خلق الرحمة

الخطبة بعنوان خلق الرحمة، وكانت بمسجد السنة بتبالة 6 ربيع أول 1439هـ ألقاها

مفهوم الرحمة في الإسلام

يُشدد على أهمية صفة الرحمة في الإسلام، مستشهدًا بالقرآن الكريم وصفات الله عز وجل ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. الرحمة صفة أساسية في الله ورسوله، وضرورية لإصلاح الأحوال واستقامة الحياة.

أثر الرحمة في الدنيا والآخرة

الرحمة سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، كما أن الرحمة بالخلق تجلب رحمة الله تعالى يوم القيامة. الرحمة تعتبر من الأخلاق الحميدة التي حث عليها الدين الإسلامي.

تطبيق الرحمة في الحياة اليومية

يؤكد على أهمية الرحمة في معاملة الزوجات والأولاد، مستشهدًا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تحث على اللين والشفقة. الرحمة تمتد لجميع الخلق وليست خاصة بالأقارب والأصدقاء.

دعاء بالإصلاح والتوفيق في الحياة

دعاء يطلب فيه العبد إصلاح دينه ودنياه وآخرته، وزيادة الخير، والراحة من الشر عند الموت. يتضمن عناصر الإصلاح والتوفيق في الحياة والممات، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من الصفات الحميدة والأخلاق الفاضلة التي لا يستغني عنها فردٌ من الأفراد، ولا مجتمعٌ من المجتمعات، ولا أمةٌ من الأمم حتى تصلح أحوالهم وتستقيم حياتهم، فلا بد أن يتخلقوا بهذا الخلق العظيم، وهذه الصفة الكريمة التي هي صفةٌ من صفات ربنا جل وعلا، اتصف الله جل وعلا بها، بل واتصف بها رسوله عليه الصلاة والسلام، ألا وهي صفة الرحمة. قال الله جل وعلا: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم﴾، فالله جل وعلا سمى نفسه بالرحمن، وسمى نفسه بالرحيم، وهذان الإسمان يدلان على صفة الرحمة. فالله جل وعلا رحيم بعباده، قال عز وجل: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، وقال جل وعلا: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، وقال عز وجل مخبرًا عن الملائكة أنهم يقولون: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾. فالله جل وعلا هو الرحمن الرحيم، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، هذه الصفة العظيمة وصف الله عز وجل بها نبيه عليه الصلاة والسلام، أشرف الخلق وأكرمهم وخير الخليقة على ظهر هذه الدنيا. قال ربنا جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، فهو عليه الصلاة والسلام رحمة لجميع العالمين، مسلمهم وكافرهم، وكبيرهم وصغيرهم، وإنسهم وجنهم، بل وكذلك للبشر وللحيوانات وغيرها من المخلوقات. وهو القائل عليه الصلاة والسلام، كما روى الإمام الدارمي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه العلامة الألباني: «إنما أنا رحمة مهداة»، وبصحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت رحمة». فالله جل وعلا بسبب رحمته للخلق يرحمه سبحانه وتعالى يوم القيامة، ويسكنه في دار رحمته، جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: هي ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله جل وعلا بينهما، فقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها». فالجنة هي دار الرحماء الذين كانوا يرحمون الناس في الدنيا، بل إن الرحمة أعم من ذلك، ليس فقط هم رحماء مع الخلق، بل حتى مع الحيوان، هذه البهائم الضعيفة التي لا تعقل، إن رحمتها رحمك الله. جاء في الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني لأرحم الشاة إن ذبحتها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والشاة إن رحمتها رحمك الله». بل قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند الطبراني من حديث أبي أمامة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «من رحم ولو ذبيحة ولو ذبيحة عصفور رحمك الله يوم القيامة». هذه الرحمة عباد الله لا يستغني عنها العبد في حياته، فهو بحاجة عظيمة إلى أن يتصف بها، وأن يتخلق بها حتى تصلح أعماله، وتصح أفعاله، وتسدد أقواله مع الأقربين والأبعدين. إن أولى الناس بنيل هذه الرحمة منك أقاربك، والذين تعيش معهم وتحتك بهم من آباء وأزواج وأولاد وجيران وأصدقاء. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم، آمرًا بالإحسان إلى الوالدين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾. فالوالدان يحتاجان إلى الرحمة كما رحماك في صغرك، وتحملاك في حال نموك وكبرك، عانى من أجلك معاناة عظيمة، وتحمل المشاق من أجل راحتك، رحمة جنبك، فإذا كبرا احتاج إلى مثل هذه الرحمة التي عاملاك بها في صغرك. هكذا أيضًا رحمة الأزواج، فربنا جل وعلا يقول: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. فأخبر الله جل وعلا أن من آياته العظيمة ما جعل الله جل وعلا من علاقة ومن معاملة بين الزوجين الذين يلتقيان، لا يعرف أحدهما الآخر، ولم يعاشر أحدهما الآخر، فما هي إلا لحظات وساعات، وإذ بينهما مودة ورحمة. فلا بد أن تكون معاملتك لزوجاتك بالرحمة والشفقة واللين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا». وهكذا أيضًا معاملة الأولاد، لا بد أن تكون بالرحمة والشفقة واللين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام من أرحم الناس بالعيال، جاء في صحيح الإمام مسلم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كان النبي عليه الصلاة والسلام من أرحم الناس بالعيال». فالرحمة عباد الله أمر مطلوب، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف لكبيرنا حقه»، رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن هذه الرحمة التي ينبغي أن يعامل بها المسلم أخاه ليست خاصة بمن تعرف من أصدقائك وأقاربك، وإن كانوا هم أولى من ينبغي أن يعاملوا بالرحمة ممن ذكر سابقًا، وهكذا بقية الأرحام من أخوة وأخوات وأعمام وعمات وخالات وخالات وأخوال وخالات. فإن الراحمين يرحمهم الله، جاء في الأدب المفرد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». إذا كنت رحيمًا بالمعنى الشرعي الذي بيّنه النبي عليه الصلاة والسلام، بأن تكون رحيمًا مع أقاربك، ومع أصدقائك، ومع أرحامك، ومع سائر الخلق، فأبشر برحمة الله جل وعلا لك. والعكس صحيح، فاحذر أن تكون قاسي القلب محرومًا من هذه الصفة، تعامل الخلق بالغيظة والشدة والقسوة وعدم الرحمة، فإنك تحرم رحمة الله، في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». أسأل الله جل وعلا أن وفقنا وإياكم لطاعته، ونسأله سبحانه أن يرحمنا برحمته. اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن ترحمنا برحمتك، اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على