الدرس في شرح كتاب الصلاة 22، ألقاها
صلاة الجماعة شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام ولها فضل كبير وأجر عظيم. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها وبين فضلها.
استدل العلماء على وجوب صلاة الجماعة من القرآن والسنة النبوية، وبينوا أهمية حضور الجماعة ووجوبها على المسلمين مع استثناء بعض الحالات.
صلاة المرأة في بيتها أفضل، ويجوز لها حضور الجماعة بشرط التستر وأمن الفتنة وإذن الزوج. يسن للرجل أن يصلي مع جماعة أخرى نافلة بعد أداء الفريضة.
يبين المقطع حالات يصلي فيها الإنسان نافلة بعد الفرض، مثل الانضمام لجماعة أخرى في نفس المسجد أو مسجد آخر، وتعتبر هذه الصلاة الثانية نافلة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، الباب السابع في صلاة الجماعة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: فضل صلاة الجماعة وحكمها. قال أولاً: فضلها، صلاة الجماعة في المساجد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، واتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أعظم الطاعات. فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة، منها الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وهكذا أيضاً صلاة الاستسقاء عند الحاجة إلى المطر. قالوا: أعظم الاجتماعات وأهمها الاجتماع بعرفة، الذي يشير إلى وحدة الأمة الإسلامية في عقائدها وعباداتها وشعائر دينها، إذ يجتمع المسلمون من جميع أقطار الأرض في موضع واحد، وعلى هيئة واحدة، وفي مكان واحد يناجون ربهم في ذلك الموقف العظيم. قال: وشرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام لأجل مصالح المسلمين، ففيها التواصل بينهم، وتفقد بعضهم أحوال بعض، وغير ذلك من المصالح التي تحصل من اجتماع المسلمين في هذه العبادات. منها، كما ذكر، تفقد بعضهم لأحوال بعض، عندما يلقى المسلم أخاه في الصلاة، مثلاً في صلاة الجماعة، يعرف، يعني يسلم عليه، ويكلمه إذا غاب، عرف أن هناك سبباً في غيابه، ربما حصل له شيء أو مرض أو نحو ذلك، فيتفقده. وهكذا أيضاً حصول التواد بينهم، المودة والمحبة بين المسلمين، حين يجتمع بعضهم مع بعض، ويصلي بعضهم إلى جانب بعض. وهكذا أيضاً التعارف، فتجد مثلاً في المساجد التي تكون في القرى، يعرف أهل المسجد من يصلي في هذا المسجد، فيتعارف بعضهم على بعض، فيحصل بسبب اجتماعهم التعارف، وهذا مقصد عظيم حث عليه الإسلام. وبين الله سبحانه وتعالى أنه جعل الناس شعوباً وقبائل لأجل يتعارفوا، ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾. كذلك أيضاً تظهر هذه الشعيرة العظيمة، وهي صلاة الجماعة، حين يجتمع المسلمون لها، وهكذا صلاة العيدين، حين يجتمع المسلمون لها أيضاً، يظهر عز الإسلام والمسلمين في دخولهم وخروجهم. وهكذا أيضاً تعلم الجاهل من العالم، هذا من مصالح الاجتماع لصلاة الجماعة، يتعلم الجاهل من العالم الذي لا يعرف، فيسأل من يعرف، أو يسمع من يعلم ومن يفقه الناس، فيتفقه في دينه، وهذا أيضاً من المصالح العظيمة. وهكذا أيضاً فيه تعويض للأمة على الاجتماع، ونبذ الفرق والاختلاف، لأن الشريعة حثت على الاجتماع، ونبذت التفرق، ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. لهذا أمر الله جل وعلا بالاجتماع في صلاة الجماعة، وفي صلاة الجمعة، وفي العيدين، وفي عرفة، هذا في حث وترغيب على الاجتماع، وأن يحرص المسلمون على الاجتماع وعدم الافتراق. وهكذا أيضاً من المصالح ضبط النفس، وتعويضها على الانتظام، كونه يأتي إلى الصلاة في وقت محدد، ويصلي الصلاة في وقتها، ولا ينصرف، ويتابع الإمام في صلاته، ولا ينصرف إلا بعد انصراف الإمام، هذا فيه تعويض للنفس، وضبط للنفس على الانتظام في أمورها، وعدم العشوائية. قال: وغير ذلك مما يهم الأمة الإسلامية على اختلاف شعوبها وقبائلها، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وبين فضلها وعظيم أجرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ -يعني الفرد- بسبع وعشرين درجة»، والحديث في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلى الصلاة إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلى»، الحديث وهو في البخاري: «ما دام في مصلى الذي صلى فيه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه». في هذين الحديثين، وبين النبي صلى عليه وسلم فضيلة صلاة الجماعة، وأنها تفضل على صلاة الفذ -يعني المنفرد- بسبع وعشرين درجة، وفي الرواية الأخرى: بخمس وعشرين ضعفاً. معنى أن صلاة الرجل في الجماعة مضاعفة في الأجر والثواب على صلاة المنفرد، المنفرد إذا صلى له درجة واحدة، وفي الجماعة سبع وعشرون، له سبع وعشرون، أو خمس وعشرون درجة. وهذا الاختلاف جمع أهل العلم بين الروايتين بأقوال متعددة، بأقوال عديدة. منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أولاً بخمس وعشرين، ثم أوحي إليه أنها سبع وعشرين. وقيل: أن اختلاف العدد هنا لاختلاف أحوال المصلين، يعني من الخشوع وحضور القلب، فتحصل لبعضهم الزيادة على بعض. وقيل: أيضاً اختلاف الزيادة، على أن القليل لا ينافي الكثير، على أن القليل لا ينافي الكثير، في الخمس وعشرين داخله في السبع وعشرين، وذكروا أقوالاً غيرها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً»، وذلك -يعني سبب التضعيف- ما يحصل للمصلي في صلاته في الجماعة من أعمال لا تحصل له إذا صلى منفرداً. قال: «إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، خروجه إلى المسجد وذهابه إلى المسجد ومشي إليها، وإجابته لنداء المؤذن، وهكذا أيضاً ما يحصل له من الأجر في مشيه إلى المسجد، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة، كل خطوة لك درجة، وتحط عنك خطيئة»، هذا ما تجده أنت تصلي في بيتك، ما تجد هذا الأجر. وهكذا أيضاً صلاة الملائكة عليك، تدعو لك وتستغفر لك، «فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه»، هذا ما تجده أنت في بيتك، فتحرم هذه الأجور العظيمة، لأجل هذا كانت صلاة الرجل في الجماعة مضاعفة على صلاته في بيته وفي سوقه -يعني في محل تجارته أو نحو ذلك- إذا صلى إذا صلى في محله ولم يصلي في المسجد مع الجماعة، فإنه لا ينال هذا الأجر. قال ثانياً: حكمها، صلاة الجماعة واجبة في الصلوات الخمس، وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾، والأمر للوجوب، وإذا كان ذلك مع الخوف، فمع الأمن أولى، هذا الأمر من الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصلي بمن معه في حال القتال، أن يصلي بهم جماعة. ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ إلى آخر الآية، هم في حال خوف، ومع ذلك أمره أن يصلي بهم جماعة، فكيف في حال الأمن؟ فمن باب أولى أن يكون الأمر موجهاً إلى من كان آمناً أن يصلي هذه الفرائض في جماعة. قالوا: من السنة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً: «نسلم العلماء من القرآن بقول الله جل وعلا: ﴿واركعوا معقول أن الراكعون يركعون في المسجد، أنهم يركعون في المسجد، فتكون فيها دليل على وجوب صلاة الجماعة». قالوا: من السنة حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما -يعني من الأجر والثواب- لأتوهما ولو حبواً -يعني على الركب- لأتوهما وهم يحبون على الركب، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»، الحديث في الصحيحين. قال: فدل الحديث على وجوب صلاة الجماعة، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أولاً وصف المتخلفين عنها بالنفاق، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقاً، فدل على أنهم تخلفوا عن واجب معلوم، أن التارك للسنة ما يعد منافقاً، وإنما يوصف الرجل بالنفاق في تركه للواجب. فالنبي عليه الصلاة والسلام وصف من تخلف عن صلاة الجماعة بأنه منافق، دل هذا على أنه ترك واجباً أوجباً عليه أن يتصف بهذا الوصف. قال ثانياً: أنه هم بعقوبتهم عن التخلف عنها، والعقوبة إنما تكون على ترك واجب، ما تكون العقوبة على ترك مستحب، وإنما تكون على ترك واجب، فدل هذا على أن صلاة الجماعة واجبة. قال: وإنما منعه من تجفيذ العقوبة أنه لا يعاقب بالنار إلا الله عز وجل، ودخل النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه لا يعذب بالنار إلا رب النار»، فلأجل هذا امتنع من فعل هذه العقوبة. وقيل: أمنعه من ذلك من في البيوت من النساء والذرية، الذين لا تجب عليهم صلاة الجماعة، لأن صلاة الجماعة كما سيأتي لا تجب على النساء والصبيان، إنما تجب على البالغ العاقل المستطيع. فهذا كون وجود النساء والذرية في البيوت منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرق عليهم بيوتهم. ورد هذا عند الإمام أحمد، عند الإمام أحمد في مسنده: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لا ما في البيوت من النساء والذرية إلى آخره»، لكن فيه ضعف في سنده، أبو معشر وهو ضعيف، فيكون التعليل الأول هو الأصح: «أنه لا يعذب بالنار إلا رب النار». قال: ومنها -أي من الأدلة على وجوب صلاة الجماعة- أن رجلاً كفيف البصر، ليس له قائد، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته، فقال: «أتسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «أجب، لا أجد لك رخصة»، والحديث في مسلم. هذا أعمى لا يبصر، وليس له قائد، وليس له قائد يقوده -يعني قائد خاص يقوده إلى المسجد- استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتسمع النداء؟ تسمع المنادي الذي ينادي للصلاة؟» قال: نعم، قال: «أجب، لا أجد لك رخصة»، هذا إذا كان أعمى ليس له رخصة أن يصلي في بيته، فكيف بمن كان مبصراً ومتعافياً وصحيحاً وسليماً؟ فمن باب أولى أن يكون ليس له رخصة في التخلف. وأما في حديث عتبان بن مالك، لما رخص له النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي في بيته، فقد ذكر علماء: أن عتبان بن مالك كان يشق عليه الحضور، كان بينه وبين المسجد مسافة، وكذلك أيضاً ليس له قائد، وكذلك أيضاً هناك مشقة في طريقه، فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي في بيته، لوجود المشقة الشديدة. قال: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر»، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس، وصححه الألباني رحمه الله. «من سمع النداء -يعني نداء المنادي للصلاة- فلم يجب -يعني يخرج ويذهب ويصلي في المسجد- فلا صلاة له إلا من عذر»، يعني أن يكون معذوراً، مريضاً أو غير ذلك من الأعذار التي سيأتي ذكر بعض منها. أما إن لم يكن له عذر فلا صلاة له، والنفي هنا على الصحيح: أنه نفي للكمال، «فلا صلاة له» أي كاملة، وإلا لو صلى الصلاة بشروطها وأركانها واجباتها، فهي صحيحة من حيث الصحة، صحيحة، لكنها ناقصة، ناقصة الأجر والثواب. ويدل على صحة صلاته قول النبي صلى الله عليه وسلم في مرة أخرى: «صلاة الرجل في الجماعة تضاعف على صلاة الفذ بسبع وعشرين ضعفاً»، فقول: «تضاعف على صلاة الفذ»، معنى أن صلاة الفذ صحيحة. وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم: أن صلاة المنفرد لغير عذر صحيحة، خلافاً لمن ذهب من أهل العلم إلى بطلان صلاته، وأن حضور الجماعة شرط في صحة الصلاة، هذا على ظاهر -يعني هذا الحديث- «أنه لا صلاة له»، أن صلاته غير صحيحة، لكن الصحيحة أنها صحيحة، ولكن المقصود: «لا صلاة له» يعني كاملة، فصلاته ناقصة. قال: ولقول ابن مسعود رضي الله عنه: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق»، والحديث في مسلم: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها -عن صلاة الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق»، هذا أيضاً يدل على وجوب صلاة الجماعة، وأن التخلف عنها من صفات المنافقين، التخلف عن صلاة الجماعة من غير عذر من صفات المنافقين. ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يعرفون من كان عنده شيء من النفاق بالتخلف عن صلاة الجماعة، أو خاصة صلاة الفجر، جاء في أثر عن عمر قال: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الفجر اتهمناه بالنفاق». قال: وهي واجبة على الرجال دون النساء والصبيان غير البالغين، لقوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء: «وبيوتهن خير لهن»، «وبيوتهن خير لهن» -يعني صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد- هذا الحديث رواه الإمام أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن» -يعني صلاتها في بيتها خير لها من أن تخرج وتصلي في المسجد-. وفي حديث ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها»، رواه أبو داود. «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها»، المخدع: البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير، والمعنى: كل ما كان المكان أستر، كل ما كان أفضل، كل ما كان المكان أستر لها، كل ما كان أفضل لها. قال: ولا مانع من حضور النساء الجماعة في المسجد، مع التستر والصيانة، وأمن الفتنة، بإذن الزوج، بهذه القيود يجوز للمرأة أن تصلي في المسجد. بشرط أن تكون متسترة -يعني متحجبة متسترة- كذلك أيضاً غير متزينة، ولا متعطرة، ولا متبخرة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات»، الحديث في الصحيحين، «تفلات» بمعنى: غير متطيبات، ولا متزينات، غير متطيبات، ما تخرج وهي متبخرة متعطرة. نعم، بإذن الزوج أيضاً، أمن الفتنة، كذلك بقيد أمن الفتنة، إذا لم يكن هناك فتنة في خروجها، أما إذا كان هناك فتنة من تعرض الرجال لها، أو خشية أن يصيبها سوء أو شيء من ذلك، فلا يجوز، فلا يجوز لها أن تخرج. كذلك أيضاً الأمر الثالث: إذن الزوج، تخرج بإذن الزوج، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى الأزواج أن يمنعوا زوجاتهم من الخروج للمساجد: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، نعم، «لا تمنعوا نساءكم المساجد»، فإذا أذن لها الزوج خرجت، وإن لم يأذن لها لا يجوز لها أن تخرج، لا يجوز لها أن تخرج. ولكن ربما تغيرت الأحوال والأزمان، والتفلت أو التفريط، وقوع النساء في كثير من التفريط، وعدم الاهتمام بالحجاب والتستر ونحو ذلك، قد يرى الزوج أن يمنع زوجته من الخروج إلى المسجد، بسبب عدم أمن الفتنة، بسبب عدم أمن الفتنة، فإن رأى ذلك فله أن يمنعها، له أن يمنعها. ولهذا عائشة رضي الله عنها كانت تقول: «لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل النساء لما نعهن المساجد»، هذا في زمنها رضي الله عنها، تقول ذلك، فكيف بهذا الزمن؟ كيف بهذا الزمن الذي حصل فيه ما حصل من تساهل، وكذلك وقوع النساء في كثير من الفتن؟ لكن مع ذلك إذا كانت الفتنة مأمونة، وكذلك أيضاً متسترة أو نحو ذلك، فإنه لا يمنعها إذا أرادت أن تخرج إلى المسجد. وصح عن الزبير رضي الله عنه: أن زوجته كانت تحب أن تخرج إلى المسجد وتصلي في المسجد، وكان لا يمنعها، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لعدم منع الأزواج النساء أن يخرجن إلى المساجد، فاحتال على زوجته حين أراد أن يمنعها، وأن لا تخرج، فجلس لها في الطريق، فلما خرجت ومرت، كسعها من خلفها -ضربها من خلفها- ولم تدري من هو، ثم رجع إلى البيت، فلما رجعت قالت: «لقد تغير الناس»، «لقد تغير الناس»، وتركت الخروج إلى المسجد، وحصل له مقصوده من عدم خروجها، لكن بهذه الحيلة. قال: وتجب الجماعة في المسجد على من تلزمه، على الصحيح، تجب الجماعة في المسجد على من تلزمه -يعني من يلزمه صلاة الجماعة- وهو البالغ العاقل القادر المقيم. قال: ومن ترك الجماعة وصلى وحده بلا عذر، صحت صلاته، لكنه آثم لترك الواجب، من ترك الجماعة وصلى وحده بلا عذر، صحت صلاته، لكنه آثم -يعني صلاته صحيحة مع الإثم- مع الإثم لكونه ترك الجماعة، وإلا بصلاته صحيحة، كما ذكرنا، هذا قول جمهور أهل العلم. المسألة الثانية: إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى، هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها؟ أولاً: رجل قد صلى الفريضة، ثم جاء إلى المسجد، فوجد الناس يصلون، هل يجب عليه أن يصلي مع هؤلاء مع هذه الجماعة أو لا يجب عليه؟ قال: لا تجب عليه إعادتها مع الجماعة، وإنما يسن له ذلك، هو قد صلى الفريضة، إذا سقط عنه الفرض، سقط عنه الفرض، والصلاة التي يصليها الإنسان بنية الفرض هي الأولى، هي الفريضة. قال: ولكن قال: وإنما يسن له ذلك -يعني يسن له أن يصلي مع الجماعة- والأولى فرض، والثانية نافلة، تكون الصلاة الأولى التي صلاها هي الفريضة، والثانية تكون نافلة. قال: لحديث أبي ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلي، فإنها لك نافلة»، والحديث في مسلم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟» المراد بهذا التأخير -يعني عن وقتها الأفضل- عن وقتها الأفضل، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: فما تأمرني؟ ماذا أفعل؟ قال: «صل الصلاة لوقتها -يعني في وقتها الأفضل- فإن أدركتها معهم فصلي، فإنها لك نافلة» -يعني صلي وحدك في الوقت المستحب، ثم إن جئت وأدركتهم صلي معهم، وتكون لك نافلة- وتكون لك نافلة. قال: ولقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين الذين اعتزلا صلاة الجماعة في المسجد: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة»، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن الأسود، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلين اعتزلا في صلاة الجماعة، فسألهما، فقالا: «صلينا في رحالنا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة -مسجد صلى فيه الجماعة- فصليا معهم، فإنها لكما نافلة»، تكون لكما نافلة. هذا طبعاً قد يحصل للإنسان لعذر، يصلي في رحله مثلاً، أمطرت، فقال المؤذن: «صلوا في رحالكم»، هذه رخصة، فصلى في رحله، ثم جاء لحاجة أو لمقصد، ووجد الناس يصلون معهم، وتكون له نافلة. أو كان مسافراً مثلاً، صلى في الطريق، ثم جاء إلى المسجد، ووجد الناس يصلون معهم، أو صلى في مسجد آخر، ثم جاء إلى المسجد الثاني، وهذا المسجد تأخر في الصلاة، فوجد الناس يصلون معهم، وتكون له نافلة. صلاة الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.