المحاضرة بعنوان سبل الوقاية من المخدرات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 2 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 24 أكتوبر 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور على أهمية تفعيل الرقابة الأسرية من خلال المتابعة والترابط الأسري كخط دفاع أول. كما يشدد على ضرورة تجفيف منابع الشر بقطع طرق الوصول للمخدرات ولا سيما صحبة السوء استناداً للنصوص الشرعية.
يتناول المقطع ثلاث وسائل وقائية تتمثل في قطع طرق الوصول للمخدرات، وإشغال أوقات الشباب بالطاعات والأعمال النافعة، وتفعيل الرقابة الأمنية مع العقوبات الرادعة. يستند الطرح إلى نصوص شرعية وآثار تبرز أهمية حفظ الشباب والمجتمع من آفة المخدرات.
يشيد المتحدث بجهود مكاتب مكافحة المخدرات ويؤكد واجب المواطنين في التعاون الأمني والإبلاغ عن المروجين مستشهداً بالحديث النبوي. ويختم بذكر نشر التوعية الدينية والصحية والأمنية كخامس سبل الوقاية مستعرضاً تجربة تحريم الخمر التدريجية كنموذج للتثقيف المستمر.
يختتم المتحدث اللقاء بالدعاء للحضور بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يفوض العلم لله تعالى في ختام المجلس العلمي.
جزاك الله خيراً على هذه الكلمة الطيبة المباركة التي بينت فيها هذه الأضرار والتهديد للسلم والأمن العام. وأصبروا أنفسكم، بقي معنا إن شاء الله المحور الرابع، وهو: بعد أن سمعنا الحكم الشرعي بهذه المخدرات، وسمعنا أضرارها النفسية، وسمعنا تهديدها للسلم والأمن العام، نستمع إن شاء الله للشيخ الفاضل أبي هاشم جمال مسرور في المحور الرابع من هذه الندوة المباركة في بيان العلاج وطرق الوقاية. أسأل الله جل وعلا أن يفتح عليه، فليتفضل مشكوراً معجوراً. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، معاشر الحضور، فحديث معكم في هذا المحور حول سبل الوقاية من المخدرات، ولا يتأتى أهمية هذا الموضوع إلا عند من يستشعر بخطورة المخدرات، ويعلم ويعتقد مدى خطورتها وأضرارها على الأديان والأبدان، وعلى الأمن والسلم العام، كما أشار إلى ذلك المتكلمون الكرام ممن سبقوني بالكلام، فجازاهم الله خير الجزاء. وإن هذا المحور، إخواني في الله، سبل الوقاية من المخدرات، هو في الحقيقة ينبغي أن يعتني به كل إنسان، وأن يوليه بالغ العناية والاهتمام، لأن فيه الحماية لنفسه، والحماية لغيره من الأهل والأقارب والأرحام، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. فالوقاية كما تكون لك تكون لغيرك ممن هم تحت يدك. أول ما أذكره من سبل الوقاية من المخدرات: أولاً، تفعيل دور الرقابة الأسرية. لا تزال مجتمعاتنا ولله الحمد تعطي لنظام الأسرة مبدأ السيادة والقيام والقوامة على باقي أفراد الأسرة، وهذا مما دلت عليه الشريعة: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ على أهل بيته». فمن منطلق المسؤولية يحق لولي أمر الأسرة أن يتفقد حال أبنائه وبناته، وذلك متى ما رابه أمر، أو حصل تغير في السلوك والنمط، من مواعيد التأخير، أو البيات خارج البيت، أو غيرها من الانفعالات في العلاقات والمعاملات. فهذه من موجبات على ولي الأمر أن يفتح باب التحقيق والتدقيق والتفتيش، لأنه بهذا يضيق الخناق على من أراد الانفلات لأي فرد من الأفراد. وأيضاً مما يكون من دور الرقابة الأسرية: ما يكون من خلق جو من الملاطفة، ومن الترابط والتفاهم بين باقي أفراد الأسرة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم، وما فقدوه أو منعوه إلا ضرهم». ومن تأمل في ضحايا المخدرات يجد أن من جل ما دفعه إلى هذا الباب: إما إهمال أهله، أو ضغط من أسرته. الوقاية الثانية، إخواني في الله، في هذا المقام: ما يكون أو ما يسمى بتجفيف الينابيع، وأعني به قطع كل طريق يوصل إلى المخدرات، كما قال القائل: «تعلمت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه». فمن سبل الوقاية أنك تتعرف على مكامن الشر حتى تحذر وتبتعد عنها. فعلى سبيل المثال، من أسباب انتشار المخدرات في الأفراد وفي المجتمعات: ما يكون بسبب الرفقة السيئة، إذ أن من طبيعة أهل كل ذي شر أنه يحب أن يشارك شره مع غيره، ولهذا قيل: «ودت الزانية لو أن النساء كلهن يزنين». وقبل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فشرعاً لا يجوز بحال إذا علمت أن صديقك أو صاحبك أو زميلك ممن يتعاطى الحشيش أو الشبو، لا يجوز بحال أنك تستمر في مصادقته أو معاشرته أو مجالسته، لأن هذا السيئ هو سيطمع فيك وفي إسقاطك كما سقط، وكم من أناس كانوا على خير حال فاستدرجوا من قبل رفقة السوء فأسقطوهم في هوة الإدمان، فما استطاعوا بعدها من خروج ولم فكاك. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، أو كما قال في المثل: «السائر الصاحب ساحب». وعلى هذا فقس، فكل وسيلة تجر إلى المخدرات ينبغي قطع دابرها وعدم القرب منها، تحت ما يسمى بهذا الوقاية بتجفيف الينابيع. الوقاية الثالثة، إخواني في الله: ما يكون من إشغال أوقات الشباب بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وأخص الشباب بالذكر لأنهم هم الطبقة العظمى، وهم الضحية الكبرى ممن سقطوا في أوحال المخدرات، وذلك بما آتاهم الله من قوة في الأجساد والأبدان، مع ضعف وطيش وتهور في العقول والأذهان، فكانوا لقمة سائغة في الانجرار والانجراف حول الوقوع في المخدرات. وإن هذا السن، إخواني في الله، من الأعمار التي عظمها شرعنا الحكيم، قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه كما في حديث ابن عباس: فإنه من سلم له شبابه أدخله الله الجنة». من سلم له شبابه؟ وهل يتورى من وقع من الشباب في دائرة المخدرات سلم له شبابه؟ لا والله، بل قد أحرق شبابه وصرفه وأهلك، وأصبح عالة على أهله وعلى وطنه أينما توجه لا يأتي بخير. هذا حاله، لم يسلم له شبابه، فيحرم من الجنة. فعلى الشاب أن يتق الله جل وعلا في هذا السن، فإن الله سيسأله عنه، كما جاء في حديث أبي برزة الأسلمي: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: وعن شبابه فيما أبلاه». ستسأل عن شبابك يا عبد الله. واعلم يا عبد الله أن من أعظم ما تصرف به الأعمار، وخاصة في هذا السن، أن تصرف في طاعة الله، على الطاعات، على العبادات، الحرص على الفرائض والواجبات، والإقبال على النوافل والمستحبات، الحرص على حلقات العلم، وعلى قراءة القرآن، وعلى حفظه، وعلى أن يكون مؤدياً أيضاً لحقوق العباد، من طاعة الوالدين، ومن صلة الأرحام، وحسن الجوار. فقد قال عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «وشاب نشأ في طاعة الله». وإن عجزت يا عبد الله أن تضرب بسهم في باب السلوك والاستقامة على الطاعة والعبادة، فلا أقل، فلا أقل أن تصرف شبابك فيما يعود عليك نفعه في دنياك، يكون لك هدف في دنياك. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «قال: اطلع علينا شاب من الثنية فرميناه بأبصارنا، فقلنا: لو أن هذا جعل شبابه وقوته في سبيل الله». فقال عليه الصلاة والسلام: «وما سبيل الله؟ إلا من قتل، من سعى على والديه فهو في سبيل الله، ومن سعى على عياله فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله». كن هكذا يا عبد الله، إما في دين أو في دنيا، ولا تكن عطلاً عبئاً على المجتمع. رابعاً، إخواني في الله، من سبل الوقاية من المخدرات: ما يكون من تفعيل دور الرقابة الأمنية، فإن الله جل وعلا كما جاء في الأثر الصحيح: «يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». وإن من أراد أن يسلك مسلك الشيطان، وأعني به مسلك المخدرات، سواء كان تعاطياً أو كان ترويجاً، لكن علم بوجود إجراءات أمنية مشددة من مراقبة ومتابعة وملاحقة ومداهمة ومصادرة، وزج سنوات عديدة خلف الزنزانة، وبعد هذا كل العقوبات الصارمة، فحينئذ هذا السالك والله سيفكر ألف مرة في أن يخطو أي خطوة في هذا الباب، لأنه حين سيؤثر السلامة لنفسه وعدم المخاطرة بحياته لأجل هذه المادة المخدرة. وكم أثلج صدورنا ذلكم الخبر الذي سمعنا قريباً عن حكم الإعدام على ستة من مروجي المخدرات، فنعم القرار، نعم القرار. ومصداق ذلك في قول ربنا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. العقوبات والحدود والتعزيرات حياة وحماية وبقاية لمجتمعاتنا. وإني في هذا المقام لأشكر، بعد شكر الله، مكتب مكافحة المخدرات في ساحل حضرموت خاصة، ومكتبهم في الجمهورية عامة، على ما يقومون به من مساعي مشكورة ومجهود مبذول في سبيل التصدي لمروجي المخدرات، وما كان من ضربهم بيد من حديد لكل من سولت له نفسه بنشر هذه المادة المخدرة وهذا السم بين أفرادنا وفي مجتمعاتنا. فلهم منا كل شكر وتقدير، ونسأل الله جل وعلا أن يحفظهم أينما كانوا وأينما حلوا ونزلوا، وأن يحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم. وهكذا نحن، نحن معاشر المواطنين، لا نجعل، لا ندع مقام الرقابة الأمنية تختص بهذا المكتب أو بهذه الجهة الأمنية، بل نحن كذلك يدنا مع أيديهم في حماية أوطاننا وفي حماية أبنائنا. فمن علمناه مثلاً، مثلاً أنه مروج من مروج المخدرات، والله لا يجوز أن نتستر عليه، ولو كان أقرب قريب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لعن الله، لعن الله من آوى محدثة»، بمعنى مفسدة، وما هناك أعظم فساداً في الأرض من مروج المخدرات. نتعاون جميعاً. خامساً، وأختتم به هذا المقام، حفظكم الله: أن من سبل الوقاية من المخدرات، إخواني في الله، ما يكون من نشر التوعية المجتمعية، وهي التوعية الهادفة إلى تثقيف المجتمع والرعية، سواء كان التثقيف دينياً، أو التثقيف صحياً، أو التثقيف أمنياً، أو الاجتماعي، وقس في ذلك سائر باب الثقافات التي تبني وتنشئ وتحذر من خطورة المخدرات، التي تحذر من المخدرات. فإن كما قال القائل: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره». فإن الإنسان لا يمكنه أن يبتعد وأن يحذر من أمر ما إلا إذا تصور وعَلِمَ واعتقد خطورة هذا الأمر بعينه، حينها يبتعد عنه وينصرف عنه تمام الانصراف. فالمسلمون مثلاً في بداية الإسلام كانوا يشربون الخمر في بداية أمرها، حتى وصلوا إلى مرحلة الإسكار والإدمان، فنزل الوحي وهو العلم، أو قل التثقيف، التثقيف لجميع الأفراد، فنزل الوحي في العلم والتبيين والترشيد والتثقيف لأفراد هذا المجتمع الإسلامي، ولا يزال يتتابع عليهم بالتحذير حتى جاء الخطاب الأخير: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾، ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾، فانتهوا جميعاً. وهكذا قل في باب المخدرات، فباستمرار مسألة التوعية الدائمة، التوعية الدائمة والتعليم والتثقيف، فإن هذا يؤدي في النهاية إلى أن يصل المجتمع إلى الوعي العام، فحينها يعم الخير ويضمحل الشر. وما هذه الندوة المقامة في هذه الدار المباركة إلا وجه من أوجه التوعية، من أوجه التوعية الاجتماعية والمجتمعية. وهكذا قل يا عبد الله في سبيل ما يكون في غيرها، ما يكون مثلاً من الخطب والمحاضرات والدروس والندوات، ولا يقتصر الأمر في المساجد، بل يكون هكذا التوعية في المدارس، وفي المعاهد، وفي الكليات، وفي الجامعات، وفي الأندية. وهكذا قل عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. وهكذا ما يكون من نشر الكتب والرسائل والمطويات. فهذه الوسائل التوعوية متى ما اعتنى بها الراعي والرعية فإنها تثمر، ولو بعد حين، تثمر ولو بعد حين. وإن في هذا المقام لأنتهز الفرصة في شكر مكتب السلطة المحلية، ومكتب إدارة المأمور، وهكذا مكتب الأوقاف، على ما كان من رعايتهم لهذه الندوة المباركة، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياهم مفاتيح خير للبلاد والعباد. وهكذا شكرنا لمؤسسة الدعوة والإرشاد التي قامت بالإشراف على هذه الفعاليات، فأسأل الله أن يجعلها ممن تخدم الإسلام والمسلمين. فهذا، إخواني في الله، ما أحببت أن أذكره في هذا المختصر حول سبل الوقاية من المخدرات، وأشرت إلى خمس من هذه الوسائل: ما يكون من تفعيل دور الأسرة، وثانيها: ما يكون من تجفيف الينابيع، والثالث: ما يكون من استغلال أوقات الشباب، والرابع: ما يكون من تفعيل الدور الأمني، والخامس: ما يكون من نشر التوعية المجتمعية. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.