قصة يوسف عليه السلام 6

قصة يوسف عليه السلام 6

الدرس في قصة يوسف عليه السلام 6، إيواء يوسف - عليه السلام - لأخيه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

سفرة إخوة يوسف الثانية إلى مصر

جاء إخوة يوسف إلى مصر بصحبة بن يامين، واستطاع يوسف أن يخاطبه. أمر يوسف بوضع السقاية في رحل بن يامين، وعند التفتيش اكتشفت السقاية في رحله وأصبح عبدا لدى يوسف.

كيد إخوة يوسف وخداعهم واستخدامهم للسرقة

استخدم إخوة يوسف خدعة السرقة لإبعاد بن يامين، ووجدوا صواع الملك في رحله. حاولوا إقناع يوسف بإطلاق سراح بن يامين، ولكن يوسف رفض.

عودة إخوة يوسف إلى أبيهم يعقوب ورد فعله

عاد إخوة يوسف إلى أبيهم يعقوب وأخبروه بما حدث، فاتهمهم بالكذب. صبر يعقوب وتأثر بحزن شديد حتى فقد بصره من شدة البكاء.

ختام المواعظ والدعاء

المقطع ينتهي بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بالأمس، إخواني في الله، في قصة يوسف عليه السلام، ذكرنا ما يتعلق بمقدم أهل فلسطين عامة، وإخوة يوسف خاصة، إلى بلاد مصر لأخذ الميرة والتزود بالطعام مقابل ما يدفعونه من مال أو متاع، وذكرنا كيف استقبلهم يوسف عليه السلام، وتعرف عليهم وأشار إليهم إلى ابن أخيهم الذي صرحوا بوجوده، لكنه في بلادهم، فطلب منهم أن يأتون به، مع ما كان من إرجاع الميرة والمبالغ والبضاعة التي أتوا بها أن ترد إليهم خالصة، فما كشفوها إلا بعدما وصلوا إلى بلادهم، وبهذا استطاعوا أن يقنعوا أباهم، والذي كان قد رفض في بداية أمره أن يرسل بن يامين مع إخوانه، وذلك لما وقع مع يوسف عليه السلام. هنا تبدأ المرحلة الثانية، أو قل السفرة الثانية، وهي أن إخوة يوسف عليه السلام توجهوا إلى مصر، لكن هذه المرة بصحبة أخيهم بن يامين، وهذا الذي أراده يوسف عليه السلام. فلما أتوا ودخلوا على يوسف، آوى إليه أخاه، أي انفرد به، واستطاع أن يبتعد عن إخوانه، وأن يصارحه بالحديث بأن يوسف وأنت أخي، وأخبره بما صار من حوادث وأحداث، ثم أخبره بما سيكون، بما سيكون من تجهيز لأمور مآلها أن تبقى عندي، أن تبقى عندي، وهذا ليس لك، وإنما هذا علي. فلما جهزهم بجهازهم، أي الميرة التي أتوا بها لهذه السفرة في هذه السنة، أمر فتيانه بأن يجعلوا السقاية في رحل أخيهم بن يامين، بأن يوضع السقاية، وهي ما يكال به، أن يوضع في أمتعة الإخوة، وخاصة في متاع بن يامين. ثم انتهى التزود وارتحلت القافلة بما فيها، فما إن كادوا أن يفارقوا البنيان ويخرجوا من حدود المنطقة التي هم فيها، إلا والمنادي ينادي: يا أيها العير، إنكم لسارقون. النداء وجه إليهم بالسرقة، هنا توقفوا، بل والتفتوا، قالوا: أقبلوا علينا، ماذا تفقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك. الصواع والسقاية كما قال علماء بمعنى واحد، أي هناك صواع، هناك مكيال يستخدم هذا للملك خاص، ضاع علينا، والتهم فيكم، أنتم نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وهذا الصواع ليس أي صواع، وليس أي مكيال، بل له معزة عند الملك، وفي السلطان الملكي، حتى اختلف العلماء في هيئة هذا السقاية والمكيال، منهم من ذهب إلى أنهم مرصع بالمجوهرات، ومنهم من ذهب إلى أنه من الذهب، لكن كما قال الأكثر، على أنهم من فضة، لكن له منزلة، ولهذا جعلت جائزة لمن يعثر عليه حمل بعير. فحينها ما كان من إخوة يوسف إلا لما علموه من أنفسهم أنه أرفع مقاما من مقام السلقة، قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض، يعني هل بالله نأتي من بلاد الشام من أرض فلسطين إلى مصر الأجل نسرق هذا يعقل؟ وقد جئناكم المرة الأولى، وما كان يحصل منا هذا، لو أردنا السرقة، نحن أصحاب عفة، ما جئنا لنفسد في الأرض، وما كنا سارقين. وفي هذا بيان على فحش السرقة بأنها قرنت بالفساد في الأرض، قرنت بالفساد في الأرض، فهي جريمة دنية. وللأسف تجد أن من الناس من ولفها، أصبحت يده تطيش إلى كل ما يكون أمامه، ما يستطيع أن يتمالك نفسه أمامه، هذه لا أقول عادة، بل هذه جريمة فساد، ألا دخل دكانا أو دخل محلا أو دخل محل للخضرة أو القطعة أو الغيار أو دخل بيوتا أو أي شيء يظفر به، وجد جوالا خطفه، ليس خطف الأجل أنه يسأل عن صاحبه، لا لكي يتملكه. وسأل: يا عبد الله عن المسروقات التي تباع في المحلات، كثير لا كثرها الله، أي هذه المسروقات، وهذه دناءة يترفع عنها أي إنسان، لأن من الفساد في الأرض، فلهذا قرنوا بين السرقة وبين الفساد. لقد علمت ما جئنا لنفسد في الأرض، وما كنا سارقين، لكن أصحاب القصر كانوا أهل إنصاف، قالوا: فما جزاؤه؟ ما جزاؤكم أنتم؟ دعونا من حكمنا أنتم، احكموا في القضية، ماذا جزاؤكم أنتم يا أهل الشام، يا أهل فلسطين؟ كيف تحكمون على السارق إذا عثر على أنه سارق؟ قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، وكان جزاؤه عندهم، وهذه قيل أنها من حكم إبراهيم عليه السلام، وقيل من سنة آل يعقوب، القاعدة عندهم أن من سارق أسترق، أي من سارق عقوبته أن يسترق، بأن يكون عبدا عند من سارق منه. مثال: يعني أنا صاحب محل، فأخذ رجل وسرق مني متاعا، فألقيت القبض عليه، هنا عقوبته أن يكون عندي عبدا، قيل سنة أن أتملكه سنة كاملة، قيل هذه سنة آل يعقوب، ولهذا أقر بهذا، قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، أي يكون رقيقا عندكم، يكون عبدا عند سيده يتملك. فحين قالوا هذا الأنصاف، فأرجعوهم، قيل أنهم أدخلوهم عند يوسف عليه السلام لكي يبدأ التفتيش، فبدأ بهم واحدا تلو الآخر، لكن من حكمة الله جل وعلا، فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيهم، أي جعل وعاء الأخ من يمين آخر واحد، وهذا حتى يحدث تمويه، وبعد عن أي التباس، وأن الأمور تسير على مجراها الطبيعي، وإلا ما أحد يعلم بوجود هذه السقايا في رحل بن يامين إلا يوسف وأخيه فقط، ولا ما أحد يدري حتى الحاشية والفتية والخدم ما يعرفون بشيء. ولهذا رموهم مباشرة بالسرقة: إنكم سارقون، وإلى ما خرجت السرقة من فم يوسف عليه السلام. فبعد ما تم التفتيش، فجاء الأمر الأخير عند بن يامين، فلما كشفوا عن متاعه، إذ بالصواع، بالسقايا، وجدوها ماثلة في صواعي، وفي رحل بن يامين، حينها إذن كان الأمر على ما حكمتم: من وجد في رحله فهو جزاؤه، هذا يخرج ويأتي عندنا، يكون رقيقا، هذا ماذا سمه ربنا؟ قال جل في علاه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، هذا من الكيد المحمود، أن يعامل كيد بكيد، وهذا كيد لمصلحة شرعية، ولغاية حميدة. ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ ما كان ليأخذ أخا في دين الملك، الكيد الأول وضع الرحل، الكيد الثاني الحكم، أن الحكم ما نزل على أهل مصر، وإنما جعل الحكم على أهل الشام، لماذا؟ لأن أهل مصر كيف يتعاملون مع السارق الذي مشهور عنهم أنهم إذا عثروا على رجل سارق، فإنه يجلد، وأنه يطالب بدفع ضعفي مبلغ المتاع المسروق، إذا كان هذا المتاع قيمته مثلا خمسة ألف، يدفع عشرة آلاف، إذا مليون، مليونين، خمسة ملايين، عشرة ملايين، هذا القرار عند أهل مصر في عقوبة السارق، يجلد تأديبا، ثم يطالب بمبلغ مالي وقدره ضعفي المتاع المسروق، هذه العقوبة. مثلا: لأفترضنا أن بن يامين حكم عليه بهذا الحكم، إذا ما صار شيء، لماذا؟ لأن سيؤخذ بن يامين لحظة ويجلد، ثم يطالب هؤلاء بدفع الفدية، لربما جمعوها هنا وهنا ودفعوا الفدية وذهبوا وأخذوا بن يامين معهم، وهل هذا الذي أراده يوسف؟ لا، ما أراد هذا يوسف، أراد أن يستبقي أخاه معه، ولهذا كان من حكمة الله أن الله جعل أهل الشام، أخوة يوسف بأنفسهم، هم الذين يرضون بحكمهم، وحكمهم الاسترقاء، أن يكون بن يامين عبدا، وتم الله لما أراد يوسف، فأخذ بن يامين طوع إرادتهم، ما تكلموا بشيء، لأن هذا حكمكم، فأخذه يوسف عليه السلام من بين أظهرهم، وهم يرونه، وجعله عنده بتهمة أنه قد أخذ شيئا ليس له. هنا إخوة يوسف علموا بفداحة الأمر، طبعا تلفظوا بأمر عظيم، قالوا: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾، ومن الذي يعنونه؟ يعنون أن هذا مثل أخيه قد سرق من قبل، ومن الذي يعنونه بأخيه الذي سرق؟ يعنون يوسف عليه السلام، لا زال ما في قلوبهم مما فعلوه، وأيضا لا زال في قلوبهم من الضغين عليه، لا زال يرمونه بالافتراءات. وفي قوله تعالى: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾، ما الذي يعنون بالسرق؟ على أقوال مشهورة، القول الأول: قيل أنهم يعنون أن يوسف عليه السلام سرق صنما لخاله، أو لجده، سرق صنما لجده كان يعبده، فأخذه ثم كسره ورمه في البحر. الرواية الثانية أشهر، وهي رواية أن يوسف عليه السلام في صغره تربى عند عمته، وكانت عمته تحبه حبا شديدا، إلى أن جاء يوم أراد يعقوب أن يأخذ يوسف إليه، جرت العادة عندنا أن الابن يذهب إلى عمته، إلى خالته، يأخذ أياما هناك، لكن هذه العمة أحبت يوسف عليه السلام حبا عظيما، لدرجة، فاحتالت على الرواية الشهيرة، احتالت، فماذا؟ فجاءت بشيء من ثيابها وربطته بجسد يوسف، وهو صغير، ثم ألبسته الثياب، فلما أراد يعقوب أن يصطحب يوسف من عندها، أراد أن يخرج، فإذا بهذه العمة تقول: هناك ثوب ضاع علي، أبحث عنه، فما وجدته، ولعل يوسف أخذه، ولعل يوسف نفتشه، ففتش يوسف، فكان نعم، وهو صغير لا يدري، فوجده الثوب معلقا بجسده. قالوا: ها، فماذا قال يعقوب لأخته؟ ماذا تريد؟ قالت: يبقى عندي، فقال: هذا لك، فأبقى يعقوب عليه السلام يوسف عند عمته إلى أن ماتت، ثم رجع إلى أبيه، قيل: هذه التي أشار: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾، وهذه مشهورة عند أهل الكتاب، هذه القصة مشهورة عند أهل الكتاب، فالله أعلم بصحتها، لكن أكثر المفسرين يرون إلى أن قولهم: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾، هذا كذب، وهذا محض افتراء على يوسف عليه السلام. طيب، بعد هذا كله، حينها وجدوا أنفسهم في أمر واقع، حاولوا مع يوسف عليه السلام: يا يوسف، يا أيها العزيز، إن له شيخا أبا، شيخا كبيرا عندنا، رجل أبوه ما يفارقه، وسيحزن حزنا شديدا على فراقه، إننا لنراك من المحسنين، يعني راعي، راعي هذا الظرف العائلي، مرعى لأبينا، لنستشعر جدا إذا علم بما فعل ابنه على ما حكمتم عليه، فقال يوسف: ما عاد الله، حاشا أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، ثم قال: لأن يوسف ما أراد أن يرميهم بالسرقة، لأن السرقة ما هي حاصلة، هي مكيدة، قال: ما عاد الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، هذا ليس بصواب أن نأخذ غيره، نأخذ من وجدنا الأمر قد آل إليه. فحينها لما استيأسوا من يوسف، حاولوا بكل طريقة، ما استطاعوا أنهم يرجعوا أخاهم معهم، حينها فلما استيأسوا، خلصوا نجية، خلصوا نجية، خلصوا بمعنى انفردوا، لماذا انفردوا؟ لأن في هذا المقام تخيل أنت الآن ينادى: يا أيتها العير، العير طبعا هي الإبل إذا حملت في حال سفرها، العير إذا حملت بالبضائع والأشياء، وفي حال السفر يقال عنها عير، فتخيل ينادى بها: يا أيتها العير، وتخيل المجتمع مليء بالناس، المخاضر، المستودعات، فهنا تجمع الناس، كعادة أي مجتمع، أي شعب، يأتي الذي يسمع، ويأتي أصحاب الفضول، فاجتمع الناس، ويسمعون، وينظرون إلى ما وقع، فجاء لما رأوا أن هذا المنظر ليس يمكن الأخذ والعطاء، انفردوا، جاء الإخوة واجتمعوا فيما بينهم. فأخلصوا، وخلصوا، أي انفردوا نجية، أي تناجوا بكلام لا يسمعه إلا هم، دار بينهم حوار في هذا الموقف الحساس، والذي تبنى الحوار الأكبر، وهو أخوهم الأكبر، والرواية تختلف، إما أنه روبيل، أو يهوذا، وهو نفسه الذي قال في بداية الأمر، عندما هموا بقتله: قالوا: لا تقتله، لا تقتله، ألقوه في غيابة الجب، هو هذا الأكبر، تبنى هذا الحوار، وأخبرهم، أخبرهم الموقف الذي هم الآن وصلوا إليه، قد علمتم بأن أباكم قد أخذ عليكم موثقا، عهدا غليظا، شديدا على عدم التفريط في بن يامين، وزد على ذلكم السابقة، السابقة القديمة التي محسوبة علينا على يوسف، هذا أمر، كيف سنرجع؟ ما لنا وجه أن نرجع، فلهذا كان قراره: أني لن أبرح الأرض، ما سأرجع أبدا، ما سأرجع أبدا، سأبقى هنا، هذه ليست بلاده، في بلاد الغربة، لكن هذا هو مقابل أن يقابل أباه بهذا الخبر المفجع بذهاب الابن الثاني. فقال: لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، إلا إذا رضي وسامح وأرسل إليه، سأتي، أو يحكم الله لي، أو يأتي حكم من الله عز وجل يحكم الله لصالحي، في أني أسترجع بن يامين، إما بالترغيب، أو حتى بالترهيب، حتى لو مد إلى السلاح، سأرجع به، سأرجع به، لأن هذا عهد مع أبيهم، أو إلا يحاط بكم، أو هلاك، هلاك يمنعكم، فقالوا: هذا رأي، أنا ما سأرجع، أنا سأبقى ها هنا، سأحاول، إما يتي إذن من أبي، أو مع محاولات هنا وهنا، عل وعسى أني أرجع بأخي. ارجعوا إلى أبيكم، وأنتم ارجعوا، ماذا؟ خبروا بالحقيقة، ارجعوا إلى أبيكم، وقولوا: يا أبان، إن ابنك سرق، هذه الحقيقة، وهذا ما شهدنا إلا بما علمنا، هذا الذي قد اشتهر، هذا الذي عنوا، الذي رأينا بأنفسنا، أن السقاية أنزعت من متاعي، من بن يامين، والكل يشهد، إذا ما أنت مصدق لهذا، وسأل العير التي كنا، وسأل القرية التي كنا فيها، والعير يعني: عندك اسأل، يا أبان، اسأل أهل القرية، أهل مصر، اسألهم، أو اسأل العير، أهل الشام، أهل فلسطين، الذي نحن معا، اسأل هؤلاء، وسأل هؤلاء، المصريين والفلسطينيين، سيخبرونك. دعك دعك من كلامنا، لربما قد يعني ما تؤمن على هذا الخبر، غيرنا، اسألهم، وسيخبرونك بحقيقة ما صار، وما جرى. فلما وصلوا إلى أبيهم، إلا أن أباهم رماهم مباشرة، قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، فصبر جميل، يعني جعل يعقوب عليه السلام أن هذه تخمة، وهذا الذي كنت أخاف منه، وبهذا إشارة إلى أمرين اثنين، الأمر الأول: أن يعقوب عليه السلام، وسائر الأنبياء والرسل، ما عندهم شيء في علم الغيب، ما يعرفون شيئا، لو كان يعقوب يعلم، لعرف ما سيكون مآلات الأمور، لكن ما أحد، هذا مما استأثر الله به علم الغيب، لا يعقوب، ولا غير يعقوب، حتى نبينا عليه الصلاة والسلام، خلاف ما يدعي بعض المتصوفة، أن النبي يعلم الغيب، ما أحد يعلم هذا، أمر خصه الله لنفسه جل في علاه. فيعقوب ما كان يدري بالذي صار، وأيضا في القضية الثانية: شؤم الكذب، شؤم الكذب الذي يعتاد على الكذب، أن من شؤمه على صاحبه، أن الناس يعاملونه على هذا، على أنه كذب، مهما تريد أنك تصدق، بعد ذلك التهمة، لا أصق، لا أصق فيك، فانظر إلى إخوة يوسف، نعم في القصة الأولى كانوا كذبة، لكن في هذه القصة الثانية، هم على صدق، لكن صعب أن يؤمنهم، لأنه معهم سابقة، فالكذاب إذا كانت عليه السوابق، هذه السوابق ستغطي على صدقه، إن صدق يوما، وهذا له عبر كثيرة وكثيرة. فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، والله المستعان على ما تصبرون، ما تولى عنهم، وقال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، من الذي تخلف في هذا المجلس؟ ثلاثة من أبنائه تخلف: يوسف، وبنيامين، والأخ الأكبر، لكن ما كان إلا يوسف على لسانه، قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، قال علماء: لماذا يوسف؟ لأن يوسف كان يحمل النبوة والرسالة، وقد أشرنا إلى هذه القصة في أول مفاصل قصة يوسف، ليس القصة تحكي عن فقد رجل لابنه، الأمر أعظم من هذا، وإلا هؤلاء أبنائه قد فقدهم في هذا اليوم، لكن كان يشق عليه يوسف عليه السلام. فتولى عنهم، وقال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، وبيضت عيناه من الحزن، فهو كظيم، من شدة حزنه على فراق أبنائه، وخاصة يوسف، أن سواد العين ابيض من شدة البكاء، وكان هذا كما يقال من الأمور العظيمة التي ألقيت على هذا الأب المكلوم عليه السلام، فقد يوسف الواحد، وفقد الثاني، وفقد الثالث، وهذا الفقد تم من بينهم، اللبين، يعني بين الإخوة، كيد في كيد، وهذا الذي أشعل يعقوب عليه السلام حزنا، وهمًّا، وغما، لدرجة أنه فقد بصره، وأصبح أعمى، وبيضت عيناه من الحزن، فهو كظيم، أي حزين. وهل هذا الذي فعله يعقوب عليه السلام فيه خروج عن الصبر؟ الجواب: لا، قال عليه الصلاة والسلام: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، الإنسان بشر، الإنسان ليس جلمود، ليس حصى، ليس حجر، له مشاعر، وأحاسيس، ولهذا لا بأس من البكاء، وإظهار الحزن، لكن من غير التعدي، من غير نحيب، ولا صراخ، ولا عويل، ولا تمزيق الثياب، ولا نتف الشعر، كما يفعله الكثير من الناس ممن فقدوا الصبر، أما بكاء العين، فالله لا يحاسب عليه، لكن يوسف يعقوب عليه السلام لشدة حزنه، كان البكاء مستمرا فيه، حتى أبيض عيناه، أبيضت عيناه من الحزن عليه السلام. في هذا نقف إلى هذا الحد، وسيأتي معنا في درس غد بإذن الله: كيف الوصول إلى نزع أو إخراج الإخوة المفقودين، وهكذا إرجاع يوسف إلى أبيه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.