الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش صحة أحاديث نبوية متعلقة بالخير والإيمان والفقه، ويشكك في صحة بعضها بسبب ضعف رواتها. بينما يعتبر بعضها الآخر حديثا حسنًا مثل حديث الدنيا ملعون ما فيها.
يبرز أهمية العلم والعلماء في جلب البركة، ويشير إلى أن الناس ثلاثة: عالم ومتعلم وهمج الرعاء. كما يبين أن الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه.
يُبين فضل طلب العلم وأهميته في نيل رضا الله، حيث تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة.
العلم يزيد الإنسان نورا وسلوكا إلى جنة الله، وكلما ازداد الإنسان علما وتقى ازداد نورا وسلوكا حميدا، مما يدل على أهمية العلم في تحسين سلوك الإنسان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب مقدمة المجموع: قال وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وعلى استصلاح الترمذي حديث حسن معنى ضعيف، أو أنه جاء من طرق، لكن هذا الحديث لم يأت من طرق، فهو من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، ودراج عن أبي الهيثم ضعيف. أبي الهيثم ثقة، لكن رواية دراج الذي ضعيف، وروايته عن أبي الهيثم أضعف، أنه إذا روى عن أبي الهيثم كان ضعيفا أكثر. وهذه سلسلة رواها دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ويكون لها حديث ضعيف. ومن هذا الحديث «لا يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة»، فهو لا يصح. في سلسلة ذكرها الإمام أحمد أو ذكر حديثها كلها وأكثرها ضعيف أو كلها ضعيف. إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، أيضا من نفس السلسلة. قالوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». رواه الترمذي. وعن أبي هريرة مثله، وزاد: «لكل شيء عماد، عماد هذا الدين الفقه، وما عبد الله بأفضل من فقه في الدين». وهذا الحديث هو من رواية روح بن جناح أبي سعد. روح بن جناح وهو ضعيف، قد رواه عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه عن مجاهد عن أبي هريض. وروح كما قال ابن حبان: إذا رواه عن مجاهد أتى بحديث بواطيل. ولهذا حكم عليه شيخ الباني بالوضع، قال: إنه موضوع. في ضعيف الترمذي، وكذلك أيضا في المشكاة، قال: موضوع. لأنه ليس فيه كذابا، وإنما روح بن جناح أبي سعد يروي عن مجاهد حديث بواطيل، وحديث موضوع، فقد يكون أخذها من أحد أخذها من بعض الكذابين فرواها. وإلا روح ليس متروك كما قال الدارقطن، لكنه ضعيف، لكن روايته عن مجاهد ضعيف جدا، بل إنه روى عنه حديث موضوع. ومن هذا الحديث «فقيه الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد»، وإن كان قد يكون المعنى صحيح، أن العالم له أثره على الناس، وأيضا هو أشد على الشيطان لأنه يعلم الناس الخير. لكن جاء عن ابن عباس موقوفا أيضا لا يصح، لكن أسانيده أفضل من المرفوع. قالوا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه، وعالم ومتعلم». رواه الترمذي وقال: حديث حسن. هذا الحديث رواه الترمذي من حديث عطاء، حديث عطاء السلولي عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة. وهذا السلولي لا بأس به، إلا أنه اختلط فيه على عبد الرحمن بن ثابت الشامل، فمنهم الرواة عنه عن أبيه عن عبد الله بن ضمرة عن كعب الأحبار. وهذا رواه هكذا يحيى بن يمان، ويحيى بن يمان فيه ضعف. لكن الحديث الصحيح من طريق عبد الرحمن بن ثابت عن عطاء السلولي عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة. وهذا سند حسن، سند حسن. ولهذا حسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. قال: «الدنيا ملعون ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه، عالم ومتعلم». وهذا فيه أن البركة إنما تكون في هذه الدنيا في ذكر الله عز وجل، وما ولاه ما اتبع ذلك من ما يكون فيه ذكر لله جل وعلا، وعالما يعلم الناس الخير، ومتعلما. فالناس ثلاثة كما قال علي رضي الله عنه لما في وصيته لكميل بن زياد: الناس ثلاثة، عالم ومتعلم على سبيل الهدى، وهمج الرعاء أتباع كل ناعق. فالعالم بركة إذا كان يعمل بعلمه، وكذلك المتعلم إذا كان سالكا على سبيل النجاح، أن يريد من تعلمه أنه ينجو بنفسه وينجو بأهله، فهو نيته حسنة، ليس لأجل غرض من الأغراض الدنيا. فهؤلاء ممن تكون البركة فيهم في هذه الحياة، وإلا فليست هناك بركة في هذه الحياة. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعون من فيها أو ما فيها»، معنى هذه الأشياء لا بركة فيها، الأشياء الموجودة في الدنيا إلا ما كان من هذه الأمور العظيمة: ذكر الله، وما ولاه، أي من يذكرك بالله جل وعلا، وعالما ومتعلما. قالوا عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من سلك طريقا يبتغ فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». قال: رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. وقد رواه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من طريق قيس بن كثير، ومنهم من يقول: كثير بن قيس، وهو أصح. عن أبي الدرداء أن رجلا جاء من المدينة فجلس عند أبي الدرداء، وقال له: ما أتى بك؟ قال: أتيت لطلب العلم. فذكر له أبو الدرداء هذا الحديث. وجاء اختلاف في الرجل الذي جاء إلى أبي الدرداء. وقد جاء هذا الحديث عند الترمذي بإسناد حسن من غير هذه الطريق التي هي مختلف فيها، فجاء من طريق شبيب السكوني عن كثير بن مرة عن أبي الدرداء. فالحديث صحيح، قد جاء ما يشهد له من حديث ابن مسعود. المراد. فجاء أيضا عن زر بن حبيش أنه قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ قلت: جئت لأطلب العلم. قال: مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم لتضع الملائكة أجنحتها رضا بما يطلب. وجاء مرفوعا، أي هذا الموضع الذي ذكره: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». فالحديث صحيح. وأيضا أوله قد جاء في حديث أبي هريرة من طريق الأعمش، ثنا أبو صالح، ثنا أبو هريرة: «من سلك طريقا التمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة». فهذا الحديث صحيح. وفيه أشياء كثيرة من فضل العلم. وقوله: «من سلك طريقا يبتغ فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة»، أي أن أسهل الطرق إلى الجنة سبيل العلم، ويشمل هذا الطريق الحسي والطريق المعنوي. والطريق الحسي المراد ما يمشي به طالب العلم ينتقل من بيته إلى مكان العلم، يسافر إلى مكان العلم لأجل أن يطلب العلم. والطريق المعنوي وذلك بالتفكر والتدبر، وقراءة عن التفكر في آيات الله عز وجل، وفي القرآن، وكذلك قراءة الكتب والمباحثة مع أهل العلم، وأيضا المباحثة مع طلبة العلم، فكل ذلك من المذاكرة، كل هذا من التماس الطريق، طريق العلم. فهنا قوله صلى الله عليه وسلم: «سلك طريقا»، أي الطريق الحسي الذي يمشي به الإنسان، والطريق المعنوي الذي يتزود به طالب العلم من العلم. وقال: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا»، فهذا يدل على أن العلم أعظم موروث يرثه الإنسان من الأنبياء، أن أفضل موروث ورثه الأنبياء هو العلم. وهذا لأجل أن هناك بعضهم يقول: إن هناك إرثا غير العلم. فقد ذكر ربنا جل وعلا في قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، فهناك إرث خلفه آل يعقوب، وهو الصندوق الذي أو التابوت الذي كان عند موسى. وقيل: إن المراد هنا في هذه الآية أيضا كذلك المراد هو إرث العلم: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، أي يرث العلم. وقيل: إنه عام، فقد يرث أو يورث الأنبياء غير العلم، لكن أفضل ما ورث الأنبياء هو العلم. ومن قال في هذه الآية: إن الذي ورثه آل يعقوب هو العلم، فلا إشكال في ذلك. فلهذا فإن كان الذي يرثه العلم فلا إشكال في ذلك، وإن كان هناك شيء آخر ورثه ورثه آل يعقوب عن أبيهم يعقوب، فهذا يدل على أن المراد من الحديث أفضل ما يرثه الناس من الأنبياء هو العلم. فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، عن أعظم شيء وحظ وافر في هذه الدنيا أن الإنسان يأخذ علما يتعلم ويتزود به. قد قال الله عز وجل لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فلم يأمره بزيادة في شيء إلا في العلم. فالعلم يزداد منه الإنسان، وكلما ازداد منه وتقوى من الله أو بتقوى الله، فإنه يزداد نورا وسلوكا إلى جنة الله جل وعلا. فهذا إن شاء الله ما يذكر، ونكمل في الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.