قصة يوسف عليه السلام 8

قصة يوسف عليه السلام 8

الدرس في قصة يوسف عليه السلام 8، مسائل عامة في تتمة قصة يوسف - عليه السلام - . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وفاة يعقوب عليه السلام ودفنه في فلسطين

تناول المقطع قصة وفاة يعقوب عليه السلام في مصر ودفنه في فلسطين بجانب أبيه إسحاق وجده إبراهيم، مع ذكر روايتين حول كيفية دفنه. يعقوب عليه السلام عاش في مصر وتوفي هناك ثم نقل جثمانه إلى فلسطين.

حكم نبوة إخوة يوسف عليه السلام وآراء العلماء

ناقش المقطع مسألة نبوة إخوة يوسف عليه السلام، حيث اختلف العلماء بين مؤيد ومعارض، واستعرض آراءهم وأدلتهم. الراجح أنهم ليسوا بأنبياء لعدم وجود دليل قاطع على نبوتِهم.

مسائل متعلقة بيوسف عليه السلام وعصره

تناول المقطع عدة مسائل متعلقة بيوسف عليه السلام، منها عمره عند الوفاة، وصيته، ومكان دفنه، وفترة الحكم التي عاصرها. يوسف عاش بين 110 إلى 120 سنة وعاصر حكم الهكسوس لمصر.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبراً عن الختام والختام الشرعي للدرس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدرس الأخير إخواني في الله، ونحن في سلسلة قصص الأنبياء والرسل، كان الانتهاء من قصة يوسف عليه السلام بكمالها وتمامها، وذلك بذكر أهم أحداثها، وقبل ذلك كان العروج على قصة أبيه يعقوب عليه السلام. وهنا ناسب في ختام هذه القصة أن أنوه على بعض المسائل العامة التي بها يكون فيها استكمال لبعض مسائل هذه القصة المباركة. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام المحاور الثلاثة المتعلقة بهذه الشخصيات: بيعقوب، وبيوسف، وبإخوة يوسف. أما ما يتعلق بيعقوب عليه السلام، ذكرنا أن يعقوب كان في بلاد الشام، تحديدًا في فلسطين، إلى أن طلب يوسف عليه السلام من أبيه، بل ومن كل من كانت تحت يده من ذرية، من أبناء وأحفاد، ورجال ونساء، وصغار وكبار: ﴿أتوني بأهلكم أجمعين﴾، أي لا يبقى أحد. فأتى يعقوب عليه السلام بكل ذريته، واختلف العلماء بالعدد بين العشرات وبين المئات، لكن لم يبق أحد منهم في أرض الشام. وصل يعقوب عليه السلام، والمؤرخون يقولون: كان عمره مئة وثلاثين سنة، وعاش سبعة عشر سنة في بلاد مصر، أي جاءته المنية وعمره مئة وسبعة وأربعين. هذا الذي يتناقله المؤرخون في كتب التواريخ أن عمر يعقوب عليه السلام حين جاءته المنية مئة وسبعة وأربعين. ومما يذكر المسألة الثانية في أمر يعقوب عليه السلام أنه لما دنت منيته وقربت ساعة وفاته استدعى أبناءه وأخذ يوصيهم. ووصية يعقوب عليه السلام قد سطرها القرآن، كما قال سبحانه: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدة ونحن له مسلمون﴾. فكان يعقوب عليه السلام حريصًا على تلقين العقيدة الصحيحة لأبنائه، ليس فقط في حياته، بل كذلك في ساعة وفاته. هنا مسألة تتعلق بيعقوب عليه السلام: أين دفن يعقوب؟ أكثر الأخبار تتحدث على أن يعقوب عليه السلام دفن في فلسطين، بل الذي عند أهل الكتاب من الكتب تؤكد هذه المعلومة على أن يعقوب عليه السلام دفن في فلسطين، بجنب وقرب أبيه إسحاق، وعند إبراهيم، تحديدًا في منطقة الخليل. فهذه الروايات تؤكد هذا على هذه الشهرة المعلومة عند المسلمين وعند غيرهم. بقي مسألة: كيف كان ذلك؟ إذا قلنا أن يعقوب عليه السلام عاش بقية حياته في مصر، لأنه خرج منها وانتقل مع أسرته، فعاش إلى أن توفاه الله، كيف دفن في فلسطين؟ هنا العلماء على أحد محملين: المحمل الأول أن يعقوب عليه السلام جاءته المنية وهو في بلاد مصر، فمات في مصر، إلا أن جثمانه حملت وحمل جثمانه إلى أرض الشام، فدفن في فلسطين، حيث أراد هذا. نعم، له وجه، وقد صار أن بعض الأنبياء دفن في مكان غير الذي مات فيه، إلا أنه أوصى أن يدفن في مكان آخر. وقال يعقوب: لا يستبعد، وخاصة أنه أراد أن يدفن في الأرض المقدسة. هذا وجه. والوجه الثاني أن يعقوب عليه السلام عندما شعر بقرب منيته ودنو أجله سافر، وهذه مزية في أنبياء الله ورسله أنهم يشعرون بقرب منيتهم. فلما استشعر هذا عليه السلام سرعان ما خرج من مصر وذهب إلى الشام، وجاءته المنية هناك، ودفن هناك. هذا القول الثاني وهو المحمل الثاني في كيف أن يعقوب عليه السلام دفن في أرض فلسطين. هذا خلاصة ما أذكر عن يعقوب. ننتقل إلى المحور الثاني مع إخوة يوسف عليه السلام. قد علمنا في أحداث يوسف ما جرى وما صار وما كان من أول بلء الحادثة إلى منتهاها. لا نعيد ولا نبدي في أمر إخوة يوسف، لكن أذكر ما ذكره المؤرخون من أنهم استقروا في مصر، وماتوا جميعًا في مصر، كما صرح المؤرخون. تأتي مسألة وهي أهم مسألة: هل إخوة يوسف عليه السلام هل نزلت عليهم النبوة أم لا؟ هل أصبحوا أنبياء، وخاصة بعد صلاح أحوالهم واستقامة أمرهم وتوبتهم عما صار ووقع منهم؟ هل وصلوا إلى مرحلة النبوة أم لا؟ العلماء على أقوال. من أهل العلم من ذهب إلى هذا، إلى أن إخوة يوسف جاءتهم الرسالة والوحي، فأصبحوا من أنبياء الله. وقول الآخر وهو قول من ذهب إلى أن إخوة يوسف لم يكونوا من أنبياء الله قط، لا من قبل ولا من بعد. وهذا القول الثاني هو القول الأصح والأظهر والأكثر والأوفر حظًا، وهو الذي عليه أكثر العلماء، أكثر العلماء قديمًا وحديثًا. حتى أن الإمام السيوطي رحمه الله تعالى قال: "والذي عليه الأكثرون سلفًا وخلفًا أنهم ليسوا بأنبياء". وهؤلاء العلماء، وهم الجمهرة ممن استبعدوا النبوة والرسالة عن إخوة يوسف، استدلوا بأمور. الأمر الأول وهو الأعظم، قالوا: أنه ليس عندنا نص واحد يمكن من خلاله نستدل على نبوة إخوة يوسف. ما عندنا نص لا من القرآن ولا من السنة. بخلاف يوسف عليه السلام، فالأدلة متكاثرة بدءًا من الوحي والرؤية وتأييد الله عز وجل إلى آخر الآيات. وهكذا قول نبينا عليه الصلاة والسلام: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم"، ويعني بكريم يوسف عليه السلام، فجعل المكرمة ليوسف، وليس لإخوانه، دل على أن هذا الإكرام هو أمر خاص بيوسف عليه السلام. وأخذهم من قبله أباه، فشاهد أن النصوص التي عندي لا تدل على قريب ولا من بعيد. ولهذا يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: "واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف". ما عندي دليل. وهذا أعظم مسلك ودليل نستدل به. أما قضية الأسباط، ما الأسباط؟ قد مضى ذلك معنى، وأن الصحيحة في معنى الأسباط: ليس هم أولاد يعقوب، هؤلاء الأسباط هم العشائر والقبائل من بني إسرائيل التي جعل الله بعد ذلك فيهم النبوة. الأسباط بمعنى العشائر والقبائل التي جعل الله فيهم النبوة، هذا هو المعنى الصحيح للأسباط. الدليل الثاني على استبعاد النبوة عن إخوة يوسف: أن هذا القول لم يقل به أحد من الأقدمين، لا من الصحابة ولا من التابعين. ما قال به أحد لا من الصحابة حتى يستأنس بهم، ولا واحد، ولا من التابعين. وإنما ظهر القول بنبوة إخوة يوسف في زمن أتباع التابعين، نقل عن زيد رحمه الله تعالى، ثم تبيعه جماعة قلة من المتأخرين. فهو قول كاد أن يكون ضعيفًا لعدم من يقول به من الأوائل ومن الأقدمين ومن العلماء من المحققين. الأمر الثالث الذي به يستبعد أن يكون هؤلاء على مقام النبوة: الأفعال التي صدرت منهم. الأفعال التي صدرت منهم أفعال ما تسعف من كان هذا حاله أن يكون نبيًا. ما كان من الحسد، ما كان من الحقد، ما كان من محاولة والإصرار على القتل، ما كان من الكذب، ما كان من الغش والخديعة، وهكذا. ذكر العلماء شيء من عقوق الوالدين صارت منهم. أشياء تستقبح من المسلم العادي، فما ظنك بمن سيؤهل لأن يكون نبيًا ورسولًا؟ فأفعالهم كما قال العلماء تبعدهم جدًا عن مقام النبوة والرسالة. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف ليس بأنبياء". ليس في القرآن، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه خبر بأن الله نبأهم. ما عندي شيء من هذا كله. إذن هذا ما يتعلق بإخوة يوسف. نختم المباحث العامة بما يتعلق بيوسف عليه السلام. يوسف قد أخذنا هنا وإياكم من السلسلة الماضية العبر والعظة والمسائل والأحداث والحوادث الكثيرة جدًا عن يوسف. نأتي إلى مسائل نتمم بها الفائدة. كم عاش يوسف عليه السلام؟ العلماء بين أقوال متقاربة. فمنهم من يرى أنه عاش حتى بلغ إلى مئة وعشرين سنة. مئة وعشرة إلى مئة وعشرين. وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية عن الحسن البصري أنه عاش إلى مئة وعشرين سنة. وعددوا كيف كان في البئر، ثم الغيب عن أبيه ثمانين سنة، ثم عاش في مصر ربحًا من الزمن أوصلوه إلى مئة وعشرين سنة. فهو بين مئة وعشرة إلى مئة وعشرين، هذه الفترة التي عمر فيها يوسف عليه السلام. وصية يوسف عليه السلام أوصى، وقد ذكر العلماء أن وصية يوسف كانت في قوله سبحانه وتعالى: ﴿رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾. من هذه الآية أشار بعض العلماء والمفسرين على أن هذا من آخر ما تكلم به، حتى بعضهم قال: أن هذا الدعاء إنما أتى به عند احتضاره، وهو في دنو أجله. ذكر هذا الدعاء يتحدث بعظيم نعمة الله عليه، فطلب من ربه أن يتوفه على الإسلام وعلى الصلاح. مسألة متعلقة بيوسف: أين دفن يوسف عليه السلام؟ طبعًا يوسف له مكانة ووجاهة في أرض مصر، وهو الآمر والناهي في تلك الحادثة العظيمة، وآلت إليه خزائن الأرض، ليس في مصر بل وعلى الأقاليم التي حوله كما مضى ذلك معنا. ينبغي أن نعلم أن يوسف عليه السلام مات في مصر، دفن في مصر، لكن بعد ذلك انتقل جثمانه إلى فلسطين، وهذا أمر مؤكد، والسبب التأكيد لأن هذا قد صح في السنة النبوية. فإن يوسف عليه السلام لما قربت منيته استدعى من كان من أهله وقرابته وأخبرهم بهذا: بأنكم إذا خرجتم أنتم خرجتم من مصر وأردتم أن تنتقلوا إلى الديار إلى عقر الدار إلى فلسطين أرض الشام، فخذوا جثماني معكم. ثم صار الذي صار، ونقل جثمان يوسف عليه السلام بعد مضي مئات الأعوام نقل جثمانه عليه السلام إلى بلاد فلسطين. فيوسف عليه السلام دفن، وإن كان مات في مصر، ودفن في المرحلة الأولى في مصر، إلا أنه بعد ذلك انتقل أو نقل جثمانه إلى أرض فلسطين. مسألة أخيرة إخواني في الله، وهي تمهيد لمسائل ستأتي لاحقًا: يوسف عليه السلام من ناحية المعاصرة الذي عاصر فيها الوضع السياسي، كان الحكم عندما يسميه المؤرخون بالهكسوس -الهكسوس وهم بين قوسين الرعاة- هم كانوا الحكام الفعليين لمصر عندما ظهر فيهم يوسف عليه السلام. ظهر فيهم يوسف، كان الحكم عند يد هذه الطائفة الهكسوس، وهؤلاء الذين تأثروا بالإسلام على يد يوسف عليه السلام فدخلوا في الإسلام، واستمر الإسلام فيهم. ولما أتى يوسف عليه السلام بيعقوب بإسرائيل، يعقوب عليه السلام وببنيه، واستقروا كانوا في عزة ومنعة في هذه الحقبة الزمنية، في زمن الهكسوس. مرت المئة الأولى، المئة الثانية، المئة الثالثة، المئة الرابعة، حتى بدأ الخلاف السياسي وبدأ الخلاف في الحكم، فجاء أناس ينازعون الهكسوس في حكم مصر، وهم من الفراعنة. الفراعنة والذين في آخر أمرهم انتصروا على هؤلاء، فآل الحكم إلى الفراعنة. فحكم الفراعنة جاء بعد حياتي يوسف عليه السلام بمئات السنين. وهذا نرجي الحديث عنه بإذن الله إلى ما ستأتي من أحداث خاصة، ويتمهيد تمهيد مهم لأن نعرف خلفية قصة موسى عليه السلام. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.