كتاب الأمور المنهي عنها 52

كتاب الأمور المنهي عنها 52

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 52، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

كراهة الخصومة والبيع والشراء وإنشاد الضالة في المساجد

يبيّن المقطع كراهة الخصومة ورفع الصوت وإجراء المعاملات الدنيوية كالببيع والشراء وإنشاد الضالة داخل المساجد، مستنداً إلى أحاديث نبوية تنهى عن ذلك وتدعو على من يفعله بنقيض قصده. ويؤكد أن المساجد خُصصت للعبادة والعلم لا لتشويش المصلين ولا لتجارة الدنيا.

توضيح سلاسل الرواة وحديث السائب بن يزيد في آداب المساجد

يوضح المقطع صحة نسبة رواة الحديث عمر بن شعيب وبهز بن حكيم، ثم يستعرض حديث السائب بن يزيد الذي حصبه عمر بن الخطاب لرفعه صوته في المسجد، مستنبطاً منه النهي عن رفع الصوت، والرفق بالجاهل وتعليمه، وجواز لفت الانتباه برمي شيء خفيف لا يؤذي.

الخاتمة والدعاء بالخير

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء للحضور بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، والصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في كتاب الأمور المنهية عنها: "باب كراهة الخصومة في المسجد، ورفع الصوت فيه، ونشد الضالة، والبيع والشراء والإجارة، ونحوها من المعاملات". وهذه الأمور لا تجوز في المسجد، وسبب ذلك هو احترام المساجد، وتشريف المساجد، وهكذا تنزيه المساجد عما لا يليق بها. وقد سبق في الباب الذي قبله النهي عن البصاق في المسجد، والأمر بإزالته منه إذا وجد فيه، والأمر بتنزيه المسجد عن الأقدار. وأتبع رحمه الله تعالى هذا الباب بهذا الباب الجديد، الذي فيه صيانة المساجد عما لا يليق بها كرفع الأصوات لغير مصلحة وفائدة. أما رفع الصوت في خطبة الجمعة، أو في الوعظ والتذكير، أو العلم والتعليم، فهذا لا بأس به. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب الناس ارتفع صوته، وحمر وجهه، كأنه منذر جيش، يقول: "صبحكم ومساكم"، يقول: "صبحكم ومساكم". ومن هذه الأمور التي لا تجوز في المسجد -قلنا- رفع الصوت، وهكذا إنشاد الضوال. والشيء الضال: الضائع، فيأتي صاحبه ويبحث عنه في المسجد، يقول: يا جماعة، من منكم رأى دراجتي، سيارتي، شاتي، بعيري، كتابي، قلمي، إلى غير ذلك. وهكذا البيع والشراء في المساجد، كل ذلك لا يجوز. وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن إذا رأينا من يبتاع في المسجد أن نقول له: "لا أربح الله تجارتك، لا أربح الله تجارتك"، ونحوها من المعاملات التي لا تليق، أو لا يليق أن يقوم بها الشخص في المساجد. قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد» -ومعنى "ينشد ضالة": أن يطلب ويبحث عن ضالة، والضالة الأصل أنه يطلق على الضائع من الحيوان وغيره- «فليقل: لا ردها الله عليه، فإن المساجد لم تبنَ لهذا، وإنما بنيت لما سبق من الصلاة والذكر والتعليم وغيره». رواه مسلم، رواه مسلم. وهذا فيه عدم جواز التشويش على المصلين بمثل هذه الأمور، فكيف بما يفعله البعض من المسألة المذمومة؟ الناس يصلون، وهذا يقوم هنا، وذاك يقوم هناك، وهذا يشرح ظرفه، وهذا يحكي قصته، وإلى غير ذلك. فكم تحصل الأذية والتشويش على المصلين بسبب ذلك! وكذلك فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن هذا القبيل الدعاء لمن نشد ضالة بعكس مقصوده: هو يبحث عنها ويطلب الحصول عليها، فيدعى عليه بنقيض ذلك، يقال له: "لا ردها الله عليك". لماذا؟ لأنه لم يعرف قدر المساجد، ولم يعطها حرمتها واحترامها، وكل ذلك من باب الزجر له، والتبكيت عليه. قال: وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع» -من يبيع: واضح، عنده سلعة يعرضها للبيع، أو يبتاع: أي يشتري- «في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك». وقال: «وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا: لا ردها الله عليك». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وقال: حديث حسن. وهذا فيه إضافة إلى ما سبق من تنزيه المساجد عن إنشاد وطلب الأشياء الضائعة فيه، أمر آخر وهو النهي عن البيع والشراء في المساجد. ولماذا يبيع الشخص ويشتري؟ طلبًا للربح والمكسب، فيدعى له بنقيض قصده، فيقال له: "لا أربح الله تجارتك"، كما يقال لمن يبحث ويطلب شيئًا ضائعًا: "لا ردها الله عليك، لا ردها الله عليك". وماذا؟ المساجد ليست أسواقًا للدنيا، وإنما هي أسواق للآخرة، لمن يرجون تجارة لن تبور، هي تجارة الحسنات وتجارة الأعمال الصالحات، وليست تجارة الدينار والدرهم وغيره. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن بريدة رضي الله عنه أن رجلًا نشد في المسجد. أن رجلًا نشد في المسجد. ما معنى "نشَد في المسجد"؟ "نشَد، نشَد، نشَد في المسجد": تكلم، بيش، نشد في المسجد، أي من باب إنشاد الضالة، وهو ماذا؟ طلب وجودها والبحث عنها. وهذا "نشَد في المسجد": أي طلب وبحث في المسجد عن ماذا؟ قال: فقال: «من دعا إلى الجمال الأحمر؟ من دعا إلى الجمال الأحمر؟» أي: من تعرف عليه، من منكم يعرف الجمال الأحمر؟ قال: «من دعا إلى الجمال الأحمر»، أي يعرفه وتعرف عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وجدته، إنما بنيت المساجد لما بنيت له، لما بنيت له». وبنيت لماذا؟ للصلاة، تلاوة القرآن، لذكر الله عز وجل، للعلم والتعليم، وغيرها، كما تقدم معنا في الباب الماضي في حديث أنس في قصة الأعرابي الذي بال في طائفة وناحية من المسجد. قال رحمه الله تعالى: قال: عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه. من جده يا إخوان؟ يا أبا الفاروق، من جده؟ عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده. يا أبا عبد الله، أحسنت: عبد الله بن عمر بن العاص. فهو عمر بن محمد، فهو عمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمر بن العاص. وعمر بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده، الصحيح أنه عبد الله بن عمر، وليس محمد؛ لأن محمدًا تابعي، وروايته مرسلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالمقصود به عبد الله بن عمر بن العاص. طيب: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده. بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أيضًا، سلسلة تتكرر في أسانيد الأحاديث. فمن هو جده؟ نعم يا أبا عبد الرحمن، أحسنت: معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه. ولعله يتكرر السؤال عن هاتين السلسلتين قريبًا، واضح يا أبا طهر؟ عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، جده من؟ أحسنت، أحسنت: عبد الله بن عمر بن العاص. وماذا: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده؟ يا عبد الرحمن، بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، من جده؟ ذكره أخونا الأستاذ صالح. طيب يا أبا عمر، من جده؟ معاوية بن... نعم، بن حيدة. معاوية بن بن حيدة، معاوية بن حيدة، هو جده. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال: كنت في المسجد، فحصبني رجل. إيش معنى "حصبني"؟ يعني: رماني بالحصباء، والمقصود بالحصباء: الحصى الصغير، حصى صغير. "حصبني": أي رماني بالحصباء. قال: فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقال: أي، هو الذي حصبه، أراده، أو أراد أن ينتبه. قال: فقال: «اذهب فأتني بهذين»، أي: رجلين. قال: فجئته بهما، فقال: «من أين أنتما؟» قالا: من أهل الطائف، من أهلي الطائف. فقال: «لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري. وهذا فيه النهي عن رفع الصوت لغير حاجة في المساجد، ولا سيما مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا فيه الرفق بالجاهل، وتعليمه آداب المساجد. طالب علم قد يشدد عليه في الإنكار؛ لأنه يعرف آداب وأحكام المساجد. لكن يأتي بدوي، يأتي شخص عامي، فيرفع صوته في المسجد أثناء الدرس، فنتلطف ونرفق به، وماذا؟ وبتعليمه، وبتعليمه. وفي الحديث جواز لفت انتباه الشخص بأن يقذف بشيء، مثلًا: ترمي بقلم من أجل أن ينتبه لك، أو بعمامة، يعني: بشيء لا يتأذى به، وليس ذلك من الخذف المنهي عنه، ليس ذلك من الخذف المنهي عنه. ولا يزال الحديث حول المساجد واحترامها، وكذلك أيضًا آدابها، يأتي معنا الحديث عن شيء من ذلك في الأبواب الآتية إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.