القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 10

القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 10

الدرس في القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الردة بالاعتقاد وأثرها

يتناول مفهوم الردة بالاعتقاد وكيف تؤدي الاعتقادات الباطلة إلى الكفر. يُوضح أن الاعتقاد بصفات سلبية لله أو إنكار البعث يمكن أن يُعد كفرًا.

الفرق بين الخطرات والعقائد

يشرح الفرق بين الخطرات التي تهجم على القلب وبين الاعتقادات الراسخة. يُبين أن الخطرات لا تعتبر كفرا إذا لم يسترسل معها الإنسان.

تحريم الشرك وإخلاص العبادة

يشرح تحريم الشرك بالله ووجوب توحيده في العبادة. يُبين أن الدعاء هو نوع من العبادة ويجب إخلاصه لله تعالى.

تفاوت الكفر ومسائل الردة العقدية

يتحدث عن تفاوت الكفر بعد ردة الفرد ويشير إلى أن المؤلف سيتناول مسائل الردة العقدية في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الردة بالاعتقاد، وهذا الوجه الثالث من أوجه إيقاع الناس في الردة، ما يكون في أمر اعتقاداتهم. فقال رحمه الله تعالى: ومن أنواع الردة العقدية التي يعتقدها بقلبه، وإن لم يتكلم ولم يفعل، بل بقلبه يعتقد. إذن هذا الضابط: الردة العقدية لا تتعلق بالأقوال، ولا تتعلق بالأعمال، وإنما هو موجود في صميم قلبك. فقال: لا يظهر؛ لأنه في باطنك، هذا الأمر الباطني ما يكون من صميم قلبك يجرك إلى الكفر والردة إذا اعتقدت الاعتقادات الباطلة المنافية للدين، كما سيأتي بيانه. قال: إذا اعتقد بقلبه أن الله جل وعلا فقير، أو أنه بخيل، أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم، ولو لم يفعل شيئا، هذا كفر بمجرد هذه العقيدة بإجماع المسلمين. فقط اعتقد هذه الاعتقادات في نفسه، بهذه الصفات السلبية التي لا تليق بجناب الرب عز وجل اعتقدها، فهذا كافر، ولو لم يقل كلمة مما يكنه في نفسه. قال: واعتقد بقلبه أنه لا يوجد بعث ولا نشور، وأن كل ما جاء هذا ليس له حقيقة، أي: كل ما جاء من أدلة الشرع من الكتاب والسنة أن هذا ليس له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جنة أو نار، ولا حياة أخرى. إذ اعتقد ذلك بقلبه، ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفر وردة عن الإسلام، نعوذ بالله، وتكون أعماله باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة. فشاهد إخواني في الله أن الانحراف العقدي قد يوصل صاحبه إلى الكفر والردة، ولو لم يتكلم به. مثال حي لهذا الباب ما كان عليه أهل النفاق في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ماذا كان يفعلون؟ كانوا معه، ظاهرهم الإسلام، يأتون بشعائر الدين، بل كانوا يصلون، يصلون كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ يصلون، ومع ذلك أين هم؟ في الدرك الأسفل من النار، فاقوا جميع الكفار، فهم في الدرك الأسفل، مع أنهم كانوا يصلون، ولربما خرجوا في الحج، بل حتى وصلوا معه في بعض المقاتل والقتال، لكن لماذا هذا الإحباط لجميع أعمالهم؟ العقيدة، الاعتقاد، اعتقادهم لم يكن صوابا، بل اعتقدوا الاعتقادات الكفرية، فأحبط الله جميع أعمالهم، فلم يكونوا من أهل الدين ولا من أهل الملة. فقال رحمه الله تعالى: وهكذا لو اعتقد بقلبه، ولو لم يتكلم، أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بصادق، أو أنه ليس بخاتم الأنبياء، وهذا كذلك قد صار، بل بنص القرآن، بنص القرآن. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ هنا مسألة، يعني بداية الآية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ﴾ نشهد شهادة حق بأنك رسول الله، طيب في آخر الآية أخبر ربنا عز وجل على أن هذه الشهادة كاذبة: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ طيب أين الكذب في دعواهم؟ الكذب في دعواهم أنهم تلفظوا بالشهادة، لكنها من تخالف العقيدة التي في قلوبهم، العقيدة التي في قلوبهم أنهم كافرون برسول الله، كافرون برسول الله عليه الصلاة، ولو قالوها بألسنتهم: أنت رسول الله، لكن في قرارة أنفسهم: لا، ما أنت برسول، ولا أنت بنبي، ولا شيء من ذلك. فعاملهم الله بما كان في اعتقاداتهم. وبهذا تعلم يا عبد الله خطورة العقيدة، أن الإنسان لربما يعني يفعل أشياء، لكن عقيدته على خلاف فعله، فالحساب على العقيدة. وهنا لفتة لابد أن أشير إليها، وهي أن بعض الناس لربما يختلط عليه الأمر هذا الباب بباب خطرات الأنفس، يعني أحيانا الإنسان منا قد يقع له هاجس بينه وبين نفسه يتفكر يعني الجنة والنار، وإن الجنة وإن النار، ما حين ذرنا الأفلاك، وها هي وكالات الفضاء ناسا وغيرها تجوب الكون برمته، وإن الجنة وإن النار، فتبقى عنده شيء من خطرات النفس، أو البعث والنشور، وإخراج من في القبور، أو ما يسمى بالحياة الأبدية السرمدية، فلك يزال الإنسان أحيانا تأتيه مثل هذه الخطرات. طيب هذه الخطرات، هل هذه عقيدة مؤداها كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنك بها تخرج من الدين والملة وتحبط جميع الأعمال؟ الجواب: لا، فرق بين الاعتقادات وبين الخطرات. الاعتقاد الذي نحن نتحدث عنه هو عبارة عن شيء يعتقده الإنسان، وقد أشرنا من أوائل الدرس أن العقيدة مأخوذة من العقد، وهو الربط والشدة والتوثيق بإحكام. عقيدة ما تنفك، فهو أمر مستقر قلبي، ويسميها علماء التربية مسألة الاعتقاد، يسمونها بقول القلب، بقول القلب، ويكأن القلب يتكلم، هذه عقيدته، وهو عزمه. أما خطرات النفس فهي أشياء، هواجس، هواجس تهجم على القلب هجومة، وأنت ما تريدها، لكنها تهجم عليك، أفكار تدخل على عقلك، تتسلل إلى قلبك، فتشغلك بالتفكير كيف؟ لو أو ولازلت كما أخبر نبينا على أن الشيطان يأتي إلى أحدكم فيقول له: من خلق السماوات؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: ومن خلق الله؟ هذا يأتي كيف؟ بداية الكون التسلسلي، أين البداية؟ يصل الإنسان، والإنسان من طبيعته يبحث عن المجهول، يبحث عن المجهول، وكل شيء يريد أن يكون له معقول يعقله، لا، ليس كل شيء، أحيانا تأتي هذه الخاطرة: ومن خلق الله؟ يعني من وحي الشيطان. فأمرك نبينا، وهذا هو الأمر الذي ينبغي أن تكون مع كل خاطرة، أنك لا تسترسل معها، اقطعها، اقطعها. جاءك التشكيك حول الجنة، التشكيك حول القبر، التشكيك حول البعث والنشور، إلى غير ذلك مما أشار إليه المؤلف، إذا هجمت عليك هذه الخطرات، اقلعها مباشرة، وقف عندها، وجاء في بعض روايات: «فليتعوذ بالله من الشيطان»، وفي بعض الروايات يقول: «آمنت بالله وبرسوله»، أو قم، قم من هذا المكان. وإذا رأيت أن الخلوة بنفسك تجلب عليك هذه الخطرات، فلا خير فيها، اخرج، يجلس مع الناس، اشتغل بذكر الله، بقراءة القرآن، ولا تسترسل معها، الاسترسال الآن هي خطرة، لكن غدا ستكون عقيدة، هنا سيكون عليها الحساب والعقاب. فالشاهد إخواني في الله ينبغي التفريق في هذا المقام بين الخطرات وبين الاعتقادات. قال رحمه الله تعالى: وهكذا لو اعتقد بقلبه، ولو لم يتكلم، أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بصادق، أو أنه ليس بخاتم الأنبياء، وأن بعده أنبياء، كمن يقول بتصديق مدعي النبوة، أو اعتقد أن مسيلمة الكذاب نبي صادق، فإنه يكون كافرا بهذه العقيدة. هذه الأشياء قد لا يعلم بها أحد، بينك وبين نفسك، لكن أنت أصررت عليها، وجعلتها عقيدة، هذه عقيدة كفرية، ولو عاملك الناس على أنك مسلم. ألا لا تنخدع يا عبد الله بهذا، ولا تخدع نفسك، الله عز وجل مطلع على ما في جنبك من هذه العقائد الفاسدة، كما كان حال المنافقين، المنافقين مع رسول الله في مسجده، مع مدخله في مخرجه، وهم في الدرك الأسفل من النار، لم يشفع لهم شيء من هذه الأعمال، وهذه الأقوال لم تشفع لهم، العبرة بالعقيدة. قال: واعتقد بقلبه أن نوحا أو موسى أو عيسى أو غيرهم من الأنبياء عليهم السلام أنهم كاذبين، أو أحدا منهم، إما بمجموعهم أو طعن في واحد منهم، هذا كفر، وإن لم يصرح بهذا، وإن لم يصرح، بل يعتقد هذا، يعتقد في نبي من أنبياء الله الكذب في دعوة، ولهذا من صميم عقيدة المؤمن: الأنبياء والرسل لا نفرق بين أحد منهم، لا نفرق، كلهم في مقام الصدق والنبوة والرسالة. قال: هذه ردة عن الإسلام، أو اعتقد أنه لا بأس بأن يدعى مع الله غيره، كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس أو الكواكب أو غيرها، إذ اعتقد بقلبه ذلك صار مرتدا عن الإسلام؛ لأنه داع زعم وظن أن غير الله يدعى، أن غير الله يدعى، غير الله بإمكانه كشف الكروب، وهداية القلوب، وعنده علم الغيوب، إذ اعتقد هذا بقلبه، فهذا كافر. قال: إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مرتدا عن الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن ما يدعون -ما اسم موصول وهي من ألفاظ العموم- كل ما يدعى من دون الله عز وجل هو باطل، باطل كائنا من كان: ملكا مرسلا، ملكا منزلا، أو نبيا مرسلا، أو صالحا من الصالحين، أو صنم أو شجر، كما سيأتي، كل ذلك باطل. وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وإلهكم أي: معبودكم، معبودكم الذي يعبد هو الله وحده سبحانه وتعالى؛ لأن المألوم بمعنى المعبود، أي: الذي يعبد، والدعاء عبادة كما جاء ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا أحد يعبد بعبادة الدعاء إلا الله سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إياك نعبد، هذه الآية فيها ناحية بلاغية وهي تقديم محقه التأخير، ويفيد الحصر، ومعنى إياك نعبد: أي لا نعبد إلا إياك يا رب، لا نعبد إلا أنت، ما هناك أحد يستحق العبادة إلا الله. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وهذه الآية من أوضح الآيات في تفسير لا إله إلا الله: لا تعبدوا إلا إياه، هي هي لا إله إلا الله، أي: لا معبود سوى الله؛ لأنك تذهب أنه لا خالق إلا الله، أو لا رازق إلا الله، أو لا محيي، ليس هذا التفسير الصحيح، تفسير القرآن: أن لا إله إلا الله أي لا تعبدوا إلا إياه سبحانه. قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ فادعوا الله، الدعاء حق محض لله، لا ينازعه أحد، وهذه القصلة منك يا موحد من أعظم الخصال التي يكرهها الكافر، الكفار والمشركون على شتى صورهم ومللهم ونحلهم، ما حنقهم شيء كحنقهم على المسلم إذا رأوه يدعو الله وحده. لهذا أنت موحد، وما سواك مشرك، معدد. وقد ذكر ربنا عز وجل حال الكافر بقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يغيظهم هذا جدا، يغيظهم جدا إذا رأوك أنك متصل بالله بدعائه، لكن إذا رأاك الكفار أنك من أهل الشرك، من أهل الأصنام والأوثان، من أهل التعلق بالأحياء والأموات، هان هذا الأمر عليهم؛ لأنك أصبحت أنت وإياهم سواء، أصبحت أنت وإياهم سواء، وهذا الذي يريده الكافر أن تكون وإياهم سواء في الكفر والشرك، وأن لا تتميز عنهم بوحدانيتك لله. فالإنسان الموحد يعلم أن من أعظم مقامات الدين التي يرتفع إلى رب العالمين، وبه يحوز على غضب الكافرين، أن تكون موحدا، وخاصة في باب الدعاء: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لا أحد يشرك مع الله في عبادته كائنا من كان، وبغض النظر عن هذه العبودية، فإلا كان من أهل الشرك بنص القرآن، ولئن أشركت تكون مشركا. ثم قال رحمه الله تعالى: فمن زعم أو اعتقد أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره من ملك أو نبي أو شجر أو جن أو غير ذلك، فهو كافر، ودليل ذلك أيضا ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ لا تشرك كائنا من كان. قال رحمه الله تعالى: وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافرا بالقول والعقيدة، وإن فعل ذلك ودعا غير الله، واستغاث بغير الله، صار كافرا بالقول والعمل والعقيدة جميعا، نسأل الله العافية والسلامة. إذن الكفر قد يتراكم، إنسان اعتقد أن غير الله يعبد، أن غير الله يدعى، هذا كفر، شرك، شرك. إذا رأى أن ذلك يمكن ويجوز، طيب إذا قام هو بعد اعتقاده وقال ودعا غير الله: دعا عزير، دعا المسيح، دعا صنم، دعا وثن، إذن وقع في القادح العقدي والقولي، طيب لو أنه مع هذا وذاك شد الرحل وتحرك بمركوبه، ونقل الأقدام والخطى إلى تلك الأماكن ليفعل هذا الفعل، فهذا جمع بين القادح العملي والقادح القولي والقادح العقدي، فهو كفر بعد كفر بعد كفر، أو قل: ردة بعد ردة بعد ردة، فالكفر يتفاوت. فنقف إلى هذا الحد، وبقي كلام المؤلف رحمه الله تعالى حول مسائل الردة العقدية تترك إن شاء الله إلى درس العصر. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.