الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 4

الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 4

الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التوكل على الله وعلاقته بالأرزاق

التوكل على الله سبب لنيل الأرزاق، وقد دلت الأدلة على أن من يتوكل على الله حق التوكل يرزقه الله. التوكل يكفي العبد في أموره ويغدق عليه بالأرزاق.

حقيقة التوكل وأهمية الأخذ بالأسباب

التوكل على الله لا يعني إهمال الأسباب، بل هو صدق الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب. التواكل هو ترك الأسباب والاعتماد على الله وحده دون سعي.

التوكل الحقيقي وتحقيق التوازن بين الأسباب والاعتماد على الله

التوكل الحقيقي يكون بالعمل بالأسباب مع تعليق القلب بالله، ويجب الأخذ بالأسباب مع عدم الاعتماد عليها وإنما الاعتماد على الله سبحانه وتعالى.

خاتمة الدرس والدعاء للتوفيق

يختتم الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد، ويشير إلى أن بعض النقاط ستتم مناقشتها لاحقًا.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من المباحث التي توقفنا عندها ونحن في هذه الدروس المتعلقة بمباحث الأرزاق، ما أشرنا إليه من أن الأرزاق يكون نيلها بعدة أسباب، إما بأسباب مادية وإما بأسباب شرعية. وأشرنا إلى ما عليه أهل الإسلام من الحرص على أن يتصفوا بالإيمان بالغيب، وذلك من خلال التعرف على الأسباب الشرعية التي يكون بها نيل الأرزاق. وها نحن في مثل هذه الدروس، إخواني في الله، وما بعدها سنعرج على بعض الأسباب التي ذكرها ربنا في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وهي مما تستجلب بها الأرزاق. ومما أذكره من هذه الأسباب في هذا المقام أولا، ما يكون من التوكل على الله جل في علاه. التوكل على الله جل في علاه، بمعنى تفويض الأمر إلى الله، سبب عظيم من الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق. قال الله جل في علاه: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، حسبه بمعنى أن الله كافيه، كافيك في ماذا؟ كافيك في هذا الأمر الذي أنت توكلت به على الله. وكل بحسبه، فمن توكل على الله في باب الرزق، فالله جل وعلا يكفيك هذا الباب. ومن توكل على الله جل وعلا في باب الحماية والحراسة، فالله يكفيك والله جل وعلا يحميك. ومن توكل على الله جل وعلا في باب النصرة والتمكين، فالله جل وعلا حسبك، هو ناصرك سبحانه وتعالى، وعلى هذا فقس. ومن يتوكل على الله فهو حسبه، أي حسيبك في هذا الأمر الذي أنت توكلت به على الله جل في علاه. فالله سبحانه وتعالى لن يرد عبدا كفاه، وهكذا توكل عليه ورجاه سبحانه وتعالى. وبما أننا نتكلم هاهنا عن باب الأرزاق خاصة، قد دلت الأدلة على أن من توكل على الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا يغدق عليه بالأرزاق. وذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». في هذا الحديث العظيم، إخواني في الله، الفائدة التي نرجوها من هذا السبب الشرعي: لو أنكم لو حصل هذا منكم، تتوكلون على الله لكن حق التوكل، حق الاعتماد، حق التفويض، لكان من نتيجة ذلكم أن يرزقكم الرزق. يأتينا على قدر توكلنا على ربنا. لا رزقكم كما ترزق الطير. الطير يا عبد الله ترزق، ليس معها رواتب وليس معها وظائف، وليس معها أماكن معدة تذبح وتأتي، وإنما تجوب في أرض الله، فإذا بها تعود وقد امتلأت طعاما، امتلأت شبعا. من الذي أشبعها؟ من الذي مدها؟ من الذي رزقها؟ الله جل في علاه، حينما كانت هذه الكائنات تعتمد في مدخلها ومخرجها على ربها، رزقها الله سبحانه وتعالى. وهكذا الإنسان، فإن المسلم، إخواني في الله، إذا توكل على الله جل وعلا، وفوض أمر الرزق عليه، لا على غيره ولا على سواه، فالله سبحانه وتعالى يكفيك ويرزقك، ويمد عليك بالأرزاق الكثيرة التي لا تخطر على بال. ومن يتوكل على الله فهو حسبه. لنا عبرة، إخواني في الله، في قصة إبراهيم عليه السلام مع أهله ومع ولده، حين أمره الله جل وعلا أن يجعل أهله ويطرحهم في بطن واد، يطرحهم في بطن واد لا أنيس فيه ولا جليس. فأجلسهم وأقعدهم، ومهاجر ومهاجر، وكذلك ابنها إسماعيل، ثم وضعهم في هذا المكان القفر، في هذا المكان الفسيح لا أنيس فيه ولا جليس. ثم ول عنهم مدبرا، فما كانت من هذه المرأة التي خافت على نفسها وخافت على ولدها، وهي في هذا المكان القفر، فتشبثت بثياب إبراهيم وهو مولي عنها: يا إبراهيم لمن تتركنا؟ يا إبراهيم لمن تتركنا؟ ولا يرد لها جوابا، لأن الله ما أعطاه ولا أوحى له بشيء. فقالت حينها: «ألله أمرك بهذا؟» قال: «نعم». قالت: «اذهب فلن يضيعنا»، بما أن هذا من أمر الله فلن يضيع الله جل وعلا عباده. هذا حقيقة التوكل على الله سبحانه وتعالى، تعلم يا عبد الله أن الله جل وعلا سيسر لك الأرزاق من حيث لا يخطر لك على بال. والناس في هذا المضمار يتفاوتون تفاوتا عظيما، كما بين السماء والأرض. لكن هنا مسألة: هل معنى ذلكم أن التوكل على الله جل في علاه معنى أنك لا تأخذ بالأسباب؟ الجواب: لا، لا يفهم هذا مطلقا. بل إن حقيقة التوكل هو صدق الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب. لابد أن تأخذ بالأسباب. ولا نذهب بعيدا، لأن هذا الحديث الذي نحن الآن نستند عليه فيه لفتة إلى ضرورة الأخذ بالأسباب. ألم يقل نبينا عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله»، هذا صدق الاعتماد على الله، «لرزقكم كما ترزق الطير». السؤال: كيف ترزق الطير؟ هل الطير تبقى في أوكارها، تبقى في جحرها في عشها، ويأتيها الرزق من السماء؟ لا، ما كان كذلكم، وإنما تأخذ بالسبب، تغدو، تذهب خماصا على جوع، وتروح وتأتي بطانة على شبع. فهذا الطائر الكائن هذا أخذ بالأسباب، فهو يسعى يسعى على وجه الأرض ذهابا وإيابا، هنا الأخذ بالأسباب. وهذا حقيقة التوكل، فهناك شيء من عند الله، وشيء من عند نفسك. الذي من عند نفسك أنك تأخذ بالسبب، والشيء من عند الله أنك تعتمد عليه جل في علاه، حينها يأتي المقصود، وهو لا رزقكم، يأتين الله جل وعلا بالرزق. أما أنك يا عبد الله ترى أن من حقيقة التوكل على الله أن تجلس حيثما أنت، لا حركة ولا سعي، هذا ليس توكلا، بل هذا هو التواكل بعينه. وقد جاء أن نفرا من أهل اليمن قدموا حجاجا، لكنهم من غير زاد، من غير طعام، من غير ما رآه عمر رضي الله تعالى عنه، فسألهم، قالوا: «نحن المتوكلون». ظنوا أن حقيقة التوكل على الله جل وعلا تكون بالاعتماد عليه دون التفات ولا أخذ بالأسباب، فما تزودوا بطعام ولا بشراب. فلما سمع عمر أنه وصفوا أنفسهم بالمتوكلين، قال: «أنتم لستم بالمتوكلين، بل أنتم المتواكلون»، هذا التواكل. قال: «المتوكل هو الذي يلقي الحب في الأرض ويتوكل على الله»، هذا المتوكل، يأخذ بالسبب، يأخذ بالسبب. وقبل هذا وذاك، ما جاء في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «اعقلها وتوكل»، إذا ما أردت دابتك أن تضيع عليك، ما تفعل؟ لا تأتي بدابتك، بخيلك وبعيرك، ترسله في الأرض هكذا، وتقول: «أنا متوكل على الله»، بأن الله يحفظ لي متاعي، ثم تجعله مفلوتا في وجه الأرض، ستذهب عنك يمنة ويسرة، لا. قال عليه الصلاة والسلام: «اعقلها»، اربطها، وشد عليها الوثاق، وثم اعتمد على الله، «اعقلها وتوكل»، فلن تضيع إذا توكلت على الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال العلماء: إن ترك الأسباب قدح في العقل، هذا قدح. تخيل أن رجلا ما قال: «أنا أريد الذرية»، ونسأل الله جل وعلا الذرية، «وأنا على يقين بأن الله سيرزقني الذرية»، ثم تقول له: «أنت متزوج؟» قال: «لا، لا، ما في نية للزواج، سيأتيني الله من عنده برزق الأولاد والذرية». هذا يعقل؟ هذا سفه، هذا يكون من السفه. فلابد من الأخذ بالأسباب. كذلك مما يذكر في هذا الباب، مع أخذك بالأسباب، يا من أردت أن تتوكل على الله، خذ بالسبب على أنه سبب، فلا تعول عليه ولا تتكل عليه أو تتكأ عليه. وهذه البلية التي يبتلى بها كثير من الناس، نعم، الكثير من الناس، من لربما يأخذ بالأسباب، لكنه يركن إليها ويعول عليها ويعتمد عليها. فتجد أن من الناس، بل ربما إذا ذهب إلى محله أو ذهب إلى دكانه، أخذ يعتمد اعتمادا كليا على رزقه على زبائنه، أو يعتمد اعتمادا على البضائع الذي أتى بها من هنا وهنا، وأنها ستجلب عليه المال الكثير، أو لا زال يعول على ذلكم الجهاز الذي اشتراه، أو أو أو، وقس على ذلكم من يعول على هذه الأسباب. لا تعتمد عليها ولا تعول عليها، خذ بالسبب كما يقول العلماء، خذ بالسبب وتناسى، انساه، انسى السبب، اعمل به ولا تلتفت إليه، وإنما قلبك اجعله معلقا بالله. فالله جل وعلا هو الذي يرزقك. هذا وحقيقة التوكل على الله سبحانه وتعالى، تعمل بالأسباب ولا تنتظر بعد ذلك إلا من الله سبحانه وتعالى. لأن كما قال العلماء: إذا كان ترك الأسباب قدح في العقل، فإن الاعتماد على الأسباب قدح في الشرع، قدح في الشرع. وهذا من أخطاء الناس في باب الأسباب. فاعل يا عبد الله ما يفعله الكثير من الناس، مثاله ما نرى من بعض إخواننا الصيادين مثلا، إذا ركب في هذا القارب ثم أراد أن يذهب، أين سيذهب؟ ما هناك محل معروف، الجهات مفتوحة على مد البصر، فيقول قائلهم: «إلى أين؟ يمنة أم يسرى؟» يقول: «على الله، يمين على الله». يذهب يمين ثم يمشي، ما الذي أذهبك إلى هذا المحل؟ أه عندي شيء؟ لكن على الله، نسأل الله جل وعلا. هو أخذ بالسبب، ركب قاربه وذهب بأصحابه، واجتهد، لو ربما يلتمس أسماء أين كان رزقه أمس، فيعور عليه ويقيس عليه، يقول: «لعل هنا، ولعل هنا». وسمعنا يأخذ بالأسباب ثم يمشي ويمشي ويمشي، وكله رجاء بالله. هذا وحقيقة التوكل الذي يقع عند بعض الناس، والذي قد خفي على كثير من العباد. فأنت يا عبد الله، يا من تسعى في الأرض، يا من كان في بره وبحره، أو كان في شركته ووظيفته، أو من كان في عمله ومهنته، أنت مع أخذك بالأسباب لا تلتفت إليها، واعلم بأن الله هو الرازق، وأن الله جل وعلا هو الذي سيأتيك برزق من عنده. فليكن رجاؤك وطمعك بالله، وحينها إن توكلت على الله حق التوكل، حق التوكل، سيأتيك رزقك اليوم أو غدا أو بعد غد. «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير». فهذا، إخواني في الله، ما أذكره في هذا السبب الأول من الأسباب الشرعية الذي دل عليها الكتاب والسنة، على أن من أخذ بها كان الله جل وعلا يزيد في أرزاقه ويكثر من خيره وماله. وسيأتي معنا في دروس قادمة، فكذلك بعض الأسباب، نرجو الحديث عنها في مقامها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.