الدرس في كتاب الأشربة 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع شروط الأضحية الثلاثة المتمثلة في السلامة من العيوب المانعة، والذبح بعد صلاة العيد، وبلوغ السن الشرعي. كما يبين حكم الاشتراك في البدنة والبقرة بسبعة أسهم وفق الرأي الراجح، ويناقش خلاف ابن حزم في جواز الاشتراك في الشاة.
يتناول المقطع أحكام العقيقة ووقتها والخلاف في وجوبها أو استحبابها، ثم ينتقل إلى سنن المولود كالتحنيك بالتمر وحلق الرأس في اليوم السابع والتصدق بوزن الشعر فضة مع النهي عن القزع. ويختم بذكر الختان وحكمه والخلاف الفقهي حوله.
يستهل المقطع كتاب الأشربة ببيان تحريم الخمر وأنواعها الخمسة، مؤكداً أن العبرة في التحريم بإسكار العقل لا بالاسم أو المصدر. ويستدل بأحاديث عمر وعائشة رضي الله عنهما وقاعدة أن كل مسكر حرام قليلاً كان أو كثيراً.
يؤكد المقطع تحريم الخمر لذهابه بالعقل أحد الضروريات الخمس، مستدلاً بأحاديث اللعن على المتعاملين بها وتحريم ثمنها. ويحذر من الحيل الشرعية للتهرب من المحرمات مستشهداً بقصة أصحاب السبت، مبيناً أن التحايل يزيد الحرام حرمة ولا يسوغه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب الأضاحي، وهو يعتبر خاتمة لأبواب كتاب الأطعمة. وسبق الإشارة إلى بعض الجوانب المهمة التي تتعلق بالأضاحي، ومن ذلكم أن الأضحية هي ما يذبح من بهيمة الأنعام. وقلنا: بهيمة الأنعام تطلق على الإبل والبقر والغنم. فما يذبح من بهيمة الأنعام في يوم النحر، وهو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، يوم الأضحى، يوم العيد، يوم الحج الأكبر الذي يؤدي فيه حجاج بيت الله الحرام أكثر أعمال الحجة، وهكذا في أيام التشريق الثلاث: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة، تقربا إلى الله عز وجل. وهكذا أيضا مر معنا فيما يتعلق بالأضاحي أن أكثر أهل العلم على أن الأضحية مستحبة وليست بواجبة، بينما ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوبها على القادر عليها. وجعل العلماء من الصوارف للأمر بالأضحية من الوجوب إلى الاستحباب حديث أم سلمة: «إذا دخل هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره شيئا»، الحديث. فعلق الفعل بالإرادة. وهكذا أيضا تكلمنا حول الأضحية، وأن أقل ما يجزي في الأضحية هو شاه عن الرجل وأهل بيته، كما جاء في حديث عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، قال: ثم تباهى الناس، فصار كما ترى». ثم تباهى: أي جعلوا يتفاخرون، قال: «فصار كما ترى». ويجوز كما سبق الاشتراك في البدنة، وهي الناقة، وهكذا أيضا يجوز الاشتراك في البقرة. جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فحضر الأضحى، قال: «فاشتركنا في الجزور عن عشرة»، الجزور: أي البعير، عن عشرة، عشر أسر، عشر أشخاص اشتركون في البعير الواحد، قال: «والبقرة عن سبعة». وهذا أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهو من طريق الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن علبة بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس به. قال البيهقي رحمه الله تعالى: «تفرد به الحسين بن واقد عن علبة بن أحمر، وحديث جابر أصح». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وفي حديث جابر دليل لما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم. وحديث جابر في صحيح مسلم: «نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة». وهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، وذهبوا إلى أنه يجوز الاشتراك في البعير سبعة، وهكذا في البقرة يشتركوا كذلك سبعة. ومما يؤيد ذلك أيضا ما جاء في حديث جابر في حجة الوداع، فيه أنهم كذلك أيضا اشتركوا السبعة في البعير، وهكذا السبعة في البقرة. وهذا نقل عن بعض الصحابة كعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وأنس، وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو الذي يظهر، خلافا لمن ذهب إلى أن البعير يجوز أن يشترك فيه العشرة. فقول الجمهور أقرب، والله تعالى أعلى وأعلم. ومن العجائب أن الإمام أبا محمد بن حزم رحمه الله تعالى ذهب إلى جواز الاشتراك حتى في الشاة، قال: يجوز أن يشترك الجماعة في الشاة الواحدة، قال: لأنه فعل خير ولا دليل على التحديد. وهذا القول بعيد، وقول الجمهور كما سبق هو الصواب. ذكرنا كذلك أيضا أن الأضحية تصح بشروطها، وقد ذكر العلماء لها ثلاثة شروط. الشرط الأول: السلامة من العيوب. وفي حديث البراء بن عازب أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أربع لا تجوز، وفي رواية: لا تجزئ في الأضاحي. ما هي هذه العيوب الأربعة؟ الأولى: المريضة البين مرضها. قال بعض العلماء: أي بها مرض ميؤوس من زواله. وذهب بعض الشافعية وغيرهم إلى أن المقصود بالمرض هنا هو الجرب، مرض الجرب يفسد جلد البهيمة، وهكذا يؤدي إلى إفساد شيء من لحمها. لكن علق الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى قال: وهذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل. ابن قدامة يقول: هذا تقييد المرض بالجرب، قال: هذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل. إذن معنى هذا أنه يعم المرض الذي يجعل البهيمة تعجز أن تماشي السليمات وتخرج إلى المرعى وغير ذلك. العيب الثاني: العوراء البين عورها، ومن باب أولى العمياء، فالعمى عيب أشد من العور. وكونها عوراء قد يكون بنتوء عينها أو بروزها أو بياضها إلى غير ذلك. العيب الثالث: العرجاء البين عرجها. الرجل موجودة لكنها لا تستطيع أن تمشي عليها بسهولة، ومن باب أولى مقطوعة الرجل. أما إذا كان العرج يسيرا لا يؤثر على مشيها وذهابها وإيابها وخروجها إلى المرعى فيجوز. العيب الرابعة: الكسيرة التي لا تنقي، يعني كبيرة في السن، عظمها خاو من المخ، أصبحت ضعيفة هزيلة، أسنانها لربما قد تساقطت إلى غير ذلك. فهذه العيوب الأربعة نقل الإجماع على عدم إجزائها. قال الإمام ابن قدامة: «أما العيوب الأربعة فلا يعلم بين أهل العلم خلافا في أنها تمنع الإجزاء»، ثم استدل بحديث البراء بن عازب السابق. هناك عيوب ذكرت كمقطوعة الألية، وهكذا مكسورة القرن، ومقطوعة الأذن وغيرها، فهذه عيوب اختلف العلماء فيها، والأحوط هو أن يكون الحيوان سليما منها. ولو ضحي بما كان فيه هذا، فذهب بعض العلماء إلى الإجزاء وصحة الأضحية. الشرط الثاني من شروط صحة الأضحية: ذبحها في الوقت المحدد شرعا، وهو بعد صلاة العيد. فمن ذبح قبل الصلاة فهذه لحم يأكله هو وعياله، ليس من النسك وليس أضحية. ومن ذبح بعد الصلاة فهذه هي الأضحية المعتبرة شرعا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه»، أي قبل صلاة العيد، «ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين». الشرط الثالث: أن يتوفر فيها السن المعتبر شرعا، وهو أن تكون مسنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تذبح إلا مسنة، إلا أن يتعذر عليكم فتذبح الجذع من الضأن». المسنة في الإبل: ناقة أو بعير ما بلغت، أكملت خمسا ودخلت في السادسة. المسنة في البقر: ما بلغت سنتين، ودخلت في الثالثة. المسنة في الغنم: سنة واحدة، ودخلت في الثانية. قال: «إلا أن يتعسر عليكم فتذبح الجذع من الضأن». والصحيح في الجذع من الضأن أنه ما أكمل ستة أشهر. وظاهر الحديث أنه لا يجوز التضحية بالجذع من الضأن إلا عند عدم وجود المسن من غيره، وهذا ليس المقصود، وإنما يجوز أن يضحي بالجذع من الضأن مع وجود المسن من غيره. قال عليه الصلاة والسلام: «نعم الأضحية الجذع من الضأن»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الجذع من الضأن يوفي ما يوفي الثني من غيره»، والثني بمعنى المسن من غيره. خلاصة ما يذكر يا إخوان: أن الأضحية شعيرة عظيمة من شعائر الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. وكان المسلمون يهتمون بالأضحية فيسمينونها. قال ابن عباس رحمه الله تعالى: «تعظيمها استسمانها واستعظامها واستحسانها». قالوا: لأن ذلك أعظم لأجرها وأكثر لنفعها. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أن تسمينها مجمع عليه، أي على أنه مستحب. ومما يلحق بهذه الأبواب ويحتاج أن نعرج عليه شيئا يسيرا ما يتعلق بالعقيقة. العقيقة اسم لما يذبح عن المولود. قيل سميت بهذا من العق، وهو القطع، فإن الذبيحة يقطع حلقومها والمريء والأوداج. وقيل سميت عقيقة لأن شعر المولود يحلق معها، فسميت باسم ما كان معها أو سببها، فقيل لها العقيقة. والعقيقة حكمها اختلف العلماء فيه، فذهب الحسن البصري وداود الظاهري ومن قال بقولهما إلى أنها واجبة، واستدلوا بحديث الحسن عن سمرة: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه، ويسمى». وهكذا أيضا جاء في حديث سليمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مع الغلام عقيقة، فأهرقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى». والحديث أصله في البخاري، وهكذا أخرجه بعض أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي، وهكذا غيرهم. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنها مستحبة، واستدلوا على استحبابها بحديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، من جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. ففي حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه قال: «من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه...» الحديث. وجعلوا هذا الحديث دليلا على الاستحباب وليس دليلا على الوجوب. وجاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعق عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة». إذن الغلام الذكر يذبح عقيقته شاتين، والأنثى شاة واحدة. وإذا لم يجد الإنسان إلا شاة واحدة عند ولادة الذكر، فيجوز أن يذبح هذه الشاة. ذكر بعض العلماء أن الشاتين في العقيقة كالكبشين في الأضحية، يجزي واحد، ويجوز ويستحب الزيادة. والعقيقة تذبح في اليوم السابع من الولادة، هذا هو السنة، وعليه عامة أهل العلم. ويوم الولادة يحسب واحدا من هذه الأيام السبعة. قالوا: فإن فاته الأسبوع الأول ففي الأسبوع الثاني، أي في اليوم الرابع عشر. قال بعضهم: فإن فاته لا بأس في الواحد والعشرين، في الحادي والعشرين. واستدلوا على ذلك بحديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «العقيقة تذبح لسبع، أو لأربع عشرة، أو لإحدى وعشرين». وهذا عند البيهقي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وأما ما جاء في حديث عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «وليكن ذلك يوم السابع، فإن لم يكن ففي أربع عشرة، وإن لم يكن ففي إحدى وعشرين»، الحديث أخرجه الحاكم، وضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في إرواء الغليل، وأعلّ بالانقطاع بين عطاء وأم كرز عن عائشة، وهكذا أيضا أعلّ بالإدراج، إدراج من قولي عطاء رحمه الله عليه. أما حديث بريدة عند البيهقي بمعناه فإنه صحيح. وقد ذكر العلماء، ومما ذكره العلماء فيما يستحب في حق المولود إضافة إلى ما سبق من أمر العقيقة، قالوا: يستحب تحنيكه. قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم: «اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذر فما في معناه وقريب منه من الحلو، أي شيء حلو». قال: «فيمضغ المحنك التمر حتى يصير مائعا بحيث تبتلع، ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه». المحنك يمضغ التمر مضغا جيدا حتى يكون مائعا، ثم يفتح فم المولود فيضعها فيه، قال: «ليدخل شيء منها جوفه». قال: ويستحب أن يكون المحنك من الصالحين، من الصالحين، وممن يتبرك به، رجلا كان أو امرأة. فإن لم يكن حاضرا عند المولود حمل إليه. النووي رحمه الله تعالى يتوسع في هذا الباب، فيحذر من مثل هذا لمن قرأ في شرح مسلم أو في النووي أو في المجموع أو في الروضة أو غيرها من كتبه. فلا بأس إذا كان المحنك صالحا. فالصحابة كانوا يأخذون أبناءهم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليحنكهم. جاء في حديث أبي موسى الأشعري قال: «ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم، فسماه إبراهيم، فحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إلي، وكان أكبر ولد أبي موسى». وهكذا أيضا من هذا الذي يستحب في حق المولود: قالوا حلق رأسه في اليوم السابع، أن يحلق رأسه في اليوم السابع. وجاء في حديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم السابق قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه، ويسمى». واستحب العلماء أن يحلق شعر الغلام الذكر في اليوم السابع، واختلف في حلق شعر الأنثى، فاستحبه الشافعية، وهكذا بعض الحنابلة. والذي عليه أكثر الحنابلة أن الحلق إنما يكون للذكر فقط وليس للأنثى، وهذا القول هو ظاهر اختيار العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. ومما ينبغي أن يجتنب في باب حلق شعر المولود: اجتناب القزع، وهو أن يحلق بعض الرأس ويترك البعض الآخر. ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع». والتصدق بوزن الشعر فضة. جاء في حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسن: «احلق رأسه وتصدق بوزن شعره فضة على المساكين». وهذا الحديث أخرجه البيهقي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله كما في الإرواء. وتكلم بعضهم في إسناده أنه من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني، قالوا: وفيه كلام من قبل حفظه، أي حفظه فيه شيء. وهكذا قالوا: الوليد بن مسلم مدلس، يدلس تدليس التسوية. وقد تكلم بعض العلماء كما سبق على هذا الحديث، ومن فعل هذا الأمر فالحديث يصلح للتحسين، ولهذا كما سبق حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وهكذا مما يستحب في حق المولود: الختان، أن يختن في اليوم السابع. وذكر في هذا حديث جابر عند الطبراني رحمه الله تعالى: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام». واختلف العلماء في حكم الختان، فمنهم من أوجبه. قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه «تمام المنة في التعليق على فقه السنة»: «وأما حكم الختان، فالراجح عندنا وجوبه، وهو مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد، واختاره ابن القيم، وساق في التدليل على ذلك خمسة عشر وجها، قال: وهي وإن كانت مفرداتها لا تنهض على ذلك، فلا شك أن مجموعها ينهض به». وذهب بعضهم إلى الاستحباب، وبعضهم ذهب إلى أنه واجب في حق الذكر مكرمة، ومستحب في حق الأنثى. وينبغي يا إخوان الإسراع في أمر الختان، تعجيله، وذلك لأنه أرفق بالمولود، بخلاف ما إذا كبر وغلضت جلدته، فعندها قد يصعب ذلك ويكون شاقا على الكبير. قال رحمه الله تعالى: «قال: كتاب الأشربة». قال عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما بعد أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والشعير، والحنطة». قال: «والخمر ما خامر العقل». ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيها عهدا ننتهي إليه: الجد، أي ميراث الجد، ميراث الجد والخلاف في ميراث الجد والإخوة مشهور في أبواب الفرائض وأحكام المواريث. قال: «والكلالة، وأبواب من أبواب الربا». والكلالة: ماذا يعنى بها؟ ما معنى الكلالة؟ الكلالة: يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة. الذي ليس عنده أولاد، ولا والد. يقال له كلالة. وبمعنى آخر عبر بعضهم في تعريف الكلالة: أنه الذي ليس بابن ولا أب، ليس بوالد ولا ولد، يقال له كلالة. الوارث الذي ليس بوالد ولا ولد فهو يسمى كلالة. وهذا الحديث يتعلق بتحريم الخمر، وهكذا بيان أنواعها. والكلام يا إخوان حول باب الشرب، باب أو كتاب الأشربة، يدخل في الكلام حول الطعام، بل ويشتركان في كثير من الأحكام والآداب، يشترك الأشربة والأطعمة في كثير من الأحكام والآداب. واستدل العلماء على ذلك بقوله عز وجل: ﴿فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده﴾. وهكذا أيضا في ماء زمزم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طعام طعم، وشفاء سقم». والعلماء يا إخوان يبدأون ببيان أحكام وآداب الطعام الأكل، ثم بعد ذلك يذكروا ما يتعلق به الشرب. وهذا الترتيب الذي هو في القرآن: ربنا عز وجل يقول: ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾، وهكذا قوله عز وجل: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. فيبدأون بالأكل قبل الشرب. وهذا الحديث حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يذكر أن أباه الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته قال وهو على منبر النبي صلى الله عليه وسلم: «أما بعد أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر». ويريد بذلك قوله عز وجل: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾، الآيات التي جاء فيها التصريح بتحريم الخمر. وكما تعلمون تحريم الخمر كان على تدرج حتى نزلت هذه الآيات الكريمات. قال: «وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة وهي البر، والشعير». فهذه الخمس غالبا ما يكون الخمر منها يصنع منها. ثم قال: «والخمر ما خامر العقل». ومعنى خامر: أي غطى. ومن هنا قيل للخمر خمرا، من باب أنها تغطي على التمييز والإدراك، فيفعل من أكثر من شربها أفعالا لا يفعلها العقل ولا المميزون. قال: «والخمر ما خامر العقل». فإذا صنعت الخمر من غير هذه الأشياء الخمسة، اليوم البعض يصنعها من الخميرة، وهكذا البعض لربما يحصل له الإسكار إذا شم البنزين، يشم البنزين بترول يشمه جيدا، فمع كثرة الشم قد يحصل الإسكار. وهكذا بعضهم بشرب بعض الأدوية والعقاقير وغيرها فيحصل الإسكار، فيكون هذا من الخمر الذي لا يجوز تناوله. ثم ذكر عمر رضي الله عنه قال: «ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيها عهدا ننتهي إليه». ومقصود عمر: أي التوضيح في هذه المسائل أكثر، لكثرة الاختلاف فيها، وهكذا أيضا دقة مثل هذه المسائل. ومنها أبواب من أبواب الربا، فالربا يا إخوان تفاصيله كثيرة وأبوابه عديدة، والاشتباه يقع فيها. مسائل الربا يا إخوان من أصعب المسائل، ولاسيما مع القضايا والمسائل العصرية فيما يتعلق بالمصارفة، وهكذا بعض أنواع البيوع المستجدة. ولهذا ينبغي على طالبي العلم أن يهتم ويعتني بمثل هذه الأبواب. قال رحمه الله تعالى: ومناسبة ذكر حديث ابن عمر هو بيان أن الخمر يعتبر من الأشربة المحرمة التي لا يجوز تناولها، سواء كان من التمر، أو كان من العنب، أو كان من العسل، أو كان من الحنطة، أو كان من الشعير، أو كان من غيرها. قال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع، سئل عن البتع بكسر الباء وفتح التاء. والمقصود بالبتع هو نبيذ العسل، وهو المشهور في شراب أهل اليمن. كان أكثر شرابهم هو البتع، يعني نبيذ العسل، يصب الماء على العسل ويبقى زمنا حتى يتخمر، ثم يشرب بعد ذلك. قال: «فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم: كل شراب أسكر فهو حرام». قال: «البتع نبيذ العسل، نبيذ العسل». وهذا الحديث يا إخوان فيه بيان أن كل مسكر فإنه يعتبر خمرا له حكم الخمر، فيكون حراما. ولا يضر يا إخوان الاختلاف في الأسماء، لا يضر الاختلاف في الأسماء ما دام أن العلة موجودة وهي الإسكار. فكل شراب أسكر قال: «فهو خمر»، أو: «فهو حرام»، أي لأنه يعتبر حكمه حكم الخمر. وهذا يا إخوان من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد أوتي جوامع الكلم، وأعطاه ربه عز وجل من حسن البيان ما أعطاه. وأيضا هذا الحديث مما يطلق عليه أنه من جوابي الحكيم، وهو إعطاء السائل جواب ما سأل عنه، وزيادة عليه مما يحتاجه ولم يذكره في سؤاله. كسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر، ماذا قال؟ «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». السائل يسأل عن الوضوء من ماء البحر، لاحظ جواب الحكيم: قال: «هو أي البحر الطهور ماؤه»، يعني يجوز أن تتوضأ منه، «الحل ميتته». السائل لم يسأل عن ميتة البحر، لكن زاده النبي صلى الله عليه وسلم للحاجة إلى مثل ذلك. وهكذا الحديث فيه دليل على تحريم كل ما أسكر، سواء كان مطعوما أو كان مشروبا، أو كان غير ذلك. كيف غير ذلك؟ قد يكون مشموما عبر الأنف، ومشروبا إما سائلا وإما دخانا، وقد يكون حقنا تضرب، وهكذا غير ذلك. فالحكم يا إخوان يدور مع علته، وما أسكر كان خمرا فهو حرام، ولا عبرة بتغير الأسماء. اليوم يسمون الخمر بغير اسمها، ماذا تسمى الخمر؟ أسماؤها كثيرة، اجمعها: شركات وماركات وأنواع، لكن ماذا يطلقون عليها؟ حين أن يجد الواحد انتعاش في روحه يقولون: هذه مشروبات روحية، وهكذا غيرها من التسميات. هذا لا يغير في حكم هذا الشيء المسكر الذي يذهب به العقول. وهكذا أيضا الحديث دليل يا إخوان على تحريم المسكر قل أو كثر. إذا كان هذا المشروب لو شرب مثل هذا مرتين يحصل الإسكار، أما لو شرب شيئا منه قليلا لا يحصل الإسكار به، فالقليل والكثير سواء في الحكم، أي أنهما حرام. فما أسكر قليله فكثيره حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام. وماذا ديننا يا إخوان؟ أتى بالمحافظة على الضروريات الخمس. ما هي الضروريات الخمس؟ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. فهذه ضروريات خمس، أمر ديننا بالمحافظة عليها. طيب، الخمر يذهب أي من هذه الخمس؟ يذهب العقل. ولهذا سمي خمرا لأنه يغطي ويخامر عقل شاربه. قال رحمه الله تعالى: قال عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: بلغ عمر أن فلانا باع خمرا، فقال: «قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها». ومعنى جملوها: أي أذابوها، عرضوها للنار فذابت فأصبحت زيتا وليس شحما. فهنا قاموا ببيع الزيت. وهذا الحديث فيه تحريم بيع الخمر، وهكذا فيه خطورة التحايل على أحكام الشرع. ومر معنا في باب البيوع أو في كتاب البيوع أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة، ومنهم بائعها ومبتاعها، البائع والمشتري كلاهما ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر. وهكذا أيضا فيه دليل على تحريم بيع ما حرم أكله أو حرم حمله أو غير ذلك، فأيضا يحرم ثمنه. وهكذا في هذا الحديث منع الحيل وسد الطرق الموصلة إلى الحرام والفساد. فالحيل يا إخوان لا تزيد المحرم إلا حرمة، لا تزيد المحرم إلا حرمة، فيحرم لأجل أصله أنه حرام شرعا، وهكذا أيضا حرمة أخرى هي التحايل على أحكام الشرع. وهذا من صفات اليهود القبيحة وسماتهم السيئة: الاحتيال على الشرع. قصة أصحاب السبت الذين ذكرهم ربنا عز وجل في القرآن: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، فيوم السبت يأتي صيد كثير ابتلاء، وفي غير السبت لا يأتي شيء. فماذا فعل اليهود؟ أتوا ووضعوا الشباك يوم الجمعة، ويوم السبت الذي نهوا عن الصيد فيه جلسوا لم يركبوا البحر، قاموا يوم الأحد وأخذوا الشباك بما فيها من صيد. فماذا كانت العقوبة الإلهية التي حلت بهم؟ مسخهم ربنا عز وجل قردة خاسئين. فالتحايل لا يجوز، والواجب البعد عن التحايل. كم حديثا قرأنا؟ ثلاثة أحاديث. وبهذا نكون قد أتينا على الأحاديث التي ذكرها المصنف في كتاب الأشربة، ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله الكلام حول كتاب اللباس، وقبل ذلك نعرج على بعض آداب الشرب إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.