كتاب الأمور المنهي عنها 49

كتاب الأمور المنهي عنها 49

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 49، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والعرافين

يحرم سؤال الكهان والمنجمين والعرافين، وتصديقهم يعد كفراً لتكذيب آيات الغيب. ورد في الحديث أن النبي ﷺ وصفهم بأنهم ليسوا بشيء، وأن ما يصيبون من حق يخطفه الجني ويخلطونه بمئة كذبة، مع منع الجن من استراق السمع بعد البعثة.

حكم إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم وآثار ذلك على العبادات

إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم يُعد كفراً لاستعانة العراف بالجن وادعاء علم الغيب. من صدق عرافاً لم تُقبل صلاته أربعين يوماً مع وجوب أدائها، وصنّف الحديث العيافة والطيرة والطرق من الجبت.

أحكام الطيرة والكهانة وعلم النجوم

يُنهى عن تعلم علم النجوم لاعتباره شعبة من السحر، ويحرم إتيان الكهان وأجرهم، مع بيان أن الخط الموافق لخط نبي معفو عنه. مال الكاهن خبيث محرّم، وتُوضح أحاديث معنى الطيرة والكهانة.

خاتمة الباب والصلاة على النبي

يختتم المؤلف الباب بالاكتفاء بما ذُكر فيه، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله. كما يحمد الله رب العالمين ويفوض العلم إليه تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والعرافين وأصحاب الرمل أو الرمل والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك». وإتيان هؤلاء مما يعود بالضرر على الشخص في العاجل، وهكذا أيضًا في الآجل. وإتيان هؤلاء قد يفقد الإنسان دينه، فيرجع وقد خرج من هذا الدين، وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمعظم من ذكر من الكهان والمنجمين، وهكذا العرافين وغيرهم ممن يدعون علم الغيب. وسبق معنا أن من ادعى علم الغيب كفر، وهكذا من صدق من يدعي علم الغيب فقد وقع في الكفر بالله عز وجل؛ لأن فيه التكذيب لآيات القرآن، وهكذا أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أنه لا يعلم الغيب إلا الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان، والكهان جمع كاهن، وهو الذي يدعي معرفة الأمور المستقبلة. فقال: «ليسوا بشيء». فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثون أحيانًا بشيء فيكون حقًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مئة كذبة». متفق عليه. قال: وفي رواية للبخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السماء، فيسرق الشيطان السمع، فيسمعه فيوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة من عند أنفسهم». قوله: «فيقرها» قال: هو بفتح الياء وضم القاف والراء، أي: يلقيها. والعنان: بفتح العين. ومن المعلوم أن الجن كانوا يسترقون السمع، وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا من ذلك: ﴿وَكُنَّا نَجْلِسُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9]. والشهاب قد يدرك مسترق السمع فلا يصل شيء إلى الكاهن، وقد يدركه بعد أن يلقيها إلى من بعده، ومن بعدها يلقيها إلى من بعده، فيصل شيء إلى الكاهن، فيخلط مع هذه الكلمة التي بلغته، يخلط معها مئة كذبة، فيقول الناس: قد حدثنا أنه سيقع كذا وكذا، لما نقل إليه من الحق، فقد يكون ذلك فتنة على البعض من الناس. والواجب هو الحذر والتحذير من إتيان الكهان، وهكذا أيضًا تصديقهم، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها. صفية بنت أبي عبيد أخت المختار بن أبي عبيد الثقفي، مدعي النبوة، وتروي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها. قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا». رواه مسلم. والعراف هو الذي يدعي علم مكان الأشياء المسروقة والأشياء الضالة، ويعتمد في ذلك على أسباب ومقدمات يدعيها. فإذا سرق مال لا يدرى من السارق، قالوا: فلان سيخبركم، فاستعينوا بالجن، ويفعلوا أشياء، ثم يخبر، لربما أن فلانًا هو الذي سرق، وتحصل من الفتن الشيء الكثير بسبب ذلك. وهكذا بالنسبة للضوال من الحيوانات وغيرها من المفقودات، فيدعي معرفة أماكنها، يقول: بعيرك في واد كذا، بمكان كذا، وكل ذلك معتمد فيه على الجن، ومدعيًا فيه علم الغيب، ففعله كفر. ومن أتى هذا العراف فسأله عن شيء فصدقه، قال: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا». أربعين يومًا. بل كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تصديقهم يعتبر كفرًا بالله تبارك وتعالى. وهل على قوله هاهنا: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»، هل يجوز له ترك الصلاة خلال هذه الأربعين ما دام أن الصلاة لن تقبل؟ الجواب: لا، يجب عليه أن يصلي، لكنها صلاة لا يثاب عليها، وليست مقبولة عند الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن قبيصة بن المخارق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «العيافة والطيرة والطرق من الجبت». رواه أبو داود بإسناد حسن. قال: والطرق هو الزجر، أي: زجر الطير، وهو أن يتيمن أو يتشاءم بطيرانه. فإن طار إلى جهة اليمين تيمن، أي: تفاءل، وعزم على ما كان يريده. وإن طار إلى جهة اليسار تشاءم، وهذا التشاؤم يرده عن فعل ما كان يريد. قال أبو داود: والعيافة: الخط، أي: الذي يخطه أولئك، أولئك الكهنة وغيرهم. قال الجوهري في الصحاح: «الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك». وهذا الحديث تكلم بعضهم في إسناده، فقد أخرجه أبو داود، وأحمد في مسنده، وفي سنده حيان بن العلاء، وهو مجهول. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس» أي: أخذ أو استفاد «علمًا من النجوم، اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». رواه أبو داود بإسناد صحيح. وأبو داود أخرج هذا الحديث، وهكذا ابن ماجه، وأحمد، وغيرهم، بإسناد حسنه جماعة من أهل العلم، وهو وإن كان من طريق عبد الله بن الأخنس، قيل فيه: صدوق، إلا أنه بشواهده حسنه جماعة من أهل العلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس علمًا من النجوم»، أي: من علم النجوم، وعلم النجوم هو الاستدلال بالحوادث الفلكية على الحوادث الأرضية، يعني: يستدل بالأحوال الفلكية على حوادث تقع في الأرض، وهو يعتبر نوعًا من أنواع السحر. قالوا: وعن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان. قال: «فلا تأتموهم». قلت: ومنا رجال يتطيرون. قال: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم». قلت: ومنا رجال يخطون. قال: «كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك». وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن. وحلوان الكاهن: أي ما يعطاه على كهانته، على كهانته من أجره، يقال لها حلوان، يقال لها حلوان. وإتيان الكهان لا يجوز، وهكذا لا يجوز إعطاؤهم شيئًا في ذلك. وهكذا أيضًا يعتبر ذلك المال الذي يأخذه الكاهن على كهانته خبيثًا ومحرمًا. متفق عليه. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.