مقتطفات من فوائد الفوائد 8

الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 8، الدرس الثامن:( صفات النفس العالية ). ألقاها

أسباب غلق باب التوفيق والخير

الدرس يتناول أسباب غلق باب التوفيق، مثل اشتغال بالنعمة دون شكر وسرعة في ارتكاب الذنوب. كما يشير إلى أسباب إغلاق أبواب الخير مثل الاغترار بصحبة الصالحين دون الاقتداء بهم.

أهمية الاتباع والعمل الصالح

يؤكد المقطع على أهمية الاتباع والعمل الصالح لتحصيل التوفيق والقرب من الله، ويشير إلى أن إدبار الدنيا عن المرء وهو يتبعها يعد سببًا لإغلاق أبواب الخير.

صفات النفوس وطبيعتها وتأثيرها على السلوك

النفوس تختلف في توجهاتها وطبائعها، فالنفس الشريفة تبحث عن الخير الأبدي بينما النفس الرديئة تميل إلى الأمور الدنيئة. هذا الاختلاف يؤثر على سعي الناس إلى ما ينفعهم أو يضرهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فدرسنا في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا من هذا الكتاب المبارك بعنوان «صفات النفس العالية». قال الإمام ابن القيم رحمه الله: قال شقيق بن إبراهيم، وهو البلخي: «أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء». أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء: قال: اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، ورغبتهم في العلم وتركهم العمل، والمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم، وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها، وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها. هذه ستة أشياء: الأولى اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، أي أن الله جل وعلا ينعم على العبد، فلا يحدث ذلك العبد لتلك النعمة شكرًا لله جل وعلا، فهذا سبب من أسباب غلق أبواب التوفيق في وجه العبد، إذ لو كان موفقًا لكان شاكرًا لأنعم الله جل وعلا ليلًا ونهارًا، ظاهرًا وباطنًا. الثاني: رغبتهم في العلم وتركهم العمل، هذا كذلك من أسباب غلق باب التوفيق، أن يكون الإنسان همه من العلم مجرد العلم، لا يتعلم العلم لأجل أن يعمل بما تعلم، وهذا - للأسف - حال الكثير، نسأل الله عز وجل لنا جميعًا السلامة من هذا. والثالث: المسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة، هذا كذلك من أسباب غلق أبواب التوفيق من الله جل وعلا على العبد، أن يكون مسرعًا إلى الذنب، وأما التوبة فإنه مؤخر لها، مبطئ لتلك التوبة، هذا كذلك من أسباب غلق أبواب الخير والتوفيق على العبد. والرابع: الاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم، يصحب أهل الخير، أهل العلم، أهل الطاعة، فيظن أن هذه الصحبة مغنية له عن العمل الصالح وعن الاقتداء بفعلهم، فيكون ذلك سببًا كذلك لإغلاق باب الخير أمامه، إذ لا بد للعبد من عمل، صاحب الصالحين أمر محمود ومرغب فيه، ولكن لا تكون هذه الصحبة جوفاء خاوية، لا حقيقة فيها ولا جوهر لها، بل لا بد أن تكون هذه الصحبة سببًا لتقدمك إلى الله جل وعلا، ولتقربك إلى الله جل وعلا بالاتساء والاقتداء بأولئك الصالحين. والخامس: إدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها، أي أن الدنيا مدبرة عن من أقبل عليها، كما أنها مقبلة على من أدبر عنها، كما جاء في الأثر عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال كلامًا معناه: عجبت لأمر الدنيا، إذا أقبلت عليها أدبرت، وإذا أدبرت عنها أقبلت. هذا هو حال هذه الدنيا، فهذا من أسباب إغلاق أبواب التوفيق أمام العبد، أن تكون الدنيا مدبرة عنهم وهم يتبعونها. في المقابل، الآخرة مقبلة على من وفقه الله جل وعلا لأن يعمل بعمل أهل الطاعة وعمل الآخرة، ومع هذا كثير من الناس معرضون عن الآخرة التي هي دار المستقر، والتي هي دار بقائهم الأبدية، التي لن يقطعوا منها، بل هي دائمة أبد الآباد، إما في سعادة وإما في شقاوة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وأصل ذلك عدم الرغبة والرهبة، وأصلهم ضعف اليقين، وأصلهم ضعف البصيرة، وأصلهم مهانة النفس ودناءتها، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وإلا فلو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه الأشياء التي ذكرها شقيق بن إبراهيم، أي ذكرها شقيق بن إبراهيم البلخي، ما هو السبب الذي جعل الناس يتركون ما ينفعهم ويسعون إلى ما يضرهم؟ قال رحمه الله تعالى: وأصله مهانة النفس ودناءتها، النفس إذا كانت هيينة وإذا كانت دنيئة تجدها تبحث عن هذا الأمر، ترغب في الضر وفي الخسارة وفي الشر وفي ما لا ربح فيه، وفي الوقت نفسه تزهد في الخير الأبدي الدائم. قال رحمه الله تعالى: وأصله مهانة النفس ودناءتها، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وإلا فلو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون، إذا كانت النفس عالية وشريفة ونزيهة وكبيرة لم ترض بالدون، أي لم ترض بالشيء الضعيف. كما قيل: والنفس إذا كانت كبيرة تعبت في مرادها الأكباد. النفس إذا كانت كبيرة، الإنسان عنده نفس عالية، نفس كبيرة، ومع النفس الكبيرة، أي كبيرة الهمة، كبيرة القدر، لا ترضى بالدون، بل ترضى لنفسها بأن تكون في أعلى المنازل وأن تحصل على أعلى القرب. فقال رحمه الله تعالى: فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته، شرف النفس ونبلها وكبرها، وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، قال: أي أفلح من كبرها ونماها بطاعة الله، وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله. قال: فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها، كما يقع الذباب على الأقذار، الذباب دنيء، أين تجده؟ يقع على القاذورات وعلى الخساسات وما شابه ذلك. فالنفس إذا كانت رديئة، وإذا كانت خبيثة، وإذا كانت كذلك دنيئة، تجدها تحوم حول هذه الأمور، تدور حول الخساسات والقاذورات والنجاسات وما شابه ذلك، بخلاف النفس العالية والنفس الشريفة، تجدها دائمًا تدور مع الطيب ومع الصالح ومع النافع. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على