الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشير إلى أهمية عمل الإنسان بيده وكسبه الحلال، حيث يُعد من أفضل أنواع الكسب وأطيبه. يُبين أن هذا العمل له أجر عظيم عند الله تعالى.
يُوضح أن النفقة على الأهل والعِيال لها أجر كبير عند الله، وأن السعي على الوالدين والأهل لتعففهم يُعد في سبيل الله. يُعتبر هذا العمل من أعظم أعمال البر.
يُشدد على أهمية النية الصالحة في كسب الرزق والإنفاق، حيث تجعل الإنسان يكسب الأجر الوفير من الله. يُبين أن إخلاص النية في الكسب والإنفاق يُثاب عليه الإنسان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن مبحث الأرزاق، وكيف أن هذا الباب من الأبواب المهمة التي ينبغي أن يعتني به كل مسلم ومسلمة. وكان من أوائل مباحث ما ذكرناه في درس أمس حول ما يتعلق بما هي الرزق وما ضابطه، وعلمنا أنه كل ما تحصل به فائدة، وكل ما ينتفع منه فهو رزق. فأشرنا بعد ذلك إلى عموم الأرزاق من نعمة أو رزق الأولاد والمال والزوجة والصحة والعافية إلى آخر ذلكم. وإن الإنسان متى ما اتسعت مداركه في معرفة هذه الأرزاق، فإنه يظل دائمًا وأبدًا شاكرًا حامدًا لله، لأنه ما من أحد إلا وهو يتقلب في رزق الله. وأيضًا مما يضاف في مسألة الأرزاق أن ما ذكر من هذه الأرزاق، إخواني في الله، يسميه العلماء بالأرزاق العامة: المسكن والمأكل والمشرب والمال، هذه من الأرزاق العامة التي يعممها الله على من شاء من خلقه، يدخل في ذلكم المسلم والكافر والمؤمن والفاجر. لكن هناك رزق أعظم من هذا كله، وهو الرزق الخاص، وهو أن ينعم الله جل وعلا عليك رزقًا في الدين بأن يرزقك الهداية والصلاح والفلاح والصلاح، وأن يجعلك مستقيما على أمر الله، مجتنبًا لنواهيه وزواجره، وقافًا عند حدوده، هذه نعمة عظيمة، نعمة عظيمة، ومن أعظم الأرزاق أن الله جل وعلا يمن بها على من شاء من خلقه. فلو حرمت، يا عبد الله، كل رزق، إلا أن الله جل وعلا حباك برزق الصلاح والفلاح، فاحمد الله، فنعمة الدين ما يعدلها أي نعمة، حتى قال من قال من أهل العلم: إن الله جل وعلا يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب سبحانه، ما يعطي الدين إلا لمن أحب، فاحمد الله، يا عبد الله، إذا رأيت أن الله أخذ بنواصيك إلى أبواب الخير، فهذه نعمة عظمى. إخواني في الله، ننتقل إلى المبحث الثاني، وقبل ذلكم، أود أن ننبه أنه مع أننا قد ذكرنا أن الأرزاق لها صور كثيرة، لكن ما سيأتي معنا من المباحث في هذه المجالس، سأخص الحديث عن نوع من أنواع الرزق، ألا وهو رزق المال، وما يكون من التكسب والعمل لتحصيله، إذ أن هذا النوع من أنواع الأرزاق قد جاءت في حقه الأدلة الخاصة به، ولهذا سأكرس كلامي، إخواني في الله، في هذه المجالس على مسألة رزق الأموال وما يتعلق به مسائل وأحكام. من هذه المباحث الذي أطرقه في هذا اليوم وفي هذا المقام، إخواني في الله، حول ما يكون من تكسب الناس للمال، هل هذا مما يؤجرون عليه أو لا؟ ما من أحد إلا ويعمل، ما من أحد إلا ويشتغل، ويشتغل ذاك في بره، ذاك في بحره، ذاك لربما في بستانه وحقله، وذاك لربما في قاربه وسفينته، ذاك على سيارته، وذاك على دراجته، ذاك في محله، وذاك في دكانه، ذاك في مؤسسته، وذاك في مدرسته، الكل يشتغل، يعمل، يتكسب، عل وعسى أن يتحصل من هذه الوظيفة ومن هذا العمل والمهنة على مال يترزق به. السؤال: هل الإنسان يؤجر؟ الأدلة قد دلت على أن الإنسان يعطيه ربنا جل وعلا الأجر على عمله وعلى ما كان من تكسبه، إن كان بنية صالحة ومقصد حسن. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أطيب؟ قال عليه الصلاة والسلام: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور». هذا هو أفضل الكسب عند من؟ عند الله جل وعلا. سئل رسول الله: أي الكسب أطيب؟ وربنا طيب لا يقبل إلا طيبًا، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن أفضل الكسب هو عمل الرجل بيده، أن تعمل بكدك، بعرق جبينك، أن تشتغل ولا تنتظر أن يعطيك الناس من فتاتهم ومن صدقاتهم، وإنما تعول ذلك على ما تقوم به من جهد. عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور، أي قائم على الصواب، لا فيه محرم ولا فيه شائبة حرمة، هذا بيع مبرور، يبارك الله لك في بيعك، ويبارك الله لك في كسبك. وهكذا من الأدل ما رواه الإمام البخاري في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده». ما أكل أحد طعامًا خيرًا له من أن يأكل من عمل يده، كونك تعمل، تكتسب، تمتهن، بغض النظر عن ما هي العمل، ما هناك عيب، ما هناك عار في ميزان الشرع في التفريق بين المهن. من كان يشتغل في مهنة كبرى فله أجر أعظم، ومن كان يشتغل في مهنة دنية أجره أقل، لا، ما يبالي الشرع بهذا، لكن اعمل، اعمل يا عبد الله، تكتسب المال، تكتسب المال بعرق جبينك، حتى تعول وتعيل نفسك وتعيل غيرك، فما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، رواه البخاري. وثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك». رواه مسلم. وفي هذا الباب وفي هذا الحديث، إخواني في الله، بيان لعظيم ما يقوم به أولياء الأمور، ما يقوم به الآباء، ما يقوم به الأزواج، ما يقوم به راعي البيت، ما يقوم به الإبن، ما يقوم به الأخ الأكبر، عندما يعمل ويكد، إذ أن جل من يعمل همه في كده وكسبه أن يعين من هم تحت يده، ينفق على أهله، ينفق على عياله. هذا المال الذي تضعه فيهم، عبد الله، دينار مبارك، أعظمها أجرًا، فيه أجر، لا تظل أن الأمر دنيوي بحت، أو أنه يمرر من غير ثمن، لا، ثمنه عظيم، أجره أعظم من هذا الذي تنفقه على مسكين، أو تنفقه في سبيل الله، أو تنفقه على رقبة، بخبر الصادق المصدوق: «أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك». وفيه ينبغي على الإنسان أن يحتسب الأجر وهو يعيل أهله، فلا يتبرم ولا يتضايق ولا يشتكي ولا يتباك، وإنما يعطيهم، وخاصة ليس هذا معنى هذا أنه يعطيهم من الأموال ما فيه بحبوحة حتى يصل إلى حد الإسراف أو إلى حد التبذير والتقتير، لا، من غير إسراف ولا مخيلة. حاول يا عبد الله أن تقوم على أهلك، أن تعطيهم ما فيه القوام والسداد، فيه الأسس، الحاجيات الأساسية من مطعم، من مشرب، من ملبس، من مأكل. كم من أناس، إخواني في الله، والله تأتين شكاوى عن بعض الأسر من لربما يئنوا من شحتي من يقوم عليه من الآباء والأزواج، حتى أن قد بلغنا عن بعض البيوت من لو المرأة تشتكي من بنتها أو أختها أن وليها تمر عليها السنوات وهي على ثوب واحد، متى ما طالبت بتغيير هذا الثوب يأبى. يكفيك يا عبد الله احتسب الأجر، احتسب الأجر كما أنك تنفق الأموال على نفسك في ثيابك في مأكلك في أن تغير من مزاجك، فلأهلك عليك حق، ولمن تعول عليك حق، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «الكسب الحلال والنفقة على العيال باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر». أتدري عن ماذا يتكلم شيخ الإسلام؟ ما يتكلم عن قيام الليل، ما يتكلم عن صلة الأرحام، قال: «الكسب الحلال» تعمل، لكن بأبواب الخير، بحلّه، دعنك الحرام، وسأتي معنا أبواب الحرام، دعنك الكسب الحرام. قال: «الكسب الحلال والنفقة على العيال» من تعيلهم من الأزواج والأبناء ومن تحت يدك، «باب عظيم من أعمال البر»، باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر، سبحان الله، البر مقام من مقامات الدين تصل إليه يا عبد الله لا بصلاتك، لا بقيامك، لكن بكسبك واحتساب الأجر على من تعيلهم، فافهم هذا يا عبد الله. أخيرًا، إخواني في الله، مما يذكر من أجور السنة في حق من سعى وكسب مالًا وأراد بذلكم النفع والستر، ويعطيه ربنا جل وعلا الأجر العظيم، ما جاء عند البزار من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله في مجلس، فإذا بشاب طلع علينا من الثنية، ظهر من الثنية، قال: فرميناه بأبصارنا، فقلنا فيما بيننا: لو أن هذا جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله -يعني تحدثوا- قال: والله، هذا ما شاء الله، عندهم من الفتوة في جسده مما يظهر، لو أن هذا سخر هذا الجسم وهذه الفتوة في أن يذهب في القتال والجهاد، لو أنه جعل نشاطه وشبابه وقوته في سبيل الله. فسمع النبي مقالتهم، فالتفت إليهم وقال: «أو ما سبيل الله إلا من قتل؟ ما عندكم في سبيل الله إلا الجهاد والقتال؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «من سعى على والديه فهو في سبيل الله، ومن سعى على أهله وعياله فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله». فأمل يا عبد الله إلى عظيم الأجر، لو أن الإنسان يعمل وهمه في عمله أن يقوم بحق والديه، يقوم بأداء حقهما، يعيلهما، ينفق عليهما في مأكلهما في مشربهما في مسكنهما، لا تتبرم، لا تطيق. كم تلين في هذه الأزمان من صور العقوق، حتى وجدنا من الآباء من ربما يتدافعون الأمهات: خل أمي عندك، لا خل أمي عند فلان، ويترامون الأمهات، لما أتدري؟ لما يحسب حساب للدينار الذي ينفقه على أمه؟ هذا من العقوق، يا عبد الله، «من سعى على والديه فهو في سبيل الله»، فهو في سبيل الله، ما دام تنفق على والديك، فأنت يا عبد الله في سبيل الله، احمد الله وأنت في بيتك، ما ذهبت إلى ساحات الوغى، وإنما تحت ظل ظليل، لكن تحتسب الأجر في نفقتك. ومن سعى على أهله وعياله فهو في سبيل الله، تسعى على أهلك، بل ما تجعله يتكففون الناس أو يذهبون إلى المساجد، كلما أرادت المرأة شيئًا أمر لا تؤذين بطلباتك، رحي خذ الورقة ورحي المساجد، أهل الخير ما يقصرون، معاش خذ ورقة الكهرباء ودوري عليها في المساجد يعطونك، أنا ما عندي شيء، فلا تزال المرأة تذهب هنا وهنا وتطلب وتسأل. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن سعى على أهله وعياله فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها» سعى على نفسه يشتغل ويعمل حتى يحوش لنفسه، لماذا؟ لكي يعف نفسه، يعفه عن ماذا؟ يعفه عن السؤال، أو يعفها لكي يتزوج ويستر ما حكمه؟ «فهو في سبيل الله»، فهو في سبيل الله، فدل ذلك إخواني في الله أن الإنسان لربما يطرق باب الكسب والتكسب ويعمل برًا وبحرًا في الوديان والجبال، لربما يغترب اغتراب داخلي اغتراب خارجي، وتمر عليه المدة الطويلة، وكل همه أن يلان من المال ما فيه عفة لنفسه وعفة لمن تحت يده، هل هذا يذهب عليه سدى؟ لا، يبشر إذا كانت هذه النية الصالحة والنية الحسنة، فالله جل وعلا يعظم لك الأجر والمثوبة. فهذا مما أذكره وهو من المباحث المهمة في باب الاكتساب والارتزاق، أن الإنسان بالنية الصالحة يعطيه ربنا جل وعلا الأجر الوفير على ما يكون من كسبه ورزقه. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.