التعليق على شرح الأربعين النووية  20

التعليق على شرح الأربعين النووية 20

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 20، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث «اتق الله حيثما كنت» ومعنى التقوى

يتناول المقطع الحديث الثامن عشر في الأمر بتقوى الله في كل حال، ومناقشة درجته الصحية، ثم يستعرض شرح ابن عثيمين مع تحليل إعرابي، ويعرض تعريف طلق بن حبيب للتقوى بوصفها العمل بطاعة الله على نور منه رجاء ثوابه، وترك معصيته على نور منه خوفاً من عقابه، مؤكداً على المتابعة والإخلاص.

تقوى الله في السر والعلن وإتباع السيئة بالحسنة

يشرح المقطع خطورة انتهاك محارم الله في الخلوة، ويؤكد أن المؤمن يتقي الله حيثما كان، كما يبين أن إتباع السيئة بالحسنة -وخاصة التوبة- يمحوها مستدلاً بالآية والحديث النبوي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على توجيه الأمة لهذا الخير.

فرق التوبة عن الحسنات في محو السيئات وأحكام معاملة الناس

يبيّن المقطع أن التوبة النصوح تمحو جميع الذنوب بلا موازنة، بينما الحسنات غير التوبة تمحو السيئة فقط إذا رجحت عليها في الميزان، وأن التوحيد أعظم حسنة ترجح السجلات، كما يوضح أن معاملة الناس بالخلق الحسن تنقسم إلى واجب ومستحب وتختلف باختلاف حال الناس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بعد، الحديث الثامن عشر: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسن صحيح. وهذا الحديث مختلف في صحته، فبعض العلماء المتقدمين كابن أبي حاتم، وكذلك ابن رجب وغيرهم، حكموا عليه بالإرسال، وأن الصحيح فيه أنه مرسل. وبعض أهل العلم حسّنوه، فيما يذكر الشيخ الألباني يحسنه. هل عندكم نسخة فيها تحسين الشيخ الألباني؟ أيش قال؟ نعم، الشيخ الألباني يحسنه، لكن كثير من العلماء المتقدمين يحكمون عليه بالإرسال، وأن الصحيح فيه الإرسال. المهم: على تحسين أو تصحيح الشيخ الألباني لا بأس أن تقول: صححه الشيخ الألباني. طيب، نقرأ شرح العلامة الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين على هذا الحديث. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت». «اتق» فعل أمر من التقوى. نعم، عند من إعراب؟ عندك يا أبا سهل. «اتق» فعل أمر، كأنه مكسور هنا لقاف «اتق» هو أن يكون مكسور فعل الأمر، لا كيف هذى يا أبا سهل؟ لا، انتبه، انتبه يا أبا سهل. مجزوم بحذف حرف العلة. وما هو حرف العلة؟ والكسر الدليل على... «فاتق» فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من التقوى. قال: والتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. فهذا هو حد التقوى، هذه هي التقوى. وطلق بن حبيب ذكر تعريفاً هو من أفضل ما عرفت به التقوى، فقال: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تجتنب ما حرم الله على نور من الله تخاف عذاب الله. هذه هي التقوى: أن تعمل بطاعة وتترك المحرم. لكن الطاعة التي أمر الله بها، لأنه قد يأتي مبتدع ويعمل بدعة ويقول: هذه طاعة. صح. فلذلك قال طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله. ما معنى «على نور من الله»؟ معنى على بينة وبرهان وحجة ودليل من كتاب الله، من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أن هذه طاعة. وكذلك أن تترك معصية الله على نور من الله، لأن الإنسان قد يظن أنه ترك معصية وهو ترك أمراً حلالاً، بل ربما ترك أمراً مستحباً أو واجباً، ويظن المسكين أنه قد ترك محرماً، قد ترك محرماً وهو قد ترك ربما سنة أو واجباً من الواجبات. كذاك الذي مثلاً يحرم على نفسه ما أحل الله وهو حلال، أو ذاك الذي مثلاً يبتعد عن بعض السنن بحجة أنها من الدين الجديد. هذا محروم. لماذا يا فلان ما تخرج لصلاة العيد في المصلى؟ قال: لهذا جابوا أصحاب الدين الجديد. سبحان الله! ترك هذا يظن أنه ترك ماذا؟ ترك أمراً مخالفاً لدين الله، وهو ترك سنة. صح. وهكذا: لماذا يا فلان لا تعفي لحيتك؟ قال: هذا اللحية حق المطاوعة، أصحاب الدين الجديد. ويترك يعني إعفاء اللحية من أجل هذا، ويظن أنه قد ترك شيئاً نهى الشرع عنه. فلابد أن تترك الشيء على نور من الله مع الإخلاص. ولذلك قال في الأوامر: ترجو ثواب الله، وفي النواهي: تخاف عذاب الله. يعني ما تعمل الطاعة رياء ولا سمعة، ولا كذلك من أجل غرض من أغراض هذه الدنيا، وإنما تعمل الطاعة من أجل... لا تخاف، لا، ترجو ثواب الله، وتترك المعصية ليس خوفاً من فلان أو علان، أو من كذلك قطع معاش، أو إلى غير ذلك، وإنما تترك المعصية لأنك تخاف من عذاب الله. واضح. فهذه هي التقوى، وهذا هو التعريف الجامع لها. قال: وهذا هو أحسن حد قيل فيها، يعني اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي. هذا أفضل حد، يعني أفضل تعريف في التقوى، أفضل تعريف في التقوى وهو ما قاله طلق بن حبيب، ولكن أضاف المتابعة والإخلاص. المتابعة والإخلاص: فقوله «على نور من الله» المتابعة، وقوله «ترجو ثواب الله وتخاف عذاب الله» هذا دليل الإخلاص. قال: «حيثما كنت» أي في أي مكان كنت، فلا تتق الله في مكان يراك الناس فيه، ولا تتقيه في مكان لا يراك فيه أحد، فإن الله تعالى يراك حيثما كنت، فاتقه حيثما كنت. فهذا معنى «حيثما كنت»: يعني في أي مكان، في الخلوة والجلوة، وفي السر والعلانية، وفي البر والبحر، وفي الصحة والمرض، وفي الشدة والرخاء، وفي جميع الأحوال تتق الله عز وجل. ما هو إذا كنت أمام الناس ما شاء الله من أتقى الناس، ومن أزهد الناس، ومن أفضل الناس، وإذا خلوت بينك وبين الله ولا يراك إلا الله سبحانه وتعالى انتهكت محارمه. هذا أمره خطير، وهذا تذهب عليه حسناته هباء منثوراً، كما جاء في حديث ثوبان، قال عليه الصلاة والسلام: «لا أعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله هباء منثوراً». يعني يذهب عليهم تلك الحسنات العظيمة كلها. فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم - وهذا من حرصهم على العلم وعلى النجاح من أن يكون من أمثال هؤلاء -: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، من هؤلاء حتى ما نكون مثلهم؟ صفهم لنا، جلهم لنا. قال: «ألا إنهم من جلدتكم، ويتكلمون بألسنتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون». يعني يصلون الليل. طيب، ما يعني جرمهم وما ذنبهم حتى جعلت تلك الحسنات العظيمة هباء منثوراً؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إلا إنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». يعني إذا كانوا في خلوة، ليس بينهم وبين أنفسهم إلا الله سبحانه وتعالى، انتهكوا محارم الله. انتهكوا محارم الله يعني فعلوا المحرمات وفعلوا المنكرات. فانظروا إلى خطر انتهاك محارم الله في الخلوة. فهذا معنى قوله: «حيثما كنت». حيثما كنت يعني في أي مكان كنت، ليكن سرك وعلانيتك سواء، جلوتك وخلوتك سواء. كما أنك تتق الله أمام الناس، فكذلك تتق الله عندما لا يراك الناس، تكون بينك وبين الله، فإن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية. قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». وأتبع السيئة الحسنة، تمام يا خانعائد؟ «وأتبع السيئة الحسنة» أو «وأتبع السيئة الحسنة»؟ السيئة والحسنة. طيب، أيشاعر بالسيئة والحسنة؟ السيئة مفعولين، والحسنة نعم، لأن «أتبع» تنصب مفعولين. يعني «أتبع» أنت السيئة بالحسنة، هذا المعنى. «تمحها» يعني اجعل الحسنة تتبع السيئة، فأتبعها بالحسنة. ومن ذلك أي إتباع السيئة بالحسنة: أن تتوب إلى الله من السيئة، فإن التوبة حسنة. يعني إذا أحدثت سيئة فأتبعها بحسنة، والحسنة التي تمح هذه السيئة وتمح غيرها من السيئات هي التوبة. والتوبة عبادة حسنة، التوبة حسنة، فهي من أقوى ما يمح السيئات، التوبة. ولذلك جاء في حديث ابن عمر، أو في حديث أبي هريرة، ما أدري، شككت في هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر سُقِلَ قلبه، وإن عاد زيدت فيه حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». حديث من هذا يا أخي؟ حديث أبي هريرة، صح؟ نعم، حديث أبي هريرة: «إذا أذنب العبد ذنباً...». الشاهد: «فإن تاب ونزع واستغفر سُقِلَ قلبه» يعني محيت هذه السيئة ومحي أثر هذه السيئة. فإذن المؤمن ليس بمعصوم، فليس الشأن كل الشأن ألا يسيء الإنسان وألا يذنب الإنسان، فهذا شيء لا يستطيعه لأنه بشر يخطئ ويصيب، وقد يستزله الشيطان. ولكن الشأن كل الشأن أنه إذا أذنب بادر وسارع إلى التوبة، ولا يصر على هذا الذنب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. يعني طلبوا المغفرة، يعني تابوا، تابوا من هذه الذنوب، من هذه الذنوب، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فأنت إن شاء الله قد يستزلك الشيطان وتقع في معصية، في سيئة، ولكن بادر. ولا تظن أن السيئة زنا أو لُوَاط فحسب، لا. الغيبة سيئة، وكم من الناس يقع فيها؟ صح. زلات اللسان هذه ما يسلم منها إلا من سلم الله. الغيبة، النميمة، الشتم، السب، اللعن، إلى غير ذلك. فالإنسان عرضة لمثل هذه المعاصي. فأنت إذا شعرت من نفسك أنك وقعت في شيء من ذلك فبادر بالتوبة، فإنها حسنة، بل هي من أعظم ما يمح السيئة. قال: وقوله «تمحوها» يعني الحسنة إذا جاءت بعد السيئة فإنها تمح السيئة. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وأول الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وهذه الآية صح فيها سبب نزول، صح فيها سبب نزول. وسبب نزولها أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني أصبت امرأة، يعني قبل امرأة لا تحل له، حرام عليه أن يفعل بها ذلك. جاء نادماً تائباً، ولم يزن بها، إنما فقط باشرها دون إيلاج. جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تائباً نادماً يريد المخرج والحل والعلاج. فنزلت، نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أصليت معنا؟» قال: نعم. قال: «فإن الحسنات يذهبن السيئات». فهذا فيه هذا الشاهد أن الحسنات يذهبن السيئات. ولذلك أهل العلم قالوا: الإنسان إذا أذنب ذنباً يكثر من الحسنات، يكثر، لا يقتصر على الأعمال التي دائماً يعملها في يومه، بل يزيد في صيام، في صدقة، في قراءة قرآن، في قيام ليل. نعم، إذا شعر من نفسه أنه قد وقع في معصية ويريد التوبة والرجوع ومحو هذه السيئة. قال: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته بتوجيههم لما فيه الخير والصلاح، ومن ذلك أن حضهم على تقوى الله عز وجل في أي مكان كان، في السر والعلن، لقول صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت». قال النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على أمته كما وصفه الله سبحانه وتعالى، فقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم. فما من خير عليه الصلاة والسلام إلا وبينه لهذه الأمة، وما من شر إلا وحذرها منه. فترك هذه الأمة على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فهذا من حرص النبي عليه الصلاة والسلام أن بين لهم هذا الأمر العظيم وهو ملازمة تقوى الله في كل مكان. قال: الإشارة إلى هذا، كل تعد من فوائد هذا الحديث، وذكره هنا على وجه السرد. قال: الإشارة إلى أن السيئة إذا أتبعتها الحسنة فإنها تمحوها وتزيلها بالكلية. وهذا عام في كل حسنة وسيئة إذا كانت الحسنة هي التوبة. لماذا إذا كانت الحسنة هي التوبة؟ لأن التوبة تجب ما قبلها، ولأن التوبة فيها تصريح بالرجوع عن هذه السيئة. لكن لو أن الإنسان ما تاب، يعني ما استغفر وأناب، وخص هذه المعصية بالاستغفار والتوبة والرجوع، ولكنه كان يعمل الصالحات، فهذا سيأتي فيه التفصيل. يعني ليس هذا وحده كفيل بأن يمحو هذه السيئة إلا إذا وازى هذا العمل الصالح تلك السيئة فغلب عليها، فإنه يمحوها، كما سيأتي. أما التوبة فإنها تمحو كل ذنب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. انظر إلى هذه الجرائم وهذه المعاصي: الشرك، زنا، قتل النفس، معاصي عظيمة، كبائر كبيرة. فقال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. فالتوبة هي التي تمح السيئات، وهي حسنة عظيمة. لكن لو لم يتوب وعمل أعمالاً صالحة أخرى، فقد تمحو هذه الأعمال إذا كانت كثيرة وعظيمة وكذلك جليلة، فإنها قد تمحو هذه السيئة، وإن كانت دون ذلك فلا تمحوها. وسيبين هذا إن شاء الله. قال: وهذا عم في كل حسنة وسيئة إذا كانت الحسنة هي التوبة، لأن التوبة تهدم ما قبلها. أما إذا كانت الحسنة غير التوبة، وهو أن يعمل الإنسان عملاً سيئاً ثم يعمل عملاً صالحاً، فإن هذا يكون بالموازنة، يعني بالنظر إلى السيئة وإلى الحسنة. هذا معنى «بالموازنة»: توازي بينهما. قال: فإذا رجح العمل الحسن على السيئة زال أثره. نعم، إذا رجح، يعني كان العمل الحسن كثيراً وأعظم من تلك السيئة، فإن هذا العمل يمحو هذه السيئة. لكن إذا كان أدنى وأقل، فإنه لا يمحو هذه السيئة. هذا هو التفصيل. قال: كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. يعني كل ما له ماذا؟ يجده ويحصله. ومن أعظم الأعمال الصالحة غير التوبة التي تمحو السيئات: التوحيد، كما في حديث صاحب البطاقة. لما مد له تسعة وتسعون سجلاً، تسعة وتسعون سجل، كل سجل مد البصر فيه أعماله السيئة، حتى ظن أنه هالك. فقال: فيقال له: هل لك من حسنة؟ قال: يا رب، أي حسنة أمام هذه السجلات؟ فيقول الله عز وجل: بلى، إنك لا تظلم، إن لك حسنة. فيؤتى بـ «لا إله إلا الله» فتوضع في كفة، وتوضع هذه السجلات في كفة، فترجح «لا إله إلا الله». انظر، هذا يدل على كذلك أن التوحيد أعظم حسنة، أعظم حسنة. قال: قول صلى الله عليه وسلم: «وخالق الناس بخلق حسن». أي عاملهم بالأخلاق الحسنة بالقول والفعل، فإن ذلك خير. وهذا الأمر إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الاستحباب. يعني معاملة الناس بالأخلاق الحسنة الذي على سبيل الوجوب: لا تكذب عليهم، لأن الكذب حرام. صحيح. كذلك لا تغشهم، لأن الغش حرام، أو الغش حرام. لا تطفف في الكيل والميزان، لا تسب، لا تلعن، لا تغتاب. هذا كل معاملة مع الناس. فمن المعاملة الحسنة مع الناس أن لا تتعامل معهم بهذه المعاصي. هذا الآن: الأخلاق هل هي على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب؟ هذا على سبيل الوجوب، على سبيل الوجوب. وهناك معاملة حسنة على سبيل الاستحباب، مثل مثلاً الابتسامة. الواجب تبتسم في وجه الناس؟ لا، ما هو واجب، لكن مستحب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة». تريد أجر صدقة؟ تبسم في أوجه الناس. مصافحة الناس كذلك، السلام على الناس. الصحيح أن السلام ليس بواجب، إنما هو مستحب. إنما ذكر بعض أهل العلم أن الرد هو الواجب. صح. فهكذا المعاملة الحسنة مع الناس: منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. قال: فيستفاد منه مشروعية مخالقة الناس، مشروعية مخالقة الناس بالخلق الحسن. وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم كيفية المخالفة، كيفية المخالقة، يعني كيفية مخالقة الناس بخلق حسن. قال: وتختلف بحسب أحوال الناس. فقد تكون حسنة لشخص ولا تكون حسنة لغيره. كيف هذا؟ انظر إلى فقه العلماء. يقول الشيخ هنا: هذه المخالقة مع الناس، مخالقة حسنة، تختلف بحسب أحوال الناس. فقد تكون حسنة لشخص ولا تكون حسنة لغيره. فمثلا أهل المعاصي لا يعاملون معاملة أهل الطاعة. فلو أن إنساناً أسرف على نفسه بالمعاصي ونصح فلم يستجب، فرأى بعض الصالحين أن الذي يردع هذا العاصي أن لا يسلم عليه، أو أن يهجر فترة، ما رأوا في ذلك مصلحة. طيب، هل نقول هذه معاملة قاسية؟ هذا ليست من الأخلاق الحسن مع الناس؟ هل نقول هذا لا؟ ما نقول هذا، هذا يستحق هذا، هذا لصالح. عرفتم هذا الآن؟ فهنا يقول الشيخ: وهي تختلف بحسب أحوال الناس، فقد تكون حسنة لشخص ولا تكون حسنة لغيره. فعدم السلام لهذا العاصي حسن له، هذا من المخالقة الحسن معه حتى يرتدع وحتى ينزجر عما هو فيه. وفي غيره من أهل الطاعة ومن أهل الصلاح، تكون هذه المعاملة في حقه من الأخلاق السيئة. يسن على سنة، على متابعة لأهل العلم، على طلب العلم، يهجر أو يبدع أو يحزب، أو إلى غير ذلك. هذا لا شك أنها من المعاملة السيئة، وليس من المعاملة الحسنة. عرفتم هذا الآن؟ فيختلف. ولذلك قال: والإنسان العاقل يعرف ويزن. والإنسان العاقل الذي يعمل بعلم ويترك بعلم، يقدم بعلم ويحجم بعلم، فهذا يزن الأمور ويعرف المصالح من المفاسد. فإذن هذه فوائد جليلة ذكرها لنا الشيخ رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث. وبه نكتفي. وإلهنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر