الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
العمل الصالح من أعظم أسباب جلب الأرزاق، حيث يتكفل الله بأرزاق الجميع ويعظم العطاء للمسلمين الطائعين. أداء الفرائض والواجبات سبب لجلب الأرزاق.
العمل الصالح له جزاء في الدنيا والآخرة، حيث يجلب الرزق ويجعل الحياة طيبة. الإقبال على طاعة الله يسبب سداد الفقر وغنى القلب.
التعبد لله تعالى يعتبر من أعظم أسباب جلب الأرزاق، وليس الرزق مقصورًا على المال الكثير. من أقبل على الله بالطاعة يرزقه الله رزقًا وفيرًا.
المقطع يتضمن دعاء الله تعالى أن ينفع بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر التوجه الديني والاحترام للنبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مما يذكر إخواني في الله من الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق، وقد مضى معنا ما يتعلق بالتوكل على الله، وهكذا الإقبال على الله بالدعاء، ما نذكره في هذا المقام من الطاعات والعبادات والإقبال على الله بالأعمال الصالحات. العمل الصالح بشكل عام، كونك تحرص على أداء ما أمر الله جل وعلا به من فرائض وواجبات، وأن تقبل على الله بالسنن والنوافل والمستحبات، قيامك بالطاعات سبب من أعظم أسباب جلب الأرزاق. ينبغي أن نعلم إخواني في الله أولًا بأن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بأرزاق الجميع، ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾، دابة بمعنى تدب على وجه الأرض، يدخل في ذلك الإنس والجن والطير والحيوان، وهكذا كل مخلوق يدب على وجه الأرض، رزقه على ربه سبحانه وتعالى. كل هذه العوالم تدخل تحت رزق الله، وهنا تتجلى آثار رحمة الله، إذ أن الله جل وعلا رزق كذلكم الكفار، الكافر العنيد المجرم الزنديق الذي أعلن كفره وزندقته، وها هو يمشي في الأرض ذهابًا وإيابًا، رزقه على من؟ رزقه على ربه، الله يرزقه. إذا كان الأمر كذلك إخواني في الله، أن هذه المخلوقات والعوالم رزقها الله، فما ظنكم إذا كان هذا العبد من عباد الله الموحدين المسلمين الطائعين الحريصين على طاعة الله في الأعمال الظاهرة والباطنة؟ كيف تظنون أن الله سيعاملهم في باب الرزق؟ إذا كان هو جل في علا رزق الكافر، فكيف برزقه للمسلم؟ لا شك ولا ريب أن الله سيعظم له الطلب ويعظم له العطاء. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا، قال: «يا مريم أنى لك هذا»، قالت: «هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب». فالإنسان متى ما علت منزلته في باب العبودية والطاعة والعبادة والأعمال الصالحة، فالله جل وعلا يكثر له العطاء ويغدق عليه الأرزاق، يرزق من يشاء سبحانه. وقد جاءت الأدلة الدالة على أن هذا السبب من الأسباب العظيمة في جلب الأرزاق، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة»، لا يظلم مؤمنًا حسنة، الله عز وجل لا يسلبك يا عبد الله أن يعطيك جزاء حسنة، حسنة واحدة. وهذه الحسنة من أين نأتي بها؟ نأتي بها من طاعاتنا، من عباداتنا، من الفرائض والواجبات، وكل ما تفعله من ورد وذكر وخير يجلب عليك حسنات. قال نبينا: «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجازى بها في الآخرة»، يعطى بها في الدنيا ويجازى بها في الآخرة. في رواية: «يعطى بها في الدنيا بدلًا عنها، يثاب عليها رزق في الدنيا، ويعطى له في الآخرة». فدل هذا الحديث وأصله في صحيح مسلم على أن ما من عمل صالح تعمله يا عبد الله إلا وأعطاك الله عز وجل جزاءين اثنين، جزاء معجل في الدنيا وجزاء مؤخر مؤجل في الآخرة. معجل تجده أمام ناظريك، تجد أثر الطاعة والعبادة والحسنة في دنيا. ومن هنا نعلم إخواني في الله، وينبغي أن نعلم هذا جميعًا معاشر المسلمين والمسلمات، ليس فقط أن ثواب العمل الصالح يكمن في الآخرة، يكمن في الآخرة، يكمن فقط في الدخول للجنان والمنع من النيران ونيل مغفرة الرحمن، ليس هذا فقط، بل من فضيلة الحسنة والعمل الصالح ما تجده يا عبد الله في دنياك من هذه الأرزاق. الآن الواحد منا إخواني في الله لربما يجد أن الله يعطيه، يعطيه من أين يأتيك هذا الرزق؟ لك ذهب بعيدًا، لربما هذا الرزق الذي حباك الله جل وعلا به إنما كان لصلاتك، لصيامك، لقيامك، لذكرك، لحرصك على الخير، لو لهذه الأعمال الصالحة لكالك شأن آخر. قال الله عز وجل: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، الحياة الطيبة يكون بالعمل الصالح، وهذه الحياة الطيبة قال العلماء: تكون في الدنيا وتكون في الآخرة. الشاهد إخواني في الله أن نعلم أن الأعمال الصالحة سبب من أسباب تحصيل الأرزاق، ويؤيد هذا المعنى أيضًا ما جاء في السنن من حديث أبي هريرة، قال: قال عليه الصلاة والسلام -وهو حديث قدسي-: «قال الله يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسد فقرك». متى يكون سداد الفقر؟ إذا أقبلت على طاعة الله، وأعظم ما نقبل عليه إخواني في الله الفرائض والواجبات، وكل ما أمر به المولى جل وعلا. ثم قال الله: «وإن لم تفعل»، إن همت في الدنيا على حساب أنك تتجاهل الطاعات والعبادة، «ملأت يديك شغلًا»، شغل كثير. قد يقول قائل: إذا كان الذي نحدث عنه حول أن من أعظم ما تستجلب به الأرزاق ما يكون من الأعمال والطاعات والعبادات، فلماذا نجد أن من بعض المصلين والذاكرين ومن بعض أهل الإحسان من أهل التقى والورع أنهم من أفقر خلق الله، فقراء؟ أين رزق الله؟ ألا ترون أنكم تدعون على أن الرزق يستجلب بالطاعة والعبادة، وهؤلاء هم في الطاعة والعبادة ولا زال الفقر فيهم؟ الجواب إخواني في الله قد مضى معنا ما هو الرزق، الرزق ليس مال، الرزق ليس مالًا، بل حتى في الماء. قد مر معنا حديث أبي هريرة: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى»، وقال: «وأجعلك ثرية»، لا وأسد فقرك، أبشر ما سيأتيك الفقر، سيحبيك الله جل وعلا بستر الحال، ستر الحال رزق. ما تحتاج إلى أنك تسأل أو أنك تشحت أو أنك تطلب أو أنك تغسل ماء وجهك أمام الأبواب وأمام من يتصدق عليك بالكثير والقليل، ما تحتاج إلى هذا، تكفل الله بأن يستر حالك، هذا رزق. أو ما يكون من عموم الأرزاق كما قلنا، لربما رزقك الله البركة في هذا الرزق، البركة في هذا القليل. كم والله رأينا من الناس من لربما يشتغل في مهن ضعيفة في المجتمع، حتى يتساءل الشكوك: كيف يعيش هذا؟ كيف يعيش؟ الأمور تعقدت، الأمور تعقدت، واللوازم كثرت، وهذا يشتغل على بسيط أو على حمل أو على شيء يرفع لشيء، كيف؟ وما عسى أن يستلم؟ وما يعود لأهله بالمال؟ لكنها البركة، يبارك الله فيه باله، لا يحتاج إلى أحد. بينما ذاك الذي لربما يستلم -تعلمون هذا ونعلم- والله لأقول من يستمع المئة والمئتين والأربع والخمس مئة ألف شهريًا، ومع ذلك الهموم والديون أمامه ما تفارقه، سل غيري، سل كثير من الناس سيجيبك بهذا. حين تعلم يا عبد الله أن من باب الرزق عباد الله الصالحين أن الله جل وعلا يبارك له في القليل، هذا رزق من رزق الله لعباده الصالحين، ستر الحال من رزق الله لعباده الصالحين، اطمئنان البال، ينام وهم منشرح الصدر، ما هناك هم ولا غم ولا ضيق ولا حرج. كما قال بعض السلف: «نحن في نعمة لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بسيوف، قاتلون على هذه الراحة»، من سيجد هذه الراحة؟ ما يجدها إلا من أقبل على الله بالطاعة والعبادة، هذه أرزاق. فينبغي أن نفهم عندما نذكر مثل هذه المسائل على أن من أقبل على الله يعطيه الله جل وعلا الرزق ويغدق عليه بالأرزاق، ليس من شرط الرزق أن يكون مالًا كثيرًا وفيرًا، لا، وقد مر ذلك في أوائل أخطاء الناس في فهم الأرزاق. كل ما مضى ذكر إخواني في الله رزق، الواحد منا يتقلب فيه ليل نهار، لو تفطن لذلك لو الله لما فتئنا من شكر ربنا وحمده ليل نهار. فالحاصل إخواني في الله أن هذا السبب الثالث من أعظم أسباب جلب الأرزاق، ألا وهو التعبد لله، وهذا الباب قد ذكرنا بعمومة، وسندخل في خصوصه، وذلك أن هناك من العبادات ما جاءت تنصيص عليها أن هذا السبب للرزق، وهذا مما سنرجئ الكلام عليه بإذن الله في دروس قادمة في هذه السلسلة في تتبع العبادات التي جاءت تصريح فيها أن من كان من أهلها بشره الشرع الكريم بالرزق الوفير. أسأل الله، أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.