فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 4

الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفسير آية الصيام والقراءات المختلفة

تناول المقطع تفسير آية وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، وذكر القراءات المختلفة للآية. ذهب الجمهور إلى نسخها بآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه.

أقوال العلماء في نسخ آية الصيام

ذهب الراجح إلى أن الآية منسوخة في حق الصحيح المقيم، وباقية في حق الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام. يوجد خلاف حول وجوب الإطعام على الكبير في السن.

النسخ في القرآن وتفسير آيات التقوى

يناقش آراء العلماء حول نسخ آية اتقوا الله حق تقاته وعلاقتها بآية فاتقوا الله ما استطعتم. الآية ليست منسوخة بل مخصصة بآية فاتقوا الله ما استطعتم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السيوط، رحمه الله، في منظومته في الناسخ والمنسوخ من القرآن: وحرمة الأكل بعد النوم من رفث، وفدية لمطيق الصوم مشتهر، قوله: فدية لمطيق الصوم مشتهر. قال الشارح -حفظه الله- يريد قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾. ذكر من العربي في أحكام القرآن أن في الآية قراءات؛ قرئ: يطيقونه، بكسر الطاء وإسكان الياء، وقرئ بفتح الطاء والياء، وقرئ بفتح الطاء والياء وتشديدهما، وقرئ كذلك بتشديد الياء الثانية، وقرئ كذلك بتشديد الياء الثانية، لكن الأولى مضمومة: يطيقونه، وقرئ: يطوقونه. والقراءة هي القراءة الأولى؛ يعني: يطيقونه، وما وراءها وإن رويت وأسندت، فهي شواذ. والقراءة الشاذة لا ينبني عليها حكم؛ لأنه لم يثبت لها أصل، كما ذكر من الجزر، رحمه الله، في شروط فبوط القرآن، في قوله، رحمه الله: وكل ما وافق وجها نحويًا، وكان للرسم احتمالًا يحوي، وصح إسنادًا، هو القرآن؛ فهذه الثلاثة الأركان. فما لم يثبت في المصحف، ولم يصح إسناده، أو لم يوافق وجهًا نحويا، فلا يعد من القرآن. قال: فإن قراءة كافة المسلمين: وعلى الذين يطيقونه، وعلى ذلك خطوط مصاحفهم، وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافها؛ لنقل جميعه تصويب ذلك قرنا عن قرن. وكان ابن عباس يقرأها، فيما روي عنه: وعلى الذين يطوقونه. انتهى كلامه، رحمه الله. يعني أن هذه القراءة هي المعتمدة المثبتة في المصحف: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. ذكر القرطبي في تفسيره، عن ابن عباس، وعائشة، وطاوس، وعمر بن دينار: يطوقونه، بفتح الياء وشد الطاء: يطوقونه، مفتوحة، وهي صواب في اللغة؛ لأن الأصل يتطوقونه؛ يعني يطوقونه. قرأها ابن عباس، وعائشة، وطاوس، وعمر بن دينار: يطوقونه. قال: وهي صواب في اللغة؛ لأن الأصل يتطوقونه، فأسكنت التاء، وأدغمت في الطاء، فصار الطاء مشددة. وليست من القرآن، خلافًا لمن أثبتها قرآنًا، وإنما هي قراءة على التفسير. انتهى كلامه، رحمه الله. يعني: قراءة تفسيرية: يطوقونه؛ يعني: يتكلفونه ويتحملونه. قال: أقوال العلماء في هذه الآية، ذكره ابن جرير، أربعة أقوال؛ يعني: هل هي منسوخة أو غير منسوخة؟ قال: الأول: أن ذلك في أول الإسلام، ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامه، وإن شاء أفطره وافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا؛ يعني: كان فرض الصوم في أول ما فرض على التخيير؛ كان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر، وإن كان يطيق الصيام ويستطيع الصيام، فله أن يفطر ويطعم بدل الصيام. قال: وإن شاء أفطره وافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نسخ ذلك؛ أي: نسخ هذا الحكم. وذهب إلى هذا القول: معاذ بن جبل، مع قوله بثبوت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، وهكذا عطاء، ومن شهاب. وقال بالنسخ كذلك: من أبي ليلى، وعلقمة، وإبراهيم، والحسن البصري، والأعمش، ومن عمر، والشعبي، ومن عباس، وسلمة بن الأكوع، وعبيدة، والضحاك. بل رواية هذا القول عن الجمهور: القول بالنسخ الآية؛ هو قول الجمهور من أهل العلم. قال: روى البخاري، عن سلمة بن الأكوع، قال: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين؛ كان من شاء صام، ومن شاء أفطر، فنسختها الآية التي بعدها. فنسختها الآية التي بعدها؛ فمن شهد منكم الشهر فليصمه؛ أي: قوله جل وعلا: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾؛ هذه ناسخة لآية التخيير؛ لأن قوله جل وعلا: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾؛ فيه إلزام؛ فيه إلزام بالصيام، وأن من شهد الشهر وجب عليه أن يصوم؛ إذا كان مطيقًا للصيام. فهذه الآية ترفع الحكم الأول، وهو حكم التخيير في الصيام وتركه مع الإطعام. قال: الثاني: أنهم حكم خاص للشيخ الكبير والعجوز الذين يطيقان الصوم؛ كان مرخصًا لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكين، ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾؛ عندكم الفاء الساقطة: فليصمه؛ فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب؛ إلا أن يعجزا عن الصوم؛ فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبل النسخ ثابتًا لهما حينئذ بحاله. وذهب إليه: ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والربيع. هذا القول الثاني: أن هذا الحكم خاص للشيخ الكبير والعجوز الذين يطيقان الصيام؛ يعني: يستطيعان أن يصوما، لكن الصوم ليس في حقهما متحتمًا، بل لهما أن يفطرا ويطعمًا، ثم نسخ هذا الحكم الخاص بهما بقوله جل وعلا: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصم﴾؛ فصار الصيام في حقهما لازمًا، كالذي يطيق الصيام من الشباب؛ إلا أن يعجزا عن الصيام؛ فيكون في حقهما الإطعام بدل الصيام. القول الثالث: قال: إنه لم ينسخ ذلك، ولا شيء منه، وهو حكم ثبت من لدن نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة. وقالوا: إنما تأويل ذلك؛ يعني: تأويل الآية وتفسيرها: على الذين يطيقونه، وفي حال شبابهم وحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم؛ إذا مرضوا وكبروا، فعجزوا عن الصوم، فدية طعام مسكين؛ لا أن القوم كان رخص لهم في الإفطار، وهم على الصوم قادرون؛ إذا افتدوا. وذكر هذا القول عن السدي، ومن عباس أيضًا، وسعيد بن المسيب. هذا القول الثالث: أن هذا الحكم لم ينسخ؛ أن هذا الحكم لم ينسخ، وأن الآية محكمة، وأن المراد منها: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين؛ يعني: هذا إذا كانوا في حال شبابهم وقوتهم، وفي حال صحتهم؛ أنهم يصوموا، فإذا مرضوا أو كبروا، فعجزوا، فإنهم يفدون بدل الصيام؛ هكذا فسروا الآية. قال: الرابع: من قرأ: وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين. وقالوا: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز، الذان قد كبُرا عن الصوم؛ فهما يكلفان الصوم، ولا يطيقانه؛ فلهما أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم؛ منذ نزلت، لم تنسخ. وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة. وذكر هذا القول عن ابن عباس أيضًا، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعائشة، وعطاء، ومجاهد، وعلي، وطاووس، والضحاك؛ يعني: القول الرابع: أن الآية هي في حق الكبير في السن، الذي لا يطيق الصيام؛ فله أن يفطر ويطعم. وجعلوا الآية محكمة، غير منسوخة؛ أن الآية محكمة، غير منسوخة، وهي في حق الكبير في السن، الذي يعجز عن الصيام؛ فإنه يفطر ويطعم. قال: والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول: أنها منسوخة. وهذا القول -كما سمعنا- هو قول جمهور أهل العلم؛ أنها منسوخة في حق الصحيح، القادر على الصيام؛ فالصحيح القادر على الصيام يلزمه أن يصوم، وليس له تخيير، وليس عنده عذر بالفطر؛ كمرض أو سفر أو نحو ذلك؛ فإذا كان كذلك، واجب عليه أن يصوم. قال: وباقي في الشيخ والشيخة؛ إذا لم يطيقا الصيام؛ فيفطرا ويطعما؛ يعني: وجوب الفدية بدل الصيام؛ هذا الحكم ثابت في حق الكبير في السن. قال: وهما ذهب إليه: معاذ بن جبل، وعطاء، وابن شهاب، وابن عباس، وغيرهم. ورجحه ابن كثير، رحمه الله. قال في تفسيره: فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم؛ بإيجاب الصيام عليه، بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. وأما الشيخ الفاني الهرم، الذي لا يستطيع الصيام؛ فله أن يفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن من القضاء؛ الشيخ الكبير، الرجل الكبير في السن، والمرأة العجوز؛ هو ما يطيق الصيام، وما يستطيع أن يصوم؛ يعني: يشق عليه مشقة عظيمة أن يصوم؛ فهذا يفطر، ولا يجب الصيام في حقه؛ لماذا؟ لأنه لا يستطيع، والله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها. ولا يجب عليه القضاء؛ لأنه أصلا ما يستطيع الصيام؛ حتى نقول: تقضي هذه الأيام التي أفطرتها. قال: ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينًا؟ إذا كان ذا جدة؛ يعني: عنده استطاعة أن يطعم بدل الصيام؛ هل يجب عليه أن يطعم أم لا؟ هذه مسألة خلافية؛ هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم. قال: فيه قولان للعلماء؛ أحدهما: لا يجب عليه الإطعام؛ لأنه ضعيف عن الصوم؛ لسنِّه؛ أي: لكبر السن؛ فلم يجب عليه فدية؛ عندنا الصبي الصغير؛ كالصبي الصغير؛ يعني: كالصبي الذي يفطر؛ لا يجب عليه الصيام، ولا فدية عليه؛ الصبي إذا أفطر؛ ليس عليه فدية؛ فكذلك قالوا: بأن الكبير في السن، الذي يعجز عن الصيام؛ يفطر، ولا فدية عليه؛ ولا فدية عليه؛ كالصبي الذي يفطر؛ ولا فدية عليه. قال: لأن الله لم يكلف نفسًا إلا وسعها؛ وهو أحد قولي الشافعي. قال: والثاني: وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء؛ بل هو قول جمهور أهل العلم؛ أنه يجب عليه فدية عن كل يوم؛ يعني: اليوم الذي يفطره؛ يطعم بدل الصيام. قال: كما فسره ابن عباس، وغيره من السلف؛ على قراءة من قرأ: وعلى الذين يطيقونه؛ أي: يتجشمونه؛ كما قال: ابن مسعود، وغيره؛ وهو اختيار البخاري؛ فإنه قال: فإن الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام؛ فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين؛ عن كل يوم مسكينًا؛ خبزًا ولحمًا، وأفطر. انتهى كلامه، رحمه الله. إذا الراجح بالآية أنها منسوخة في حق المطيق للصيام، والحكم باق في حق الكبير في السن، الذي لا يستطيع الصيام؛ فإنه يفطر، ويطعم بدل الصيام؛ عن كل يوم مسكينًا. فإن قال قائل: قراءة يطوقونه؛ قراءة شاذة؟ قلت: وإن كانت شاذة؛ لأنها لم تذكر في المصحف؛ فقد نبه القرطبي -كما مر- أنها قراءة موافقة للغة، وهي تفسيرية. نعم، قراءة يطوقونه؛ وهي وإن كانت شاذة؛ لكنها قراءة موافقة للغة؛ قال: وهي تفسيرية؛ ويؤيدها ما ثبت عن الصحابة من القول بمقتضاها، والعمل بها؛ والعمل بها؛ كما ثبت عن معاذ بن جبل، وأنس، ومن عباس، ومن مسعود؛ وهو قول أكثر أهل العلم؛ كما ذكر ابن كثير. والله أعلم. قال: وأما من ذهب إلى أنها محكمة؛ وليست منسوخة؛ فليس بصحيح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ فدل هذا أنه في حق من كان قادرًا على الصيام؛ ولو كانت في الشيخ الكبير، الذي لا يطيق الصيام؛ لم يناسب أن يقال له: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ مع أنه لا يطيق الصيام؛ يعني: من قال: بأن الآية محكمة؛ لم تنسخ؛ يجاب عن قولهم هذا مما يدل على ضعف قولهم؛ أن الله عز وجل قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ بعد أن ذكر التخيير؛ قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ فإذا قلنا: بأن هذه الآية غير منسوخة، وأنها محكمة؛ فالذي لا يطيق الصيام؛ كيف يقال له: أن تصوم خير لك؟ وهو أصلا ما يستطيع أن يصوم؛ لا يستطيع أن يصوم؛ دل هذا على أن هذا الحكم منسوخ؛ وهو الصحيح. قال، رحمه الله -أو قال المصنف، رحمه الله-: وحق تقواه فيما صح من أثر. قال الشارح -حفظه الله- يريد قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾؛ يعني: أن هذه الآية؛ اختلف: هل هي منسوخة أم محكمة؟ الأمر بتحقيق تقوى الله جل وعلا؛ بأن يأتي العبد بالأوامر والواجبات على أكمل وجهها؛ من غير تقصير في شيء منها. قال: قيل: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ أي: أن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾؛ أن الله عز وجل أمر بتقواه بقدر الاستطاعة؛ والآية الأولى فيها مطلق الإتيان بتقوى الله؛ من غير تقييد بالاستطاعة. وقيل: بل هي محكمة. ذهب إلى أنها منسوخة: قتادة، والربيع بن أنس، والسدي، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وغيرهم؛ كما ذكر ابن كثير في تفسيره. وذكر القرطبي في تفسيره، عن مقاتل؛ أنه قال: ليس في آل عمران من المنسوخ شيء؛ إلا هذه الآية. قال: وذهب إلى عدم النسخ: ابن عباس، وطاووس. قال، رحمه الله: هي لم تنسخ، ولكن حق تقواه: أن تجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط؛ يعني: بالعدل؛ ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره. قلت: والصحيح عدم النسخ؛ وأن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ مخصص ومبين لعموم الآية: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾؛ أي: بقدر طاقتكم واستطاعتكم؛ يعني: الآية: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾؛ هذه عامة؛ هذه عامة؛ أنك تتقي الله جل وعلا فيما أمر؛ على أكمل وجه؛ وتأتي بالواجب على أكمل وجهه؛ من غير تقصير في شيء منه. فقوله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ هذه مبينة لهذه الآية، ومخصصة لعمومها؛ يعني: اتقوا الله حق تقاته؛ بقدر استطاعتكم؛ بقدر استطاعتكم؛ وما لا تستطيعونه؛ فلا حرج عليكم. إذن الآية: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ مخصصة ومبينة لعموم الآية: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾؛ وليست ناسخة؛ لماذا؟ لأنها لم ترفع حكم الآية؛ يعني: هل نقول: اتقوا الله حق تقاته؛ رفع حكمها؛ رفع هذا الحكم؛ أننا ما نتقي الله عز وجل حق التقوى؟ لا؛ نحن مأمورون بذلك؛ والآية ما زالت محكمة؛ أننا مأمورون بتقوى الله عز وجل حق التقوى؛ لكن هذا مقيد بالاستطاعة؛ بقدر استطاعتنا؛ وبقدر طاقتنا؛ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها؛ لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. قال: والنسخ لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع؛ يعني: إذا ما أمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين؛ هنا نذهب إلى النسخ؛ وننظر: المتأخر، والمتقدم. أما مع إمكان الجمع؛ فحينئذ لا يصار إلى النسخ؛ بل يجمع بين الدليلين؛ لأن الجمع بين الدليلين: إعمال لكلا الدليلين؛ والنسخ: إهمال لأحدهما؛ والجمع لإعمال كلا الدليلين؛ أو لا. قال: والجمع هنا ممكن؛ وهذا ما رجحه القرطبي في تفسيره. ولعل مراد من قال بالنسخ؛ أراد المعنى العام؛ الذي هو البيان والتخصيص؛ كما مر التنبيه على ذلك؛ أي: في المقدمة؛ يعني: قول من قال بالنسخ؛ لعلهم أرادوا المعنى العام؛ لا معنى النسخ عند المتأخرين؛ وإنما بمعنى التخصيص والبيان؛ ويكون بمعنى التخصيص والبيان؛ وهو الذي تدل عليه الأدلة. إذن الآية: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾؛ الصحيح أنها محكمة؛ غير منسوخة؛ وأن قول الله عز وجل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ مخصص ومبين لعموم هذه الآية. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.