شرح كتاب الصلاة 53

الدرس في شرح كتاب الصلاة 53، ألقاها

مقدمة في التعزية وأحكامها

التعزية شرعت لتسليت المصاب وتقويته على تحمل مصيبته، وتكون بالأدعية والأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. التعزية تشرع بما يخفف عن أهل الميت من مصابهم ويحملهم على الرضا والصبر.

آداب التعزية ومحظوراتها

التعزية تكون مرة واحدة ويمكن تكرارها إذا كان القصد منها التذكير بالصبر والرضا بقضاء الله، ويحذر من بدع التعزية مثل الاجتماع في مكان خاص وتقديم الطعام من قبل أهل الميت. يجب مراعاة آداب التعزية لتجنب المحظورات.

أحكام البكاء والحزن على الميت

البكاء دون تكلف أو تسخط جائز، بينما النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب من الأمور المحرمة التي تعبر عن التسخط وعدم الرضا بقضاء الله. يفرق بين البكاء الطبيعي والنياحة المحرمة.

ختام الدرس والتوصية

تم اختتام الدرس بنشر السلام على النبي محمد وآله وصحبه، والإكتفاء بالقدر الذي تم شرحه حتى الآن. الدرس انتهى عند هذا الحد مع التوصية بالإلتزام بما تم شرحه.

  • 11 جمادى الآخرة 1438هـ - 09/03/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- : المسألة التاسعة: التعزية، حكمها وكيفيتها. قال: والتعزية هي تسلية المصاب وتقويته على تحمل مصيبته، فتذكر له الأدعية والأذكار الواردة في فضيلة الصبر والاحتساب. تسلية المصاب وتقويته على تحمل مصيبته؛ لأن الإنسان إذا فقد قريبًا أو حبيبًا يتألم ويتوجع ويحزن، فشرعت التعزية حتى تخفف عنه ما يصيبه من ألم الفراق. تذكر له بعض الأدعية الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام مما فيها تسلية له، وتعينه على الصبر على المصيبة التي أصابته. ولهذا، كما قال بعض أهل العلم: يعزى من حزن بفراق الميت، أما من لم يحزن فلا حاجة إلى تعزيته. إنما يعزى من أصابه ألم الفراق والحزن على فراق هذا الميت. فلو مثلًا لشخص قريب، وهذا القريب رجل مؤذٍ، يعني صاحب فسق ومجون وأذية للناس، يتمنى الناس موته حتى يرتاحوا من شره، وهو كذلك معهم، فإذا مات مثل هذا ما يعزى؛ لأنه ليس هناك حزن على فراقه، بل الناس فرحون بموته. فهنا في الحقيقة أن التعزية ليس لها محل؛ لأنه ليس هناك من يعني هو حزين على فراقه، بخلاف من حزن الناس على فراقه وعلى موته، فهذا الذي يسلى بالتعزية. قالوا: تشرع تعزية أهل الميت بما يخفف عنهم من مصابهم، ويحملهم على الرضا والصبر، بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم إن كان يعلمه ويستحضره، وإلا فبما تيسر لهم من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخالف الشرع. تشرع تعزية أهل الميت بما يخفف عنهم من مصابهم -يعني بفقد هذا الميت- ويحملهم على الرضا والصبر. أما الصبر فواجب، وأما الرضا فمستحب. الصبر أو موقف الإنسان مع المصيبة على ثلاث مراتب: الصبر، والرضا، والشكر. الصبر واجب، وهو حبس النفس عن التسخط، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، وكل ما كان في هذا المعنى من عدم الصبر. فالصبر واجب، الصبر على المصيبة واجب. والله عز وجل مدح عباده المؤمنين المتقين الصابرين عند المصائب، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه من قال عند مصيبته: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» ، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها. أم سلمة رضي الله عنها سمعت هذا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام، فلما مات أبو سلمة قالت ذلك، قالت: «أخلف الله لي خيرًا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم» . والرضا هذا مستحب، أن ترضى بهذه المصيبة؛ لأن الإنسان قد يصبر مع عدم الرضا، يعني يكون في نفسه شيء من وقوع هذه المصيبة، ومن موت هذا الميت أو من ذهاب هذا المال الذي له، يقع في نفسه شيء، لكن يصبر يحبس نفسه عن التشكي والتسخط، لكن إذا رضي هذا زيادة في الصبر، يصبر ويرضى. والمرتبة الثالثة التي هي أرفع: الشكر، أن يشكر الله على هذه المصيبة؛ لأن المصائب ترفع الدرجات وتكفر السيئات، وهذه لا شك أنها أرفع المراتب. مراتب أهل الإيمان الذين قوي إيمانهم. قال: بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم إن كان يعلمه ويستحضره -يعني من الأدعية الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام في تعزية المصاب- وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخالف الشرع -يعني من الكلمات التعزية التي ليس فيها مخالفة للشرع- «أعظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وغفر لميتكم» ، مثلًا هذه الكلمات متداولة عند الناس. «أعظم الله أجركم» المراد: أعظم الله أجركم يعني بالصبر على هذه المصيبة؛ لأن الصبر على المصيبة من فعل الطاعات التي يؤجر عليها الإنسان. وهكذا أيضًا الدعاء للميت بالمغفرة، أو تقول مثلًا: «عليكم بالصبر» ، أو مثلًا: «كلنا لله جل وعلا، وكلنا راجعون إلى الله» ، ورح ذلك من الكلمات التي فيها هذا المعنى من تسلية المصاب وحثه على الصبر. وإن حوض شيء من أذية النبي عليه الصلاة والسلام فهي أفضل. قال: فعن أسامة بن زيد قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها -أو ابنا لها- في الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» . والحديث في الصحيحين. قالوا: هذا من أحسن الألفاظ الواردة في التعزية، هذا من أحسنها: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده لأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» . هذا الدعاء فيه تسلية عظيمة للمصاب. «إن لله ما أخذ» هذا الذي مات، إن كان المصيبة بموت قريب أو حبيب، من الذي خلقه؟ ومن الذي أوجده؟ ومن الذي أعطاك إياه؟ أليس الله سبحانه وتعالى؟ إذن الذي أعطاك إياه أخذه، الذي أعطاك هذا الولد مثلًا الذي مات هو الذي أخذه، هو ملك لله. فحينئذ يكون في ذلك تخفيف في قلبك عن هذه المصيبة. «إن لله ما أخذ وله ما أعطى» الله عز وجل الذي أعطاك المال وهو الذي أخذه، أو أعطاك الولد وأخذه منك، فهو الذي أعطى وهو الذي أخذ، الملك لله سبحانه وتعالى. «وكل شيء عنده بأجل مسمى» كل شيء عنده بأجل مسمى له أجل ينتهي ويزول، وهذا أيضًا مما يسلي المصاب أن يعلم أن الله عز وجل قضى بذلك أن ينتهي أجل هذا الشيء. قال: «فمرها فلتصبر ولتحتسب» ، تقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده لأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» ، اصبر على هذه المصيبة واحتسب الأجر، احتسب الأجر والثواب، فإنك إذا احتسبت أجرت وأثبت، لو كانت المصيبة ما كانت. وأدلة في ذلك كثيرة. ومنها مثلًا: حديث سعيد بن موسى في السنن أن الله عز وجل إذا قبض ولد العبد قال لملائكته: «قبضتم ثمرة فؤاده» ، فيقولون: نعم، فيقول: «ماذا قال عبدي؟» ، فيقولون: حمدك واسترجع -يعني قال: الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون- فيقول الله: «ابن لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» . انظر إلى هذا الثواب العظيم الذي يناله المسلم بسبب صبره واحتسابه، يحمد الله على ما أصابه ويسترجع، يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، كلنا لله وكلنا راجعون إلى الله» ، فيعوضه الله عز وجل وعلا بهذا الثواب العظيم. فلو ينبغي عند العزاء تجنب بعض الأمور التي انتشرت بين الناس وليس لها أصل في الشرع، منها أولًا: الاجتماع للتعزية في مكان خاص، بجلب الكراسي والإضاءة والقراء، هذا الفعل يعد من البدع والمحدثات. الاجتماع في مكان خاص للتعزية، ويؤتى بالكراسي والإضاءة، وبعض القراء الذين يقرؤون في العزاء، هذه الأمور ما فعلها النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. بل جاء في حديث جرير: «كنا نعد الاجتماع وصنع الطعام لأهل الميت من النياحة» . رواه أحمد وابن ماجة. والمشروع أن الإنسان يعزى أهل الميت، يعزون في المقبرة أو في البيت أو في السوق، من غير اجتماع وتخصيص لأيام لذلك. يعزى في أي مكان، في المسجد، في السوق، في أي مكان تجده تعزيه ويذهب إلى عمله، إن كان عنده عمل يذهب إلى عمله، ومتى وجد الإنسان عزاه. هكذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام وهدي أصحابه. أما أن يجلس مثلًا في البيت ثلاثة أيام، يترك عمله، ويترك لا يذهب إلى عمله، ومن أراد أن يعزيه يعزيه أينما وجده، إن كان في البيت عزاه في البيت، إن كان في المسجد عزاه في المسجد، في السوق في السوق. قال: ثانيًا: عمل الطعام خلال أيام العزاء من قبل أهل الميت لضيافة الواردين للعزاء، لحديث جرير البجلي رضي الله عنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» . والحديث كما سمعنا رواه أحمد وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت -يعني الاجتماع للتعزية والجلوس عندهم- وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة؛ لأجل طعام الناس ومن جاء للعزاء، هذا من النياحة» . والنياحة محرمة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» . ويقول عليه الصلاة والسلام: «ثلاث في أمة من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والنياحة على الميت» . فالنياحة محرمة، وجعل جرير رضي الله عنه أن صنع الطعام بعد دفنه للناس من النياحة، فهذا الفعل غير مشروع. وفي بعض القرى يتكلف أهل الميت يتكلفون، وربما يتحملون ديون إذا مات ميتهم من أجل إطعام الناس، من أجل إطعام الناس. وهذه عادة سيئة مخالفة للشرع، وفيها كلفة على أهل الميت بأمر لم يأمرهم به الشرع. وأخبر بعض إخواننا في سقطرة كان مِن عاداتهم إذا مات الميت يأتي الناس من كل مكان، وتذبح الذبائح -الأبقار والأغنام- كأنه عرس، حتى أن الناس يفرحون بيوم الميت، يفرحون بيوم موته، من مات اليوم حتى يأكلون اللحم، فيخسر أهل الميت خسارة عظيمة بأمر مخالف للشرع. وبدأ الآن من الفترة الأخيرة هذه تخف هذه العادة. ففعل هذا الفعل مخالف للشرع، لا يجوز. إلا أن يطعم الإنسان من جاء إليه مثلًا من أقاربه من مكان بعيد، ونزلوا عندهم في البيت، فهذا من باب إكرام الضيف، لا بأس. يعني إذا مات الميت مثلًا، ولأهل هذا الميت أناس في مكان بعيد جاءوا إليهم للتعزية وحضور الصلاة والدفن، فكونهم ينزلون عليهم وهم ضيوف، لا بأس أن يكرمهم أو يذبح لهم من باب إكرام الضيف، هذا جائز. أما أن يجمع الناس أو يذبح للناس جميعًا الذين يأتون للتعزية، فهذا مخالف للشرع. قال: ثالثًا: تكرار التعزية، فبعض الناس يذهب إلى أهل الميت أكثر من مرة ويعزيهم. والأصل أن تكون التعزية مرة واحدة، تعزيه إذا جئته إلى البيت وعزيته يكفي، ما يحتاج تعزيه مرة ثانية. تعزيه مرة واحدة. قال: لكن إذا كان القصد من تكرارها التذكير والأمر بالصبر والرضا بقضاء الله وقدره، فلا بأس. وأما إن كان تكرارها لغير هذا القصد، فلا ينبغي؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهذا متى يحتاج له الإنسان؟ إذا تأثر هذا الحي بموت هذا الميت، بعض الناس إذا مات الميت يعني يتأثر ويحزن حزنًا كبيرًا، فتجد عليه آثار الحزن والأسى على هذا الفراق، فتعزيه المرة الأولى والثانية حتى تخفف عنه ما أصابه من هذه المصيبة. فإن كان المقصود لأجل هذا، لا بأس أن تكرر التعزية. وأما إن كان ليس لتكرارها مقصد ولا مصلحة ولا حاجة، فيكفي أن يعزى مرة واحدة. قال: والسنة أن يعمل أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعامًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم أمر يشغلهم -أو أتاهم ما يشغلهم-» . والحديث رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني رحمه الله. السنة أن يعمل أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعامًا؛ يعني ليس أهل الميت هم الذين يفعلون طعامًا للناس، بل الناس هم الذين يفعلون لهم طعامًا. الجيران، جيران هذا البيت الذي مات ميتهم، وأقرباؤهم يصنعون لهم طعامًا؛ لأنهم قد يشغلون بموت هذا الميت فلا يرتفعون إلى الطعام. وهذا إذا شغلوا، إذا شغلوا. إذا شغلوا فينبغي للجيران والأقارب أن يصنعوا لهم طعامًا. وأما إذا لم يشغلوا والأمور يعني على ما يرام، فما يحتاج، لا يحتاج أن يصنعوا لهم طعام. لكن إذا شغلوا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم أمر يشغلهم» . أتاهم أمر يشغلهم، وهو نعي جعفر والإخبار بموته رضي الله عنه. فإذا كان الأمر كذلك يعني يشغل أهل البيت موت الميت، فإنه يصنع الجيران والأقارب لهم طعامًا. قال: وأما البكاء والحزن على الميت فلا بأس به، ويحصل في الغالب، وهو الذي تمليه الطبيعة دون تكلف. يعني إذا حصل البكاء والحزن من غير تكلف، ما يتكلف البكاء والحزن، إذا حصل من غير تكلف، يعني حزن القلب، والأصل في المسلم والمؤمن الرحمة، وهذه من علامات الرحمة: أنه يبكي ويحزن وتدمع العين على فراق الميت، هذه من الرحمة، تحصل من غير تكلف. إذا حصل هذا، هذا لا يلام عليه الإنسان، هذا لا يؤاخذ به، أن تدمع عينه وأن يحزن على فراق هذا الميت، فهذا لا يلام عليه. وكما يقال: «ليست الباكية الثكلى كالباكية المستأجرة» . الباكية الثكلى التي أصابتها المصيبة وأصابها الحزن، ليس بكاؤها كبكاء الباكية المستأجرة. كانوا في الجاهلية يستأجرون بعض النساء عند موت الميت، وتبكي وتبكي الحاضرين بكاء كما يقال: مستورد، ليس بكاء حقيقي، بكاء أجرة، بكاء أجرة ومال، ليس بكاء حقيقي. هذه كبكاء الثكلى التي أصابتها المصيبة وتألمت بفراق هذا الميت. وهذا الفعل لا يجوز، أن يتكلف المرء البكاء، يستجر حتى تبكي وتبكي الناس، هذا خلاف الشرع، وفعله هذا من نياحة المحرمة. أما البكاء الطبيعي الذي يصيب الإنسان، هذا لا يؤاخذ به. فقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم حين مات، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون» . والحديث في البخاري عن أنس رضي الله عنه. بكى النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ابنه إبراهيم تتقعقر نفسه وتضطرب عند الموت، هذه رحمة. ولما رأى عبد الرحمن بن عوف يبكي قال: «وأنت يا رسول الله؟ أنت كذلك تبكي؟» ، قال: «يا بن عوف، إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» . قال: لكن لا يكون ذلك على وجه التسخط والجزع والتشكي، لا يكون ذلك على وجه التسخط، التسخط يكون باللسان وبالقلب، والجزع كذلك أيضًا بالقلب، والتشكي بالجوارح، بالصياح ورفع الصوت، رفع الصوت بالبكاء يعتبر من التسخط، أو أيضًا يعتبر من النياحة. وهكذا ضرب الخدود وشق الجيوب، هذه من الأمور المحرمة. قال: ويحرم الندب والنياحة وضرب الخدود وشق الجيوب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوة الجاهلية» . والحديث في الصحيحين. كقوله: «يا ويلاه، يا ثبوراه» ، وما أشبه ذلك. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» . والحديث أخرجه مسلم. قال: يحرم الندب، الندب: تعداد محاسن الميت، تعداد محاسن الميت بحرف الندبة، وهو: «وا» ، مثل: «وسيداه، وثبوراه» ، مثلًا يعني من ينفق علينا، ومن يحسن إلينا إلى آخره، هذا من الندب لا يجوز. والنياحة: رفع الصوت في البكاء، يبكي برنة، والنشيج، تشبه نوح الحمام، تشبه نوح الحمام، فذلك سميت النياحة؛ لأن النياحة فيها عدم الصبر وعدم الرضا، فيه تسخط وتشكي، تسخط على قضاء الله وقدره. قال: وضرب الخدود وشق الجيوب، ضرب الخدود يعني عند موت الميت يضرب خدوده، ويشق ثيابه، تظاهر يظاهر ما أصابه من حزن وألم، وهذا لا شك أنه من التسخط وعدم الرضا وعدم الصبر، هذا من التسخط لا يجوز. وكل ما كان في هذا المعنى، ما كان في هذا المعنى يلحق به الشرع، لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق. لو أنه ما فعل هذا، لكن أخذ شيء بيده ورمى به، قالوا: «فلان مات» ، أخذ الجوال ورمى به في الجدار، هذا يدخل فيه التسخط، أنه في معنى شق الجيوب أو النحو. هذه الأفعال التي يفعلها الإنسان من ضرب أو تكسير أو شيء من ذلك، فهو في هذا الحكم يدخل في حكم لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية، كقول: «وإله، وثبوراه» ، وما أشبه ذلك من هذه الدعاوى التي يقولها أهل الجاهلية. وذكر يعني حكم النائحة: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. القطران: الرصاص المذاب، ودرع من جرب، والجرب معروف، مرض يصيب الجلد، عبارة عن بثور وحبوب تعلو الجلد وتكون مع حك شديد، فيكون لها درع من جرب، عقوبة لها على فعلها للنياحة. هو الواجب كما سمعنا هو الصبر، وبهذا نكون انتهينا من كتاب الجنائز. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على