كتاب الطهارة 16

كتاب الطهارة 16

الدرس في كتاب الطهارة 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

نهي النبي عن مس الذكر باليمين

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر باليمين أثناء قضاء الحاجة، كما نهى عن التمسح باليمين بعد ذلك وعن التنفس في الإناء أثناء الشرب. هذه الأفعال منهي عنها لما فيها من قلة نظافة واستقذار.

آداب قضاء الحاجة والشرب

الحديث يبين آداب قضاء الحاجة والشرب، حيث يجب تجنب مس الذكر باليمين والتنفس في الإناء، وتكريم اليد اليمنى لاستخدامها في الأمور الطيبة. هذه الآداب تهدف للنظافة وتجنب الأذى.

تحريم قضاء الحاجة في الطرقات

النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قضاء الحاجة في أماكن تجمع الناس أو في طريقهم أو ظلهم، لأن ذلك يسبب لهم الأذى ويستوجب اللعن. يجب على المسلم تجنب إيذاء إخوانه المسلمين.

ختام الحديث بالصلاة على النبي

المقطع الأخير يمثل ختامًا للحديث أو النص، حيث يُختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن الرغبة في التوقف عند هذا الحد مع الدعاء للنبي.

التفريغ النصي الكامل

الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين يسابور القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو ابن بكر تميمي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، إمام من أئمة الجرح والتعديل، عن همام، قال: عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء». قال: وحدثنا يحيى، وهو التميمي، قال: أخبرنا وكيع، ومن الجراح، عن هشام الدستوائي. وذكر قصته مع الإمام مالك لما أراد أن يحدثه. نعم، جاء إلى الإمام مالك ليحدثه، والإمام مالك رحمه الله كان لا يرى التحديث، وإنما يرى العرض، يعني الطالب يقرأ عليه أحاديثه، وهو لا يحدث الطالب. فأبى هشام إلا أن يحدثه الإمام مالك، والإمام مالك يقول له: اعرب. فلما أكثر عليه، أمر أحد من عنده أن يضربه، وكان هشام غلامًا، يعني كان صغيرًا، أمره أن يضربه، فضربه خمسة عشر سوطًا. فلما فعل ذلك، ندم الإمام مالك رحمه الله على هذا، فقال له: يعني أراد أن يبرئ هذا العمل والفعل الذي حصل منه، فقال: ما الذي يرضيك؟ قال: أن تحدثني خمسة عشر حديثًا. فقال الإمام مالك: سأحدثك. فحدثه خمسة عشر حديثًا، يعني بدل كل سوط بحديث. فلما انتهى، وقبل ذلك، قال له: إن أبي قد باع بيته، وأرسلني إليك لتحدثني، فأنت تضربني! فحدثه بخمسة عشر حديثًا بدل خمسة عشر سوطًا. فلما انتهى، قال: زدني من الضرب، وزدني حديثًا، يعني اضرب وحدث، اضرب وحدث. مع أنه كان صغيرًا، كان صغيرًا، لكن كانوا يعني عندهم ماذا؟ معرفة عظيمة لقيمة العلم وقيمة الحديث. قال رحمه الله: عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم الخلاء، فلا يمس ذكره بيمينه». قال رحمه الله: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا الثقفي، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه. هذا الحديث حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، فيه ذكر بعض الآداب التي ينبغي أن يراعيها المسلم في قضاء الحاجة، وذكر منها أيضًا آداب الشرب. قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول». هذا فيه نهي عن أن يمسك الرجل ذكره بيمينه حال البول. قوله: «وهو يبول»، هذه جملة اسمية مبتدأ وخبر، وهي في محل نصب حال، يعني حال كونه يبول، أو حال كونه بائلا. والمقصود أن هذا النهي هو في حال البول، عند بوله، لا يمسك ذكره بيمينه. وهكذا أيضًا لا يتمسح من الخلاء بيمينه، يعني إذا أراد أن يستنجي، فإن الاستنجاء في اللغة هو الاستطابة، يكون باليسار، باليد اليسرى، ولا يتمسح ويستنجي باليد اليمنى. وذلك لأن اليد اليمنى مكرمة، فتكون استعمالها فيما هو من باب المكرمات، كالتناول والأكل والشرب والمصافحة، وكذلك أيضًا الترجل، لبس النعل، والدخول والخروج، الدخول كذلك باليمنى، ونحو ذلك من أمور الإكرام. وأما اليسرى فتكون فيما هو عكس ذلك، فالاستنجاء، وكذلك أيضًا التمسح، يكون باليد اليسرى. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مسك الذكر حال البول باليمين. ولهذا النهي للتحريم أو للكراهة، جمهور أهل العلم أنه للكراهة، وذهب جماعة من أهل العلم، والظاهرية وغيرهم، إلى أنه للتحريم. هذا هو الأصل، الأصل في النهي أنه للتحريم. فنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك يحمل هذا على التحريم، أنه يحرم أن يمسك ذكره بيمينه وهو يبول. وهكذا أيضًا أن يتمسح من الخلاء بيمينه. قال: «ولا يتنفس في الإناء»، يعني إذا شرب من إناء، فلا يتنفس في داخل الإناء، يتنفس خارج الإناء، يتنفس خارج الإناء. هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان إذا شرب، شرب ثلاثًا، وكذلك أيضًا يتنفس خارج الإناء، يشرب الشربة، ثم يتنفس في الخارج، ثم يشرب الثانية، ويتنفس في الخارج، ثم يشرب الثالثة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا أهنأ وأبرأ». وكذلك أيضًا أن التنفس في الإناء، هذا يعني يجعل من أراد أن يشرب بعده ماذا؟ يستقذر ذلك، يستقذر ذلك أن يشرب بعد من يشرب ويتنفس في داخل الإناء، فإنه قد يسقط شيء، أو يخرج شيء من أنفه أو من الفم أو شيء من ذلك، فيستقذر الإنسان أن يشرب من بعده. بخلاف ما لو شرب وتنفس خارج الإناء، فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك: «ولا يتنفس في الإناء». قال رحمه الله: وحدثنا يحيى، وهو التميمي، وقتيبة، وابن حجر، جميعًا عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء، وابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللعانين». قال: «ومن اللعانين يا رسول الله؟» قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». هذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام باتقاء اللعانين، ومعنى اللعانين: أي السببين أو سببان اللذان يوجبان اللعن، السببان اللذان يوجبان اللعن إذا فعلهم الإنسان، أوجب ذلك لعنه من قبل الناس، أن الناس يلعنونه ويسبونه إذا فعل ذلك. فقال: «ومن اللعانين يا رسول الله؟ ما هذان الأمران اللذان يوجبان اللعن؟» قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». الذي يتخلى في طريق الناس، الطريق التي يمشي فيها الناس، يأتي ويقضي حاجته فيها، فيأتي الإنسان يمر، وإذا به يرى النجاسة، وربما داسها بقدمه، ولا يدري، فيسب من فعل ذلك، ورغم لعن من فعله، فصار بهذا الفعل قد جعل الناس يلعنونه ويسبونه، فاستوجب على نفسه اللعن. أو كذلك الذي يتخلى في ظلهم، الظل الذي يجلس فيه الناس ويستظلون به، كتحت جدار أو تحت شجرة يستظل بها الناس، فلا يجوز أن يقضي حاجته تحتها. ويرجع إلى ذلك ما كان بمثل هذا المعنى من الأماكن التي يتأذى الناس فيها من قضاء الحاجة، كما جاء ببعض الروايات في موارد المياه، وتحت الأشجار المثمرة، ونحو ذلك من مثل هذه الأماكن التي يتضرر بها الناس ويتأذون، فإنه لا يجوز أن يقضي حاجته فيها. فهذه الأماكن، طرق الناس، ومحلات جلوسهم، وموارد المياه التي يردونها، ونحو ذلك، هذه لا يجوز أن يقضي فيها حاجته. ولو لا يجوز للمسلم أن يؤذي أخاه المسلم، لا يجوز للمسلم أن يؤذي أخاه المسلم. إلا إذا كان هذا الظل لا أحد يستظل تحته، إذا كان هناك ظل لا يستظل أحد تحته، لا بأس أن يقضي حاجته تحته. أما إذا كان يستظلون به، فلا، فلا يجوز. وسيأتي أن من السنة، من الواجب، إذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته، أن يذهب، يبتعد، يذهب بعيدًا في القضاء، ويقضي حاجته فيها من غير أن يؤذي أحدًا. وبهذا القدر نكتفي إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.