، يعني لا تظن أني أصلي. فقال ذلك حتى لا يحمد بما لم يفعل، بما لم يفعل. وليس معنى ذلك أن يترك العبد الطاعة من أجل الناس، وإنما يريد بهذا أن يرفع عن نفسه الرياء، وأن يحمد بما لم يفعل. فقال: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت. فهذه اللدغة جعلتني منتبهاً مستيقظاً. قال: فما صنعت؟ سعيد بن جبير قال له: لما لدغت ماذا صنعت؟ ماذا فعلت لهذه اللدغة؟ فقال: ارتقيت. ومع أن ارتقيت يعني استرقيت، يعني طلبت الرقية، طلبت أحداً يرقيني ويقرأ علي، ويقرأ علي. لأن ارتقيت تأتي بمعنى استرقيت، طلبت من يرقيني. فقال له سعيد بن جبير: ما حملك على ذلك؟ ما هو دليلك على أن من لدغ يقرأ عليه؟ ما حملك على ذلك؟ ما الذي دفعك على أن تفعل هذا الفعل؟ واضح. فقال حسين بن عبد الرحمن: قلت: حديث حدثناه الشعبي. نعم، عندي دليل في هذا، عندي دليل في هذا. ما هو الدليل؟ قال: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ ما هو هذا الحديث؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة». ومعنى لا رقية: أي لا قراءة على مريض أو على مصاب إلا من عين. معنى عين: يعني من نظر إليه نظرة خبث فلم يبرك، فأثرت فيه هذه النظرة، قد تكون عن حسد، وقد تكون كذلك عن غير ذلك. فهذا معنى قوله: من عين. فمن أصيب بالعين يرقى فيشفى بإذن الله سبحانه وتعالى. وأما قوله: أو حمة، المراد بالحمة هنا: السم. يعني أو لدغة من ذوات السموم، أو لدغة من ذوات السموم كالعقرب والحية ونحو ذلك. وهذا بتخفيف الميم، مش حمة. أو حمة: معنى حمة يعني سم، لدغة عقرب أو نحوه. فهذا هو دليله، هذا هو دليله. فقال سعيد بن جبير: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. يعني أنت هذا العلم وصلك فعملت بهذا العلم، فعملت بهذا العلم. ومن عمل - ومن عمل ما وصل إليه من العلم فقد أحسن. ها فقد أحسن. هذا منتهى علمه، هذا منتهى علمه. واضح. فهذا معنى قوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا الحوار فيه أن السلف كانوا يتحاورون حتى يصلوا إلى الحقيقة، وحتى يصلوا إلى الحق. فانظر: سأل سعيد بن جبير عن الدليل الذي دفع حسين بن عبد الرحمن أن يسترقي، ثم ذكر له الدليل، ثم لم ينكر هذا الدليل، لم ينكر هذا الدليل، ويقول: لا هذا غير صحيح، وإنما قال: لو أنت هذا علمك، هذا الذي وصل إليك، أنا عندي علم زائد على علمك. هذا المعنى: أنا عندي علم زائد على علمك. ما هو هذا العلم؟ حديث حدثنا به ابن عباس. حديث حدثنا به من ابن عباس. ما هو هذا الحديث؟ قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: «عرضت علي الأمم». عرضت الأمم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا العرض قد يكون في المنام، وقد يكون في السماء عندما أعرج به عليه الصلاة والسلام، فعرضت عليه الأمم. قال: «فرأيت النبي ومعه الرهط». رأى نبياً ومعه قليل من الناس، والرهط هم ما بين الثلاثة والتسعة. الرهط: ما بين الثلاثة والتسعة، يقال لهم رهط. فرأى رسولنا صلى الله عليه وسلم النبي ومعه الرهط، يعني القليل من الناس. «والنبي ومعه الرجل والرجلان». وهنا بمعنى: أو. يعني كأنه شك: هل هو رجل أو رجلان؟ لماذا قلنا بمعنى أو؟ لأنها لو كانت بمعنى العطف: رجل ورجلان، صار ثلاثة، وثلاثة جمع، فسيقول: ومعه ثلاثة رجال. صح؟ فلما قال: الرجل والرجلان، دليل على أن هذا النبي معه إما رجل واحد، وإما رجلان فقط، لا زيادة على هؤلاء. «والنبي وليس معه أحد». يعني جاء نبي وحده، ما معه أحد من البشر، ما تبعه أحد. دعا قومه فلم يستجب له أحد، فلم يستجب له أحد. هذا معنى قوله: والنبي وليس معه أحد. قال: «إذ رفع لي سواد عظيم». ويراد بالسواد هنا: الشاخص. الشاخص: يعني الذي ترى، يعني الشيء ليس على حقيقته، يعني ما تميزه: أهو طويل أو قصير؟ أهو أعمى أو مبصر؟ يعني تنظر هكذا، يعني شيء دون تمييز، تنظر إلى شيء دون تمييز. هذا معنى قوله: فإذا سواد عظيم. فإذا سواد عظيم: يعني أشخاص دون تمييز. فقيل لهذه - قال: فظننت أنهم أمتي. لما رأى أنهم كثير، فقيل لهذا: موسى وقومه. وهذا فيه دليل على أن موسى كان أتباعه كثير، كان أتباعه كثيرين. فقيل لهذا: موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، يعني سواد أعظم منه، سواد أعظم من السواد الأول. فقيل لهذه: أمتك. أي أمة النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا أن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأتباع، أكثر الأتباع، فهو أكثر الأنبياء تابعاً عليه الصلاة والسلام. قال: «ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». يعني مع هذه الأمة التي اتبعتك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. يعني لا يعذبون ولا يحاسبون، كرامة لهم. لا يعذبون ولا يحاسبون، كرامة لهم. وظاهر هذا أنهم لا يعذبون لا في قبورهم ولا يوم حسابهم، لا يعذبون أبداً، يعني لا في القبور ولا بعد الحشر والنشور، ما يعذبون مطلقاً. هذا هو ظاهر الحديث، ولا يوجد ما يخصص ذلك. فقال ذلك عليه الصلاة والسلام. ثم نهض فدخل المنزل، دخل بيته. والصحابة سمعوا هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، فخاض الناس في أولئك. يعني معنى خاض الناس: يعني تكلموا الناس. من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟ يريدون أن يعرفوا، ليست معرفة جدل، وليست معرفة كذلك مجرد معلومة، وإنما أرادوا أن يعرفوا: هل هم من هؤلاء وليسوا من هؤلاء؟ واضح. يريدون أن يعرفوا ذلك. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمراد بالذين صاحبوا رسول الله: يعني في هجرته. ليس كل من صاحب النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأنهم هؤلاء الذين قالوا ذلك هم من الصحابة، هم من الصحابة، فأخرجوا أنفسهم من هؤلاء لأنهم ليسوا من المهاجرين الذين هاجروا مع النبي عليه الصلاة والسلام. ويدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام لخالد بن الوليد - وليس خالد بن الوليد من أهل الهجرة رضي الله عنه - فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، والذي نفس بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». يعني الأولين السابقين من المهاجرين. فهم قالوا: هؤلاء لعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا غير صحيح كما سيأتي، لأن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة هم أقل من سبعين ألف، هم أقل من سبعين ألف. ولذلك قالوا: لعلهم بالظن، وليس بالجزم. وقالت طائفة أخرى: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. ومعنى الذين ولدوا في الإسلام: أي من ولد بعد البعثة وأسلم منذ نعومة أظافره، ولم يلتبس بشيء من الشرك. بخلاف مثلاً الصحابة ممن آمن بالرسول، كثير منهم كان على الشرك. فهم قالوا: لعلهم الذين ولدوا بعد البعثة، فولدوا على الإسلام، وعاشوا على الإسلام، وماتوا على الإسلام. وهذا أيضاً غير صحيح كما سيأتي من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهم قليل، ليسوا سبعين ألفاً. وذكروا أشياء. ومعنى ذكروا أشياء: يعني غير هذين الأمرين، غير هذين الأمرين. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه. قالوا: أنت قلت كذا وكذا، وبعض ما قال كذا، وبعض ما قال كذا. فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام من هم هؤلاء السبعون ألف. فقال: «هم الذين لا يسترقون». ومعنى لا يسترقون: لا يطلبون الرقية من غيرهم، لا يطلبون الرقية من غيرهم. لأن استفعل تفيد الطلب. استفعل تفيد ماذا؟ الطلب. مثل استغفر: فهو يطلب المغفرة، يطلب المغفرة. واسترقى: يطلب الرقية، يطلب الرقية. وليس معناها الذي يرقي نفسه، أو يأتي أحد ويرقيه دون أن يطلب، فهذا لا يدخل في هذا المعنى. واضح. إنسان مريض جاء أخوه يزوره، ومسك على رأسه ورقاه، هذا ما يدخل في هذا الحديث، لأنه ما استرقى، إنما رقية. والنبي صلى الله عليه وسلم قد رُقي، رقاه جبريل، ورقته عائشة، كما صحت بذلك الأحاديث. فالمراد: لا يسترقون، يعني لا يطلبون الرقية من غيرهم. ما يقولون: هيا اذهبوا بي عند القارئ، أو ائتوني بقارئ يقرأ علي ويرقيني. هذا يخرج من فضل هذا الحديث، يخرج من فضل هذا الحديث. جاءت رواية في مسلم: «لا يرقون». يعني معناه: حتى أنفسهم، حتى أنفسهم. ولكن ضعفها شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وقال: هذا خطأ. واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رُقي من قبل جبريل وعائشة، كما صحت بذلك الأحاديث. فهم لا يطلبون الرقية من أحد لأمور ثلاثة، لا يطلبون الرقية من أحد لأمور ثلاثة، تعود إلى قوة إيمانهم وتحقيق توحيدهم لله سبحانه وتعالى. الأمر الأول: قوة اعتمادهم على الله، فلم يلتفتوا إلى أحد من الخلق. والثاني: العزة. لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله، وهم لا يذلون أنفسهم لغير الله. والثالث: لما في ذلك من التعلق بغير الله، لم يتعلقوا بغير الله حتى فيما يعني أبيح لهم فيه، ومع هذا لم يطلبوا ذلك، لم يطلبوا ذلك. فلهذه الثلاثة الأمور، لهذه الثلاثة الأمور، كانت هذه الصفة أول الصفات من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. وأما قوله: «لا يكتوون». يعني إذا مرض مرضاً، وقيل له: تحتاج إلى كي، لا يكتوي، توكلا على الله، توكلا على الله، للمعاني الثلاثة المتقدمة. وقوله: «لا يتطيرون». نعم، يكتوي بالنار، عنده مثلاً يعني مرض في ظهره، عنده يعني بعض الفقوق في ظهره، قيل له: هذه الفقوق تذهب بالكي، فيؤتى بالحديدة فتطرح في النار، ثم يعني تكوى في هذا الموضع، فيشفى بإذن الله، فيشفى بإذن الله. طيب، فهذا يعني من باب الكمال وقوة التوحيد وتحقيقه: ألا يفعل ذلك، ألا يفعل ذلك. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفاء في ثلاثة»، وذكر منها ماذا؟ وذكر منها: كية نار. واضح؟ شرطة محجم، وشربة عسل، وكية نار. أه، أو لذعة من نار، أو لذعة من نار. نعم. وأما التطير فهو مأخوذ من الطير، وهو التشاؤم بالطير. وكانت من اعتقادات الجاهلية: إذا أرادوا أن يذهبوا إلى مكان ما، بإنشاء سفر، أتوا بطير، فإن طار ثم يثيرون هذا الطير، فإن طار جهة اليمين تفاءلوا ومضوا في سفرهم، وإذا ذهب ذات الشمال كفوا عن السفر. فسمي التطير نسبة إلى هذا الطير، لأنه كان مشهوراً عندهم، وإلا فالتشاؤم يكون بكل مرئي أو مسموع، أو زمان، أو مكان، أو مكان. فقد يكون التشاؤم بمرئي: كمن يتشاؤم بالأعمى أو الأعرج أو بعض الطيور. أو مسموع: كمن يتشاؤم بصوت بعض الطيور. أو كذلك الزمان: كمن يتشاؤم بيوم الأربعاء أو شهر صفر. أو مكان: كمن يتشاؤم ببعض الأمكنة. فهذا هو التطير، وهو محرم مطلقاً. طيب، السؤال هنا: هل هذه الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم وأنه ملام؟ أو أن ترك هذه الأشياء على وجه الكمال؟ الصحيح: أن ترك الاسترقاء والكي على وجه الكمال، على وجه الكمال. أما التطير فهو لا يجوز مطلقاً، فهو لا يجوز مطلقاً، فهو ليس على وجه الكمال، بل على وجه الذنب. هذا في التطير. أما الاسترقاء والكي فتركه من باب الكمال. قد يقول قائل: أنا أتعبني المرض وأحتاج إلى أن أسترقى. قيل له: يجوز لك ذلك، لكن تخرج من هذه الفضيلة، فلا تكون ممن يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. قد يقول قائل: أنا أتعبني هذا المرض، أحتاج إلى كي، لا بد أن أكتوي وأطلب الكي. فيقال له: لك ذلك، يجوز، لكن تخرج من هذه الفضيلة. واضح. تخرج من هذه الفضيلة. هذا هو الجواب. وبقية الحديث إن شاء الله نكمله في الدرس القادم. فقد أخذنا شيئاً من درس النحو. فإلى هنا، والله تعالى.