الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 53، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الدرس حديث النبي صلى الله عليه وسلم الناهي من أكل الثوم أو البصل أو الكراث عن دخول المسجد حتى تزول الرائحة، مستدلاً بأحاديث ابن عمر وأنس وجابر، ومؤكداً أن ذلك لحفظ حرمة المساجد وتطيبها. كما يحرم دخول المسجد لبقاء الرائحة الكريهة التي تؤذي المصلين والملائكة، وروى عمر بن الخطاب أن النبي كان يأمر من يجد منه الريح بالخروج إلى البقيع، ويجوز أكلهما بعد طبخهما لزوال الرائحة.
يؤكد المقطع على حرص الإسلام على تآلف المسلمين عبر العناية بنظافة الأجسام والتطيب في مواضع الاجتماع كصلاة الجمعة، مبيناً أن النظافة سبب للمحبة بين الناس. وينهى عن إدخال الروائح الكريهة إلى المساجد سواء من أكل البصل والثوم أو من التدخين ومضغ القات، مشيراً إلى أن الأخيرة أشد خبثاً وإثماً، مع توجيه بتأخير تناول المأكولات ذات الرائحة القوية إلى أوقات لا تتعارض مع حضور الجماعة.
بيّن المقطع أن من أكل ما له رائحة كريهة لضرورة أبيح له الأكل، لكن عليه أن يصلي في رحله ولا يحضر المسجد لئلا يؤذي المصلين والملائكة. وختم الدرس بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: «باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو غيره مما له رائحة كريهة عن دخول المسجد قبل زوال رائحته إلا لضرورة». وهذا كما سبق من الأبواب التي فيها العناية بالمساجد والحرص على صيانتها، وهكذا تطيبها، وأنه يجب أن نجنب المساجد ما لا يليق بها سواء من الأقوال أو الأفعال أو غيرها. ومن ذلكم ما جاء في هذه الترجمة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو غيره مما له رائحة كريهة عن أن يدخل المسجد إلا بعد زوال هذه الرائحة. قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مسجدنا، فلا يقربن مسجدنا». قال: متفق عليه. قال: وفي رواية لمسلم: «مسجدنا فلا يقربن»، أي مسجدنا، وأنه عام في جميع المساجد التي يحصل فيها اجتماع الناس لأجل الصلاة وأداء العبادات. فمن أكل شيئاً من هذا الذي يكون على إثره تلكم الرائحة الكريهة، مع أنه يجوز أكله -الثوم يجوز أكله، والبصل والكراث مما يباح أكله- لكن لما يترتب عليه من وجود هذه الرائحة التي لا يجوز أن يأتي بها المسلم إلى المساجد، فمن أكل شيئاً من ذلك والرائحة لا تزال باقية فلا يقربن مساجدنا. وقال: عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن ولا يصلين معنا». قال: متفق عليه. وقال: عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا»، أي لا يقربن، «فليعتزلنا»، قال: «فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا». قال: متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «من أكل» -من أكل البصل والثوم والكراث، والكراث والكراث كذلكم أيضاً يأتي على إثر أكله تلكم الرائحة الكريهة- قال: «فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، مما يتأذى منه بنو آدم». والحديث يدل على أن من أكل شيئاً مما له رائحة فإنه لا يجوز له أن يأتي إلى المسجد، وسبب ذلك هو بقاء هذه الرائحة، وأن الناس يتأذون من هذه الرائحة الكريهة، وليس الناس فحسب، بل ملائكة الله عز وجل تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وسواء كان أكل ثوماً على الفوائد الموجودة في الثوم، أو بصلاً على المنافع التي يتحصل عليها الإنسان بسبب البصل، أو كان كراثاً، والكراث يعني من البقوليات التي تشبه البصل ولها رائحة كريهة كرائحة البصل، كرائحة البصل. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من أكل ثوماً أو بصلاً»، أو هنا هي يؤتى بها ويراد به التنويع، ويراد به التنويع. قال رحمه الله تعالى: وقال: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب يوم الجمعة، فقال في خطبته: «ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين». وقوله: «خبيثتين» ليس أنهما محرمتان كالخبائث من المسكرات والمخدرات التي فيها قول الله عز وجل: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، فليس معنى قوله: «وما أراهما إلا خبيثتين» أي محرمتين، وإنما أراد بقوله: «خبيثتين» أي من حيث الطعم، وهكذا الرائحة التي تكون مع أكلهما، ولا سيما إذا أكلهما غير مطبوخين. قال: «وما أراهما إلا خبيثتين»، وقوله: «وما أراهما» أي ما أعلمهما إلا خبيثتين: البصل والثوم. لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما، إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، والبقيع هو مقبرة أهل، هو مقبرة أهل المدينة، مقبرة أهل المدينة، يقال لها البقيع. قال: «فأخرج إلى البقيع». قال: «فمن أكلهما فليمتهما طبخاً». رواه مسلم. ومعنى «فليمتهما» أي فليزل رائحتهما الكريهة بطبخهما، وهما إذا طبخا زال ما فيهما من رائحة كريهة، زال ما فيهما من رائحة كريهة. وهذا يا إخوان يدل على أن الإسلام حرص كل الحرص على تآلف الناس، تآلف المسلمين، وإبعاد ما من شأنه أن يجعل بينهم نفرة أو فرقة أو يشتت جمعهم، وهكذا يفرق اجتماعهم، يفرق اجتماعهم. وتجدون في شريعتنا الحث على الاغتسال وعلى التنظف وعلى التطيب في مواضع الاجتماع كَالجمعة: «من أتى منكم الجمعة فليغتسل». لماذا يغتسل؟ لأنه موضع اجتماع الناس، يأتي الواحد من مزرعته وبه عرق ووسخ، يأتي الآخر من نومه، ويأتي الآخر من عمله، فيجتمع الناس، وهنا كل إناء بما فيه ينضح، فصاحب العرق ماذا سيشم منه؟ رائحة العرق، وصاحب الغسل والطيب سيشم منه رائحة الطيب. وربنا تبارك وتعالى جميل يحب الجمال، وربنا عز وجل طيب لا يقبل إلا طيباً. ولاحظوا كذلكم أيضاً أن العناية بنظافة الأجسام سبب للمحبة فيما بين الناس، فالناس تحب مجالسة من كان طيباً ونظيفاً، وتكره مجالسة من كان على غير ذلك، على غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: وكذلكم أيضاً أذهى الأحاديث التي مرت معنا فيها أن نهي عن أكل وتناول ما له رائحة كريهة، سواء كان من البصل أو الثوم أو الكراث أو غيرها، أو غيرها. فبعض الناس ابتلي بالدخان فيدخن ويرمي الدخان خارج المسجد، ويدخل، الله أكبر، أيهما أشد خبثاً وهكذا رائحة كريهة؟ الذي يأكل بصلاً ويدخل إلى المسجد، أو ثوماً، أو كراثاً، أم الذي لربما شرب دخاناً، أكل ومضغ قاتاً وأخرجه في كيس أو نحوه ودخل إلى المسجد؟ روائح يا إخوان لا تطاق، يبتلى بها الإنسان أحياناً إذا دخل إلى بعض المساجد، يهم أن يخرج من الصف ويبتعد عن هذه الرائحة الكريهة، عن هذه الرائحة الكريهة. فتناول هذه المحرمات من الدخان أو القات والإتيان برائحتهما إلى المسجد أعظم ضرراً وأشد إثماً ممن أكل الثومة أو البصل أو الكراث وأتى إلى المسجد. إذا كان الشخص يعلم من نفسه أن الوقت ضيق، يتغذى الساعة الثانية ويؤذن الساعة الثانية وخمس وأربعين، والصلاة الثالثة وخمسة عشر، يعرف أنه لو أكل ثوماً أو بصلاً ستبقى رائحة الثوم موجودة تمنعه من الإتيان إلى المسجد، فمثل هذا يؤخر تناول هذه الأشياء إلى غيرها من الأوقات كَبعد صلاة العشاء، أو بعد الفجر، أو في الصبوح، أو نحو ذلك، إلا إذا كان لعلاج وضرورة، فهذا ماذا؟ الضرورات تبيح له ذلك، يأكل، وإذا وجد الرائحة لا تزال موجودة صلى في رحله، صلى في رحله، ولا يجوز له أن يأتي ويؤذي الناس، بل ويتأذى منه الملائكة. فهذا مما يذكر في هذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر