الدرس في قصة يوسف عليه السلام 5، إخوة يوسف - عليه السلام - والدخول إلى مصر . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
التقى يوسف بإخوته بعد توليه خزائن مصر، وطلب منهم إحضار أخ لهم في المرة القادمة. عرفهم يوسف وهم له منكرون، ووعدهم بالمزيد من الطعام إذا أتوا بأخيهم.
أمر يوسف خادمه بإرجاع بضاعتهم، وعاد الإخوة إلى أبيهم وطلبوا إرسال بنيامين معهم إلى مصر. شرح المقطع تفاصيل رحلتهم وعودتهم.
وافق يعقوب على إرسال بنيامين بعد أخذ المواثيق، وأمر الإخوة بدخول مصر من أبواب متفرقة. طلب إخوة يوسف من يعقوب إرسال بنيامين معهم.
أشار الدرس إلى أحداث العام القادم عندما يأتي إخوة يوسف وبن يامين إلى مصر. تم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، ونحن لا نزال في قصة يوسف عليه السلام، أشرنا إلى ما آلت إليه الأمور من تولي يوسف عليه السلام على خزائن الأرض، ثم بدأ عليه السلام باستصلاح الأراضي ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وذلك لما علم من خلال الرؤية من إتيان سبع شداد سبع عجاف، حتى استطاع أن يكدس من الطعام الشيء الكثير. ثم بدأت النبوءة بالتحقق بعد هذه السبع الخصب، جاءت السبع الجفاف العجاف، أصبح الجدب والقحط والجفاف وعدم نزول الأمطار عمّا في بلاد مصر، بل ذكر جماعة من المؤرخين حتى على خارج نطاق مصر إلى أرض الشام وما حواليها من بلاد فارس، دب عندهم المجاعة، فالأرض لا تنبت شيئا والمطر قد توقف تماما. حينها ظهرت مصر على أنها هي البلدة التي عندها خزائن كثيرة من التزود بالطعام، فأصبح الناس يأتون من كل حدب وصوب إلى بلاد مصر، إلى من يوسف التي بيده الوزارة عليه السلام، فكان يقسم، فكان يعطي لمن يأتي ما يكفيه سنة، ويذهب هذا الرجل إلى العام القادم. ممن وفد على بلاد مصر أهل الشام تحديدا، إخوة يوسف عليه السلام وفدوا، أصابهم ما أصاب الناس من القحط والجدب والمجاعة، فدخلوا كما قال الله عز وجل، فدخلوا عليه، دخلوا على يوسف، فعرفهم وهم له منكرون، وهذا اللقاء الأول بعد هذه الفترة التي مضت وانقضت، فهو عرفهم وهم لم يعرفوه. لماذا كان هذا التعارف أحادي؟ لأن يوسف عليه السلام قد فارق إخوانهم كبار، والكبير ما تتغير ملامحه، تبقى هيه هي، بخلاف الصغير، فهم فارقوه في صغره، رموه في الجب وهو صغير، ثم زادت المدة الفراقية. تخيل وحسب معي، يعني انظر في صغره، الله أعلم كم كان صغيرا، ثم ذهب إلى مصر إلى بيت العزيز وترعرع وتربى حتى بلغ أشده، ثم جاءت قضية المراودة وتبعتها مسائل حتى زج به في السجن سبع سنين، بين الست إلى السبع إلى الثمان إلى التسع، قلت سبع سنين كحد أدنى أو متوسط، سبع سنين ثم أخرج من السجن بعد السبع هذه، ثم جاءت موضوع الرؤية، ثم جاءت السبع الخصب، سبع السنين الخصب، ثم انتهت، ثم جاءت السنة الأولى الذي بدأ القحط، إخوة يوسف قيل أنهم جاءوا في السنة الأولى أو السنة الثانية من عملية سنوات الجدب والقحط. إذن احسب معي، يعني ستكون أنت فقط لو حسبنا سبع سنين، السنوات الخصب مع السبع سنين في السجن، أربعة عشر سنة، وقبل ذلك لما بلغ أشده، الله أعلم، أي نحن فوق عشرين سنة، عشرين سنة فارق يوسف إخوته، فهم أكيد ما سيعرفونه، لأن ملامح الصغيرة إذا كبرت تتغير، زد على ذلك أنه عاش في بيت الملك وأصبحت له الوزارة، فأصبح له من الأبهة ومن الجمال، زد على ذلك ما كان من جماله، فأشياء تغيرت، فعرفهم وهم له منكرون. جاءوا كعادة من يأتي يريدون الطعام، فلما جهزهم بجهازهم، أعطاهم الطعام، أعطاهم الزاد الذي يريدونه من بلاد مصر، سألهم فلما جهزهم بجهازهم، قال: «اعطوني بأخ لكم من أبيكم»، يوسف عليه السلام دخل بهم وقال: «ارسلوا لي بأخيكم الذي هو من أبيكم»، هنا السؤال كيف استطاع يوسف أن يدخل معهم في صلب الموضوع؟ العلماء على هذه المسألة على قولين اثنين، إما أن يوسف عليه السلام استدرجهم بالكلام، رحب بهم، من أين جئتم؟ ومن أين أنتم؟ من أي قبيلة؟ من أي عشيرة؟ عرفوني عنكم، عن أسرتكم، عن أحوالكم، عن أوضاعكم، فأخذ يسترسل معهم بالكلام حتى نطقوا، وقالوا: «عندنا أخ كذلكم، أخ ليس بشقيق، ليس بشقيق، لكن عند أبينا»، نطقوا، إذن سمع يوسف هذه العبارة، فاستغلها مدخلا، قال: «فأتوني»، أريد أن يأتي هذا مرة ثانية، لا تتركوه، اجلبوه معكم، هذا مدخل. المدخل الثاني كما يقول جماعة من أهل العلم أنهم لما رأوا هذا العطاء في بلاد مصر، ويعطى لكل واحد هذا العطاء مقابل، قالوا: «طيب زدنا مكيل، زدنا»، قال: «لما قال عندنا أخ تخلف»، تخلف، فقال: «هذا ما أعطي إلا أني أتي أنا ما نعطي الغياب، الغياب ما له أي حظ عندنا»، قال: «يأتي، إن أتى أعطينا»، فهنا يوسف حاجهم، قال: «ائتوني بأخ لكم من أبيكم، ألا تروني أن أوفي الكيلة وأنا خير المنزلين»، لأن كان يوسف عليه السلام في غاية من الإكرام، وحاصة الناس يحتاجون إليه، وهم في حال من البؤس والشدة، فكان يعطي زيادة، يعطي هذا ويعطي ذاك، وكان معهم بزيادة الأوفى والكافية، وأنا خير المنزلين. فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي، ولا تقربون، إذا ما جئتم بهذا، إذن كان هذا ماذا؟ إشارة إن أنكم تكذبون علي، كما يقول بعض المفسرين، قال: «لأن هذا منكم تحيل، لما رأيت أني أعطيكم أعطيكم، ثم قلت وعندنا واحد ثاني، هذا الثاني»، إذن تأتوني به تحقيقا لكلامكم، إذا ما جئتم به، إذن هذا إشارة إنكم تتلاعبون عليه، فلا تأتون ولا تقربون ولا تأتون بلادي. حتى حينها أعطاهم هذه الكلمات في هذه المسألة وفي هذه المرحلة، هنا فعل يوسف عليه السلام أمرا ما هو من طرف خفي، أمر فتيانه الخدم: «اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفون، لعلهم يرجعون»، ما الذي فعل يوسف عليه السلام؟ طبعا في بلاد مصر يعطى الزاد بمقابل، بمقابل، وهناك توزيع مجاني بمقابل، الناس يأتون، ذاك يأتي بالذهب، ذاك يأتي بالفضة، ذاك يأتي بأواني، ذاك يأتي بأدوات، ذاك يأتي بجلود، ذاك يأتي بطعام، كل تبادل، لابد تبادل منافع، فاستفادت مصر أموال ضخمة. فأهل الشام، أخوة يوسف، أتوا ببضاعة، والله أعلم، كما قال علماء، ما الذي كان أتوا به؟ هل وطعام؟ هل وجلود؟ قيل هذا وقيل هذا، هم جابوا بشيء حتى يكون عوض عن طعامهم، استلم يوسف عليه السلام هذا العوض، ثم أعطوا ما يقابله من الطعام، هذا العوض أعطاه يوسف لخدامه لفتيانه، وأمرهم أن يرجعوا خفية، يذهبوا إلى رحل هؤلاء، وافتحوا أمتعتهم، وأرجعوا بضاعتهم التي أتوا بها من بلادهم، تعود إليهم مع ما كان من طعامه، بمعنى أن هذا الطعام سيدخل عليهم مجانا. السؤال كما يقول الجماعة من أهل العلم، لماذا فعل يوسف عليه السلام هذا الأمر؟ هنا عدة أوجه ذكرها العلماء، قيل أن يوسف عليه السلام فعل هذا من باب السماح والإكرام، وأنا خير المنزلين، فبرهنة ليس قولا والدعاء بل فعلا وتطبيقا، فهذه غاية في الكرم، غاية في الكرم، ولم يظهر هذا أمامهم حتى لا يحرجهم، حتى لا يكون منهم أنه يقول: «يعلم الناس أن الملك منع عليهم»، لا ما أراد هذا، أراد أن تكون صدقة بالسر، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، إبعاد لإحراج عنهم، هذا قول. قول ثاني قالوا: «أنه فعل ذلك لأنه خشي أن هذه البضاعة التي أتوا بها عنده هي الذي يملكونه، وأنهم إذا استلمها منهم بقوا من غير بضاعة في العام القادم، قد ما سيأتون»، لأنه لا عندهم شيء، فطمع يوسف عليه السلام بأن هذه البضاعة تعود إليهم، لأنه يفكر بأن يأتوا مرة ثانية، فيكون رجع البضاعة مثل رهن لهم بأن يعودوا مرة ثانية. الأمر الثالث قيل أن فعل يوسف عليه السلام ذلكم، قال: «أن هذا ليس من باب صلة الرحم أو حسن العلاقة مع أهله وإخوانه»، فهم مهما كان أهله، والطعام سيعود إلى أبيه، ولو لم يعلموا هذا، لكن هو يعلم، فليس كما قال علماء من مكارم الأخلاق أن يستلم مال من إخوانه، أخوة أخذ منه أي غريب، أما أنتم لا ما أخذ منكم، فأرجع هذا إليهم، وهكذا ذكروا المال. الرابع والخامس ذكروا عدة أمور في فعل يوسف عليه السلام، طبعا هذا الأمر وهم ما يعلمون به، ما يعلمون، أخذوا الحمل وأخذوا الأمتعة والطعام من بلاد مصر من يوسف ومن الخزائن والمستودعات، وقال: «وإننا فاعلون ما أخبرتنا به يا أيها الوزير من الإتيان بأخينا، سنحاول، سنراود عنه أباه»، لأن يعقوب عليه السلام كان متشبثا ببنيامين، وهو الأخ الأصغر، وتشبث به، سنراود على وعسى أننا سنأتي به. فلما ذهبوا ودخلوا على أبيهم، أول ما دخلوا على أبيهم، إنهالوا على أبيهم بما وجدوه من الإكرام والإحسان وما رأوا في بلاد مصر من الخيرات والطعام متوفر، وإن شاء الله الموثة تنفرج، ويتحدثون، ثم تذكروا وصية يوسف وأنه طلب بإتيان أخينا بن يامين، وأننا يا أبانا إن لم نأتي به قد صرح: «فلا كيل لكم عندي ولا تقربون»، ما في زاد أبدا، ونحن في ورطة، إذن من مطلوب؟ أرسله معنا، أرسله نكتل، أرسل أخانا نكتل، وإن له لحافظون، هو في حفظنا، هو في حفظنا. لكن هذه الجملة بالذات، هذه الجملة، فأرسله غدا، فأرسله، فأرسل أخانا نكتل، وإن له لحافظون، هذه الكلمة فتحت عبارة قريبة من هذه العبارة ذكرت يعقوب بالماضي، وذلك حين أن قالوا ليعقوب لأبيهم عندما أرادوا أخذ يوسف: «أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإن له لحافظون»، هي هي هذه العبارة الذي أتوا به، وإن كان لهم قصد، لكن كانت العبارة تذكيرا ليعقوب بالذي صار ليوسف، وإن له لحافظون، وإن له لحافظون. قال: «هل آمنكم عليه إلا كما آمنتكم على أخيه من قبل؟»، يكفي، يكفي، يكفي، قال: «لا»، في تلك الفترة في يوسف، قلتم بهذا الأمر بأنكم تتكفلون بحفظه، فخلتم الأمانة، والآن ستفعلون مع بنيامين، بنيامين على هذا، وإن كأنه رد ورفض، فالله خير حافظ، وهو أرحم الراحمين، يجعلون على رحمة الله، الله سيغنين من فضله، بل ما أرسل بنيامين، لن أرسله معكم، يكفيني، فكأن كما قال جماعة من أهل العلم، فقوله: «أرسل أخانا نكتل»، وفائد هنا، فائد هي قربة أخانا نكتل، أي أرسل أخانا لكي نكتل، لكي نزداد وزنا، وليس أخانا نكتل أن نكتل اسم أخيهم، وهذا من الفعل الجهلة. وقد ذكر الشيخ العسيمين رحمه الله طرفة، قالوا: «أن رجلا سمى ابنه نكتل»، قال: «من أين جئت بهذا الاسم؟»، قال: «هذا أخو يوسف»، قال: «من أخبارك أن أخو يوسف اسمه نكتل؟»، قال: «أما سمعتم قول الله: ﴿أَخَانَا نَكْتَل﴾»، نكتل أخو يرحمك الله، هذا نكتل، فعل مضارع مجزوم، أي لكي نكتل، لكي نكتل، فنكتل ليس اسم وإنما فعل، والمقصوب بالآية أنك أرسل معنا يا أبانا أخانا بن يامين لكي نكتل. أشهد أن يوسف عليه السلام عندما ذكرهم ولامهم على ما كان من أمرهم الأول، سكتوا، سكتوا، ألزموا الصمت، باعترافهم صحيح بما فعلوا واقترفوا، حينها انشغلوا بأمرهم وأخذوا يفتحون الرحل والبضاعة، فحينها فوجئوا بماذا؟ بما لم يكن في حسبانهم، أن البضاعة التي أخذوها معهم هي موجودة في رحالهم، شيء عجيب، عجيب. تتخيل أنت يا عبد الله تأتي لك بأموال لتشتري بضاعة، أموال ضخمة تشتريها، تكلم عن مئات الألوف، ملايين، تجعلها في شنطة، ثم تعطيها للبائع التي تشتري منه السلعة، فتستلم السلعة، وإذ بالبائع يرد لك المبلغ، كيف تكون المفاجأة؟ شيء يعني فرحة عظيمة ما بعدها فرحة. فلما رأوا هذا، يعني استعظموا الأمر، قال: «يا أبانا ما نبغي»، يعني أيش الذي نريد أكثر من هذا؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا، رد عن هذا الملك الوزير، من كرمه وسخائه، أنه أعطانا فوق الذي نتخيل، ليس فقط زيادة في الكيل، بل أعطانا البضاعة وردها إلينا، فحاولوا مرة ثانية، ضغطا على أبيهم أنه يرسل، نمير أهلنا، ونحفظ أخانا، ونزداد كيل بعير، لأن من قانون بلاد مصر أن للواحد كيل بعير، الشخص الواحد له كيل بعير، لأنه يعطى لمدة سنة، سنة كاملة، ولا يأتي إلا بعد سنة، ولا كمعهم نظام يسيرون عليه. فقالوا: «يعني كيل بعير يعني أمر نحتاج إليه»، وذلك كيل يسير، مقابل أننا نأتي بأخينا فقط، يراه ويحملنا هذا المتاع، فلما رأى يوسف يعقوب عليه السلام هذا الإصرار، قال: «لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله»، إذا كان أمر لابد، حينها أي أيمان والعهود والإقسام على الله، القسم العظيم الشديد، أنكم تحافظون عليه، إلا أن يحاط بكم، إلا إذا هناك هلاك والهلاك أحاط بكم جميعا، خلاص هذا أمر الله عز وجل، لكن تنجون ويبقى هو يتخلف. انتبهوا لن يقع بالليلك الذي وقع ليوسف عليه السلام، إن كان هلاك الكل يهلك الكل، إلا أن يحاط بكم، فحينها أعطوه الموثق، طبعا قد يقول: «قال لماذا يعقوب غير رأيه؟ لما كان متشدد في أنه ما سيعطي بنيامين لإخوانه»، قال العلماء هنا الأمر تغير، لأن إخوة يوسف قد تغيرت أحوالهم عن ذي قبل، لأنه قد صرحوا لما في تآمرهم في تآمرهم على يوسف، قالوا: «ونكون من بعده قوما صالحين»، إذا قضينا على يوسف وانتهينا من يوسف، سنرجع إلى أبينا ونحن على صلاح، سنصلح. وكأن نوفوا بوعدهم، أصلحوا أحوالهم وأصلحوا بالهم، فرأى يعقوب عليه السلام من أبنائهم من الصلاح ما لم يكن من ذي قبل، فاطمأن، هذا قول، وأيضا ثاني أنه ما كان هناك حسد بينهم وبين بنيامين، بخلاف يوسف عليه السلام، بخلاف يوسف عليه السلام كان هناك موطن حسد، لكن هاهنا مع بنيامين، العلم انتفية، لكن كان يحتاط لنفسه فقط، حيطه حيطه. زد على ذلك أنه لما أتوا بالعهود والمواثيق وأقسموا على الله، حينها اطمأنت نفسه، وحينها أمرهم، وأمرهم أن يومين، مرة القادمة، خذوا معكم بنيامين، ماذا تذهبون؟ لكنه أوصاهم بوصية: «يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة»، الذي عليه أهل العلم على أن بلاد مصر كان عبارة عن حصون أو قلعة كبيرة في تلك الأيام، وكانت عليها أربعة أبواب، وهذا معروف، لازال في بعض المناطق أن المدن تقلق بحصون، جدران ضخمة، كلها منافذ، وهذه بلاد مصر كانت هكذا، فيها منافذ، تقلق تماما. وكانت بلاد على هذه، بلاد مصر لها أربعة أبواب، شرقي أو غربي وشمال وجنوب، فأمرهم يعقوب عليه السلام أنهم إن دخلوا مصر ودخلوا إلى هذه التحصينات، لا يدخلوا من باب واحد، وإنما تفرقوا، لماذا؟ طبعا لعدة أسباب، لكن أكثر المفسرين ذكر هذا عن الصحابة وعن التابعين وعن جمهور المفسرين، أنه خشي عليهم من العين، خشي عليهم من العين، فقد كانوا أولا من حيث العدد عشرة، وبن يمين أحد عشر، كلهم كلهم إخوة، ليسوا أصحاب أو زملاء، بل إخوة من أب واحد، وزد على ذلك ما كان من جمالهم ومن حسن منظرهم ومظهرهم، فخاف عليهم من العين، فماذا فعل؟ فأمرهم أن يتفرقوا حتى لا يكون دخولهم ملفت للنظر، أن دخولهم بهذا الجمال وبهذا العدد، دخولهم ملفت للنظر، والعين حق، والعين حق، فحينها أمر يعقوب عليه السلام بالأخذ بالأسباب، وإلا قال: «ولا أغني عنكم من الله من شيء»، الأمر بيد الله، الأمر بيد الله، لكن الإنسان يأخذ بالأسباب، وهذا قد دلت عليه الأدلة الكثيرة على أن الإنسان يأخذ بالسبب، مثال ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن صاحب كل ذي نعمة محسود»، فإنسان ما يدخل نفسه في مشاريع ويؤمل على أنها ستأتي له بالخير الكبير، لا تبلبل يا عبد الله، وأنت لازلت اسكت، ما تبشر، يا والله، أنا عندي مشرور، أنا عندي فلانا عندي، أبشركم، أنا قادم على تبشر القاصي والداني والغريب والحبي، وتبشر الناس، لماذا تفعل هذا؟ لأنك ستأتي عند من لربما يفرح لك ويدعو لك، وقد يأتي الأخبار عند من هو عدو لك، لربما يتربص بك التربصات، ولا يحسدك ويدعو عليك، ولهذا قال نبينا: «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن صاحب كل ذي نعمة محسود»، فإذا وقع الأمر، حينها: «وأما بنعمة ربك فحدث»، إذا وقع، فالشاهد إخواني في الله أن هذا من الأخذ بالأسباب. فلما جاء العام القادم تحرك إخوة يوسف ومعهم بن يامين، وتوجه إلى مصر، إلى يوسف عليه السلام، هنا تمت كذلك بعض الأحداث، نرجيء الكلام عنها في درس غد بإذن الله، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.