الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 23، الدرس الثالث والعشرون:( كيف تحصل الإخلاص ). ألقاها
يتناول الدرس موضوع الإخلاص وكيفية الحصول عليه، حيث يعتبر الإخلاص عزيزًا ويصعب تحقيقه. الإخلاص يتعارض مع محبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس.
يتحدث عن كيفية تحقيق الإخلاص من خلال التخلص من الطمع فيما بأيدي الناس والزهد في الثناء والمدح. يشدد على أهمية اليقين بأن الله وحده هو الذي يملك خزائن كل شيء.
يفقه العلماء جواز إخراج الأرز في زكاة الفطرة لأنه من قوت البلد. هذا الفهم مستند إلى اعتبار الأرز من الأقوات الأساسية في البلد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فموضوع درسنا في هذا اليوم، بإذن الله جل وعلا، بعنوان: كيف تحصل الإخلاص؟ وكما يقول من يقول من العلماء -رحمهم الله تعالى- الإخلاص عزيز، بل قال ربنا جل وعلا، كما في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم، عن ابن عباس: «من عمل عملًا أشرك به معي غيري، تركته وشركه». وقد كان من المأثور عن سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- أنه قال: «ما جاهدت شيئًا مجاهدتي لنفسي، ما جاهدت شيئًا مجاهدتي لنفسي»، أي: لأجل أن يخلص العمل لله جل وعلا. فالإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب المفيد، الذي سماه بكتاب «الفوائد»، تعرض لهذه المسألة، ونبه على دواء لهذا الداء العضال، الذي شكى منه الصالحون، ولا يزال يشتكي منه الصالحون. وداء الإخلاص: كيف يكون العمل خالصًا لله جل وعلا؟ كما قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وكما قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فتعرض الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- إلى هذا الموضوع، فقال -رحمه الله-: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء؛ إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت». فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا، فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة. قال: «فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح، سهل عليك الإخلاص». يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- مبينًا لهذا الداء، الذي هو داء عدم الإخلاص بالرياء والسمعة، والعياذ بالله، نسأل الله جل وعلا أن يسلمنا منه جميعًا. قال: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء؛ أن يكون إنسان عاملًا لله جل وعلا، مخلصًا في عمله لله جل وعلا، ومع هذا ينظر إلى الناس؛ حتى يمدحونه، ويذكرونه». قل: «لا أسألكم عليه أجرًا»، أو يعطونه مقابلًا: «إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا». هذا حال أهل الإخلاص. قال -رحمه الله-: «لا يستقيم الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء؛ والطمع فيما عند الناس». كذلك أن ينظر الإنسان إلى ما في أيدي الناس، يعمل العمل، وينظر إلى ما في أيدي الناس: هل يعطونه جزاءً؟ هل يعطونه مقابلًا؟ فإن كان نظره لهذا الأمر، لم يكن عمله خالصًا لله جل وعلا. فمدار عمل العبد، ومعرفة العبد: أن ذلك العمل خالص لله جل وعلا أم لا؛ أن ينظر إلى ذلك العمل بهذا الأمر، أو بهذا المنظار: هل تطلب من ذلك العمل شكرًا وثناءً؟ فإن كان لا، هل تطلب من ذلك العمل أجرًا ومقابلًا من غير الله جل وعلا؟ فإن كان نعم، فعملك مدخول، وإن كان لا، وإنما تريد وجه الله، لا تريد إلا وجه الله؛ فأنت بإذن الله جل وعلا ممن وفقه الله جل وعلا لإخلاص. قال -رحمه الله تعالى-: «فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا، وهو الطمع فيما بأيدي الناس، فاذبحه بسكين اليأس». أي: إيأس عما في أيدي الناس، كأنه لا شيء بأيديهم. تنظر إلى الإنسان كأنه لا شيء بيده، فتقطع الطمع عما في أيدي الناس. قال -رحمه الله-: «وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة». من كان عاشقًا للدنيا، مقبلًا عليها، لا ينظر إلى أمور الآخرة، وإلى أحوال الآخرة، ولا إلى أهل الآخرة. فيقول إمامنا ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «فليكن حالك كذلك، تنظر إلى هؤلاء المداحين، وإلى من يثني، وإلى من يثني عليه بهذا المنظر، ازهد فيه، لا تنظر إليه، ولا تلتفت إليه». إذن تقطع الطريقين، الذين يكونان سببًا لعدم إخلاصك: حب الثناء والشكر، وحب الجزاء والمقابل والمال من الناس. قال -رحمه الله تعالى-: «فإذا استقام لك ذلك، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح؛ سهل عليك الإخلاص». لماذا؟ لأنك تنظر إلى الإنسان، إلى أولئك الناس، لا تنظر إليهم نظر من يملك شيئًا، بل تنظر إليهم نظر من لا يملك شيئًا. وهذا هو حقيقة الإنسان، وهذا هو حقيقة الناس: لا يملكون إلا ما ملكهم الله، ولا ينفعونك إلا بما أذن الله به، ولا يمنعونك إلا بما أذن الله جل وعلا بمنعك إياه. فإذا الأمر من الله، الأمر من الله، وإليه سبحانه وتعالى. واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، كما جاء في سنن الترمذي وغيره، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-. قال -رحمه الله-: «فيسهله عليك علمك يقينًا: أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه، لا يملكها غيره». هذا أولًا: الطمع فيما في أيدي الناس. يقول ابن القيم -رحمه الله-: «أن تعلم يقينًا، أن يكون ذلك العلم يقينًا، لا يكون مجرد معرفة، ومجرد كما يقال: سحابة صيف، ولكن يكون علمًا يقينًا راسخًا في القلب». قال -رحمه الله-: «وأما الزهد في الثناء والمدح؛ فيسهله عليك علمك: أنه ليس أحد ينفع مدحه، ويزين، ويضر ذمه، ويشين؛ إلا الله وحده». كما قال ذلك الأعراب للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن مدحي زين، وذمي شين». فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ذلك الله». رواه الترمذي وأحمد وغيرهما، من حديث البراء، وهو في الصحيح المسند لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي. الشاهد منه: كما ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «أن الإنسان ينظر إلى الإنسان بهذا المنظار: ما أحد مدحه زين، وذمه شين؛ إلا الله جل وعلا». إذا ذكرك بخير، فأنت من أهل خير، وإن ذمك، فمن ذا الذي يستطيع أن يعزك، وأن يرفعك؟ لا أحد. فالله جل وعلا بيده الملك، إن شاء أن يجعلك ممن هو من أهل الملك، جعلك، وإن أراد غير ذلك، كذلك. الله جل وعلا يعز من يشاء، ويذل من يشاء. فهو سبحانه وتعالى وحده، الذي مدحه زين، إذا ذكرك ربك جل وعلا، وأثنى عليك ربك جل وعلا في الملأ الأعلى؛ فإذا أنت الذي تفرح بهذا الثناء والمدح، لأن مدحه سبحانه وتعالى زين، وذمه شين. أما المخلوق، فهو مخلوق، ذمه لا يتعداك، إن كنت صادقًا مع الله، وكذلك مدحه لا ينفعك، إن كنت بعيدًا من الله. ذكر عن الباقر محمد الباقر -رضي الله عنه ورحمه الله- أو علي بن الحسن -رحمهم الله تعالى- من ذرية علي بن أبي طالب: «أن رجلًا ذمه، وسبه سبًا شديدًا أمام أصحابه». قال: «فلما كان من الليل، ذهب إلى بيته، فطلق عليه البيعة». فلما خرج ذلك الرجل، فماذا قاله؟ قال له: «يا أخي، إن كنتم كما قلت، فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنتم على غير ما قلت، فأسأل الله أن يغفر لك، وانصرف». قال: «فأثر ذلك الكلام في ذلك الرجل، فاعتنقه من ظهره، وجعل يقبله». الحاصل: أن الإنسان ينظر إلى مدح الناس، وذمهم بهذا المنظار. لذا ذكر عن بعض السلف -رحمهم الله تعالى-: وقد سئل عن الإخلاص، قال: «أن تجعل أن تنظر إلى مدح الناس، وذمهم بمنظار سوى؛ أي: لا ينفعك مدحهم، ولا يضرك ذمهم، ما دمت أنت أعربت بنفسك: إن كنت صادقًا مع الله، فما يضرك ذلك الذم، وإن كنت غير ذلك، فلا ينفعك ذلك المدح». فينبغي للإنسان أن يصحح ما بينه وبين الله. وقد ذكر، أو ثبت عن سفيان بن عيينة -رحمه الله تعالى- أنه ذكر مما ذكر: «كان العلماء فيما مضى يتواصون بهذه الكلمات». وذكر من هذه الكلمات: «أن قال: أصلح ما بينك وبين الله؛ يصلح الله ما بينك وبين الناس». قال: «وأصلح سرك؛ يصلح الله لك علانيتك». فالله جل وعلا هو الذي يزين من صدق معه، وأخلص له، ويشين من خالف ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: «فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه، ومن كل الشين في ذمه». قال: «ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين». قال: «فمتى فقدت الصبر واليقين؛ كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب». أنت تريد الإخلاص، ولكنك لا صبر عندك، ولا يقين. قال -رحمه الله تعالى-: «هذا حاله كحال من أراد السفر في البحر من غير مركب، هل يستطيع؟ لا يستطيع». قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. سيستخفونك، فيحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى يقين. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين. هل الأرز من غالب قوت أهل البلد؟ وهل يجوز إخراجه كفطرة للصائم؟ على هذا يفقه الجماعة من أهل العلم: أن الأرز من قوت البلد، فيجوز إخراجه في الفطرة. والله تعالى أعلم. شكرًا.