الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 50، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع حديث «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل» مبيناً بطلان التطير ومشروعية الفأل. ويوضح جمع العلماء في أحاديث العدوى وأن المرض لا ينتقل بذاته بل بقضاء الله مع الحث على إدخال السرور على المسلم.
يشرح المقطع حديث ابن عمر النافي للعدوى والطيرة ويرجح رواية النفي في حديث الشؤم. ويستعرض حديث بريدة عن عدم تطير النبي صلى الله عليه وسلم وربط ذلك بصفات السبعين ألفاً الداخلين الجنة بغير حساب.
يناقش المقطع حديث «أحسنها الفأل» المروي عن عروة بن عامر مبيناً ضعف سنده لانقطاعه وتدليس راويه. ويؤكد ثبوت النهي عن الطيرة في الصحيحين ووجوب التوكل على الله وترك التطير.
يبين المقطع وجوب طاعة الزوجة لزوجها في عزمه وعدم منعه مع التوكل على الله. ويشير إلى أن المقدور يصيب الإنسان أينما كان مستدلاً بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن التطير». النهي عن التطير، والتطير هو عبارة عن التشاؤم بالأشياء، وأصله من السوانح وهكذا البوارح من الطيور والضباء وغيرها. كانوا في الجاهلية يصدهم ذلك عن مقاصدهم وعن القيام ببعض أعمالهم، فأبطله الشرع وزجر عنه وحرم ذلك. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث في الباب السابق شيء من النهي عن التطير، وهكذا لأهمية هذا الباب وخطورته عقد له بابا مستقلا. قال رحمه الله تعالى: قال عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل». قال: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة، كلمة طيبة». قال: متفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة»، فنفى النبي صلى الله عليه وسلم حصول العدوى، وجاء في بعضها ما يدل على وجودها كقوله: «لا يوردن ممرض على مصح»، وهكذا: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». وجمع العلماء بين هذه الأحاديث، أي أن قوله: «لا عدوى» أي بذاتها، فليست العدوى هي التي تنقل المرض وإنما هي سبب في ذلك، ولا يقع إلا ما أراد الله تبارك وتعالى، فلا عدوى أي بذاتها كما كان يظنه أهل الجاهلية الأولى، وهذا يعتبر من مسائل الجاهلية التي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخالف أهلها، فخالف أهلها. وقوله: «ولا طيرة»، فيه أنهي عن التطير والتشاؤم، أنهي عن التطير والتشاؤم. قال: «ويعجبني الفأل»، وفسر عليه الصلاة والسلام الفأل أنه كلمة طيبة، يعني حين أن يسمع الإنسان الكلمة الطيبة فيستحسنها، وكذلكم أيضا ماذا يستبشر بها، على سبيل المثال: مريض فيسمع قصة في مرض شفي منه صاحبه فيتفاءل بذلك، أو مثلا مريض سمع شخصا يقول: يا سالم، فيتفاءل بالسلامة، يتفاءل بالسلامة، وماذا الحصول العافية، ويقع في نفسه كلاما حسنا وأنه سيعافى بإذن الله عز وجل. وهذا فيه يا إخوان استحباب إدخال السرور على قلب المسلم، وكما في حديث ابن عمر عند الطبراني في الكبير وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أحب الناس إلى الله تعالى، وأي العمل أحب إلى الله تعالى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، أنفعهم للناس، وأحب العمل إلى الله تعالى سرور تدخله على قلب مسلم». الحديث. قال: قال رحمه الله تعالى: قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس». قال: متفق عليه. وقوله: «لا عدوى ولا طيرة»، أنهي عن هذين الأمرين، وهكذا نفيهما سبق في حديث أنس الماضي. وقوله: «وإن يكن الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس»، هذه الرواية جاءت على سبيل الإثبات، أي: والشؤم في الدار والمرأة والفرس، وجاءت على هذا السياق الذي بين أيدينا: «وإن كان الشؤم في شيء فإنه سيكون في ماذا؟ في الدار والمرأة والفرس، وإلا فإنه لا يوجد، وإلا فإنه لا يوجد». وماذا الروايات في هذا الباب كثيرة، وخيرا، وذهب وذهب بعضهم إلى إثبات رواية النفي: «وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس»، ورجحوها على رواية الإثبات: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس»، وحكموا على رواية الإثبات بأنها شاذة، واستدلوا على شذوذها وثبوت ما قبلها بعدة أشياء، منها سبب ورود الحديث، فكما جاء في حديث عائشة هو على سبيل الإنكار والنفي لوجود الشؤم، يعني الشر والتشاؤم، أي توقع حدوث الشر في هذه الأشياء، وأن عدد الذين رووا رواية النفي هذه أكثر من عدد من روى الإثبات. فعلى كل، فقوله عليه الصلاة والسلام، يعني معنى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفى ونهى عن العدوى، وهكذا عن التطير وهو التشاؤم، ثم قال: «إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والدار والفرس»، فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال: «إن تكن في شيء ففي هذه الأشياء الثلاثة»، أي لو كانت تكون في شيء لكانت فيها أولى، فإذا لم تكن في شيء من هؤلاء الثلاث، فإذا لم تكن في شيء من هؤلاء الثلاث فليست في شيء غيرها، أكذا وجه جماعة من أهل العلم هذا الحديث. قال: وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير. قال: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وكونه لا يتطير لكمال إيمانه وقوة توكله وثقته بربه سبحانه وتعالى، فهو لا يتطير، وهكذا أتباعه فإنهم لا يتطيرون، فإنهم لا يتطيرون، فالطيرة تخالف كمال الإيمان وقد تخالف أصله. ولهذا في حديث ابن عباس في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم قال: «هم الذين لا يسترقون»، أي لا يطلبون الرقية من غيرهم، «لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فمن تمام وكمالي توكلهم على ربهم عز وجل أنهم لا يأتون شيئا من هذه الأمور. قال: هذا فيه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يتطير، فنحن لنا أسوة حسنة وقدوة طيبة فيه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله. قال: وعن عروة بن عامر رضي الله عنه، جاء في بعضها عقبة بن عامر وهو الجهني، وهذا حكم عليه بعض العلماء بأنه تصحيف من عروة إلى عقبة، فصوابه عقبة، صوابه عروة بن عامر رضي الله عنه. وعروة بن عامر ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وأشار الحافظ في الإصابة وغيرها إلى الاختلاف في صحبته، هل هو صحابي أم أنه تابعي؟ وروا عروة بن عامر عن كثير من الصحابة، عن كثير من الصحابة. قال: عن عروة بن عامر رضي الله عنه قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما، ولا ترد مسلما». قال: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك». قال: حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح. طيب، على ما سبق من الاختلاف في عروة بن عامر، فعلى ما ذهب إليه ابن حبان وغيره أنه من ثقات التابعين وليس بصحابي، فماذا سيكون هذا الحديث؟ ماذا سيكون هذا الحديث؟ نعم، عندك يا أبا مريم، ماذا سيكون؟ عروة بن عامر يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، على هذا سيكون مرسلا، وعلى القول بثبوت صحبته فالحديث سيكون مسندا ومتصلا. لكن ذكر العلماء فيه علة أخرى، وهو حبيب بن أبي ثابت كان مدلسا وكثيرا الإرسال، ويروي عن عروة بن عامر، وكما ذكر بعضهم أن روايته عنه منقطعة، ولهذا ضعفه غير واحد من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في السلسلة الضعيفة وضعيف الجامع، وهكذا ضعيف أبي داود وغيرها، فالحديث لا يثبت. لكن فيما ثبت في الصحيحين أو الصحيح وغيرهما ما يغني عنه من النهي عن الطيرة، وأنها لا ترد المسلم، وإنما يتوكل على الله عز وجل، ويعلم أنه ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، إلا بإذن الله، ويعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. عازم على السفر، وين رايح؟ قال: أبغى الفيوش، مثلا، أو وريد سيحوت. خرج، وجد على المفرق، مفرق طيبة، رجل أعمى يقول: يا فلان، وين طيبة؟ يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، اليوم أصبحنا على من أعمى، أو يصبح على أعرج، أو يصبح على حادث في الخط، فيتشاءم ويتطير بسبب ذلك. هذه الطيرة، آه، ماذا؟ غير صحيحة. والواجب أنها لا ترده ولا تصده ولا تمنعه عما عزم عليه، فيتوكل على الله تبارك وتعالى، وليعلم أنه لو قدر عليه شيء سيأتيه، ولو كان في بيته، ولو كان في بيته، فما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والله تعالى أعلم.