الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 633

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 633

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 633، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث ابن عباس في سبب نزول آية الروح ومناقشة تصحيحه

يستعرض الشيخ حديث ابن عباس عن سؤال قريش لليهود حول الروح ونزول آية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، ثم يناقش إسناد الحديث وتصنيفه عند الترمذي ويرجح صحته على شرط البخاري مع بيان حال رواته.

تحريف اليهود والنصارى للكتب السماوية ومعاداتهم للنبي وغزوة الأحزاب

يوضح المقطع كيف حرّف أهل الكتاب كتبهم لإخفاء بشارة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتحالفوا مع قريش في غزوة الأحزاب، لكن الله نصر المؤمنين بالريح، كما يذكر سؤال المشركين عن الروح وإجابة القرآن بأنها من أمر الله.

حقيقة الروح من أمر الله وحدود علم الإنسان

يبيّن المقطع أن حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه وأن علم البشر قليل، ويوضح محاولة اليهود تعجيز النبي بسؤالهم عن الروح وافتخارهم بالتوراة دون عمل، بينما ضل النصارى بالعمل بغير علم.

خاتمة الجلسة والاكتفاء بما طرح

يختتم المتحدث الجلسة معلناً الاكتفاء بما تم طرحه، مستعيناً بالله تعالى ومفوضاً العلم إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخنا مغلو بن هاد الوادي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا قتيبة، وقتيبة، وابن سعيد، وابن طريش، وابن جميل، والثقفي، والبغلاني، وكان من حفاظ الحديث الذين عمروا، وقد روى عنه كثير من الحفاظ، منهم أصحاب السنن، أو أصحاب الأمهات، والإمام أحمد، وكلهم مباشرة إلا ابن ماجه، إلا ابن ماجه، وعنه بواسطة. قال: حدثنا قال: أكبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو كوفي، ينسب إليه، وهو مثل أبي. قال: عن داود بن أبي هند، وداود كان فقيهاً، كذلك كان عابداً ومن أهل الحديث. قال: عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. أعطونا شيئاً نسأل هذا عنه هذا الرجل. أنا قريش تقول: اليهود، وقريش كانوا يظنون أن اليهود أهل علم، فقالوا: يريدون أن يعجزوا النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: سلوه عن الروح. قال: فسألوه عن الروح، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً. فأنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ إلى آخر الآية. قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. أنا أذكر العبارات، العبارات الثلاث: حسن، صحيح، غريب. معنى أنه غريب: أنه بإسناد واحد لم يأتِ بإسناد آخر. وهذا معنى أنه أراد كما قال الحافظ: أنه بهذا الإسناد حسن، أو أنه بحسب التردد، حسب تردد العالم، معنى كأن الترمذي تردد في هل هذا الحديث يعتبر حسناً أو صحيحاً. لكن الحديث على شرط البخاري، وأكثر رواة وأئمة حفاظ كبار، إلا ما قيل في عكرمة. لكن الذي عول عليه أكثر أهل الحديث أنه ثقة، بل حافظ كبير، وموسوعة من موسوعات العلم. فلهذا فالحديث حديث صحيح، وليس أنه يتردد فيه، ولأنه أيضاً على شرط البخاري، فعكرمة من شرط البخاري، وقد روى أحاديث كثيرة من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، بل بهذا الإسناد نفسه: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس. فدل على أن الحديث حديث قوي وصحيح. وهذا يرجح أنه مثل ما قال الحافظ ابن كثير: أنه يشرّب الحسن بالصحة، ويشرّب الصحة بالحسن. ولو كان حديثاً واحداً معناه يجعله «حسن صحيح» أعلى من صحيح، أعلى من صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه الإمام أحمد، فقال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد به. وأخرجه أبو يعلى، أي عن قتيبة. وأخرجه الحاكم، فقال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه صاحب ابن خزيمة، قال: أنبأنا إسماعيل بن قتيبة، وهو ثقة، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو النيسابوري، الحافظ الكبير، حافظ كبير من حفاظ نيسابور، قال: أنبأنا ابن أبي زائدة به. قال: ثم قال أي الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وهذا من الأحاديث التي صَفا فيها كلام الحاكم: أنه على إسناد البخاري ولم يخرجه البخاري. لكن كما هو معلوم أن هذا لا يلزمه، هذا الاستدراك لا يلزم البخاري، لأن أصل الحديث موجود في البخاري، وأيضاً البخاري لم يلتزم أن يخرج جميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما صح. قال ابن عباس: أن قريشاً قالت لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. معنى: يريدون منهم أن يعجزوا النبي عليه الصلاة والسلام بالسؤال، لأن قريشاً ما عندهم علم، وكان أكثرهم لا يتعلمون، وكانوا ينظرون إلى اليهود أنهم أهل علم وأهل كتاب، فقالوا لهم، ورعوهم أنهم يعادون النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا كانوا يسألونهم: أنحن على دين صحيح أم محمد؟ فيقول هؤلاء المخذولون اليهود: أنتم على دين صحيح، كما ذكر الله عز وجل في سورة النساء: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. لهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. وهذه الآيات العظيمة بين ربنا جل وعلا ما تكنه صدور اليهود من الحقد الدفين على دين الله جل وعلا، وعلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم وصحابه. حتى أنهم يفترون وهم يعلمون، وهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، يعرفون أن هذا هو النبي الذي بشر به ربنا جل وعلا. ولهذا فالتوراة فيها تبشير النبي عليه الصلاة والسلام. وقال العلماء: أن التوراة التي ليست فيها تبشير ليست التوراة صحيحاً، وكذلك الإنجيل الذي ليس فيه تبشير بالنبي عليه الصلاة والسلام ليس إنجيلاً صحيحاً. ولهذا النصارى من خبث رهبانهم أنهم لم يعتمدوا على الإنجيل الذي أنزله الله عز وجل، وجمعوا صحفاً، جمعوا صحفاً لبعض قساسة ورهبان النصارى، جمعوا هذه الرسائل وجعلوها أناجيل: إنجيل يوحنا، وإنجيل كذا، وإنجيل كذا. وهذه أناجيل باطلة، ليست هي التي أنزل الله عز وجل على عيسى، وإنما هذه رسائل كان يكتبها هؤلاء، فجمعوها وجعلوها إنجيلاً، حتى يوافق ما يعتقدون من الولد أو اعتقادهم من الولد والتثليث. وكذلك أيضاً ليس فيه تبشير بالنبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لو تركوا ذلك في كتبهم لقامت عليهم الحجة، لقامت عليهم الحجة. فلهذا تجد اليهود أخرجوا ذلك من التوراة وغيروه، وكذلك النصارى فعلوا كذلك، بل فعل النصارى أعظم لأنهم غيروا الكتاب كله، لكن اليهود غيروا بعض الأشياء، يبدلون كلام الله، وأيضاً يأتون بأشياء ليست من كلام الله جل وعلا ويقولون هي من عند الله، وما هي من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فاشتراء يهود وكذبهم، وأيضاً عدم تدينهم وصدقهم هذا كثير، وقد ذكر الله عز وجل أشياء كثيرة من ذلك، حتى وصل بهم الحقد إلى أن فضلوا دين المشركين وعبدت الأوثان على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عز وجل به. فقالوا لقريش: أن دينكم حق، أو دينكم أحسن من دين محمد، وهو عبادة الأصنام. فلهذا قريش كانت توالي اليهود لأجل عدائهم للنبي عليه الصلاة والسلام، مع أن قلوبهم مختلفة ومشاربهم مختلفة، إلا أن هم اتفقوا في عداء رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. ولهذا اتفقوا في الأحزاب معاً هم والأعراب، أو بعض الأعراب الكفرة، فاجتمعوا وسموا أنفسهم الأحزاب، اجتمعوا على المدينة: قريش ومن معهم في الخارج، واليهود يساندونهم من الداخل، يهود بني بني النضير، لكن خذلهم الله. أقصد يهود بني قريظة الذين اتفقوا مع قريش على هذا، على أن يأتي قريش ويقتلون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، لكن خذلهم الله ولم يستطيعوا أن يدخلوا المدينة، ودخل بعضهم لكن أكثرهم الذين دخلوا قتلوا، وجاءتهم بعد ذلك الريح الشديدة التي نصر الله عز وجل بها عباده الصالحين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بِالصَّبَاءِ وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ». الصبا هي هذه الريح التي جاءت، كانت ريحاً باردة شديدة البرودة، حتى أن الرجل لا يستطيع أن يمشي من شدة برودة الجو. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَرَى خَبَرَ الْقَوْمِ» لم يستطع أحد أن يقوم، خشية أن لا يوفي كلام النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «قُمْ يَا حُذَيْفَةُ». فجاء حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره، وقال له: «لَا تُحْدِثْ شَيْئًا». إنما يريد فقط أن يرى خبر القوم. قال حذيفة: فمشيت، فكأنني في حمام، من شدة برد. لكن لما دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وضرب صدره، كأنه في حمام. الحمام: مكان الماء البارد، أقصد مكان الماء الحار. وإذا كان الماء حاراً حاراً، تجد حتى الذي يمشي قربه يجد حرارة هذا الماء. فيقول حذيفة: كأنني في حمام. فكانت اليهود يسألون قريشاً في أشياء، أو قريشاً كانت تسأل اليهود في أشياء. فمن هذه الأشياء كما ذكر هنا: قال: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. أنا سؤال قوي جداً ويعجزه، لا يستطيع أن يجيب. فقالوا: سلوه عن الروح. ما هذه الروح؟ نسمع بالروح، والإنسان أيضاً به روح، لكن إيش هذه الروح؟ فقال: فسألوه عن الروح، فقال: أنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. قل: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً. ربنا جل وعلا هو الذي يأمرها فتعود إلى الله جل وعلا. فهذا الجواب المفحم لهم، على كأن الله عز وجل يقول: أنتم ما تعلمون هذه الروح، كيف تسألون النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم لا تعلمون ما هذه الروح؟ فقال الله عز وجل: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي أن الله عز وجل هو الذي يعلم أمرها، يعلم أمرها سبحانه وتعالى. وهذه مما أخفى الله علم الناس عنها، ما يستطيع أحداً يعلم إيش هذه الروح. حتى بعض المتكلمين حاول أن يعرف هذه الروح وكذا، وجاء بأشياء غير صحيحة. فلهذا فالروح شيء خلقه الله عز وجل يجعله في الإنسان تدب إليه الحياة. قيل أنها النفس، وهذا قول أكثر أهل علم، على أن الروح هي النفس. فإذا خرجت النفس مات الإنسان. إذا خرجت نفسه، على الهوى الذي يتنفس به، مات الإنسان. وقيل أن الروح هي التي تبعث هذه النفس. والمهم أن هناك أقوالاً كثيرة، لكن الله عز وجل يقول: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، مما استأثر الله عز وجل بها بعلم هذه الروح، وما المراد بها، وما هي الروح. صحيح أنها معروفة أن الروح هي التي تحيي الإنسان، الإنسان جسد وروح، لكن ما هذه الروح، وما طبيعتها، وما أيضاً المقصود منها، وماذا تفعل في الجسم، كل هذا يعلمه الله عز وجل. لكن كما قلنا أن بعض العلم يقول أنها النفس الذي يتنفس به الإنسان، وبعض يقول أنها هي التي تسبب هذا النفس. لكن الله أعلم. فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهذا العلم لا يعلمونه، حتى اليهود، فلم يجيبوا اليهود، وإنما قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً. ظنوا أن العلم كله في التوراة، وهذا كلام باطل، ليس العلم كله في التوراة، فالعلم كثير، والإنسان مهما بلغ من العلم فهو ما أوتي من العلم إلا قليلاً. ونبينا، ونبينا عليه الصلاة والسلام، أعطاه الله عز وجل علماً عظيماً، وفوق هذا، إلا أن الله عز وجل يخاطب جميع الناس: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. فالعلم كثير، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. معناها: أن لو كل شجرة في هذه الأرض صارت قلماً، وجاء المداد بهذه السبعة الأبحر أيضاً، ما نفذت كلمات الله. وفي هذه الآية: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾، أن يكتب به لكلمات ربي، أي هذا مداد لكلمات، لنفد البحر، البحر ينتهي. فقال: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. حتى لو أمدد هذا البحر. وهذا لعظيم علم الله عز وجل. وربنا سبحانه وتعالى وسع كل شيء علماً، فعلمه لا يحيط به الإنسان، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. فالله عز وجل أعطى الناس علماً محدوداً، يعلمون هذه الأشياء، منهم من يعلم ظواهر الأشياء الدنيوية، ومنهم من علمه الله عز وجل في دينه وفي كتابه، وأعطى أيضاً رسله علماً كثيراً من علم دينه وشرعه، وكذلك أعطاهم من علم الغيب، وأطلعهم على علم الغيب، وأطلعهم على علم الغيب. وإلا فقد استأثر ربنا جل وعلا بعلم الغيب، لكن يطلع رسوله كما ذكر ربنا جل وعلا في سورة الجن وغيره. فلهذا هنا اليهود أرادوا أن يعجزوا النبي عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يوحى إليه ربه جل وعلا، وربنا جل وعلا عالم بكل شيء. فلهذا لم يجب اليهود بما أرادوه، لكن فتح لهم باباً لم يستطيعوا أن يجيبوا، فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. هل أنتم عندكم علم بهذه الروح حتى تسألوا عنها؟ فهم لم يجيبوا على هذا السؤال، قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ولم يجيبوا على ما هي الروح. لكن قالوا وادعوا أنه عندهم علم. قد ذكر الله عز وجل تفاخرهم بهذا العلم، وفرحوا بما عندهم من العلم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. ففرحوا، أي افتخروا وتكبروا. الفرح هنا المراد به التكبر والافتخار. افتخروا بما عندهم من العلم، لكن لم يفدهم ذلك العلم، لأنهم لم يعملوا به، لم يعملوا بعلمهم، بل كانوا يفتخرون هكذا. قد ذكر الله عز وجل أنه قد غضب عليهم ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وعبد الطاغوت، لأنهم لم يعملوا بذلك العلم الذي آتاهم الله عز وجل. وكذلك النصارى، فإنهم عملوا بلا علم، لم يأمرهم الله عز وجل بأشياء كثيرة فعملوها بجهل، فأيضاً صاروا من الضالين، كما ذكر ربنا جل وعلا. طيب، إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.