الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الاعتصام بحبل الله يقتضي التمسك بالكتاب والسنة، وأن التفرق ناتج عن تركهما. ويوضح أن التحزب على بنود غير شرعية كبيعة أمير خاص يُعد فرقة في الدين، مستعرضاً أثر تنظيم الإخوان وتفرعاته في إدخال أفكار غالية كتكفير المجتمعات.
يوضح المقطع أن نشوء الفرق مرده مخالفة الكتاب والسنة، وأن الفرقة الناجية هي المتمسكة بالحق وحدهما. وينتقد دعوات الوحدة غير المشروطة بشرع الله، محذراً من جماعات توحد الصفوف دون التزام بالكتاب والسنة.
يستعرض المقطع وجوب الدعوة إلى الدين أصولاً وفروعاً، ويحدد أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علماء وخطباء ومحتسبين. ويحذر من التفرق والاختلاف بعد قيام البينات، مؤكداً أنه بغي يستوجب العذاب.
يشير المقطع إلى ذكر الله تعالى لصفات المؤمنين وصفات أهل الباطل المفرقين للمسلمين. ويؤكد أن هذه الصفات مفصلة في كتاب الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فأخذنا قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، إلى قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. ثم قال رحمه الله: إن بعدما أمر بالاعتصام بحبله، وحبل الله عز وجل جاء فيه روايات عن السلف، لكن كلها المراد بها دين الله وما يوصل إلى ذلك. فمنهم من قال: حبل الله هو كتابه، ومن قال: هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قائل: هو التقوى. كلها بمعنى واحد، المراد التمسك بالدين. ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾، ففيه نهي عن التفرق، والتفرق يكون بعدم التمسك بحبل الله. فإذا ترك الإنسان السنة فهو فرق الأمة، فالذي يفارق الكتاب والسنة هو الذي يفرق الأمة، والذي يتمسك بالكتاب والسنة وإن فرق فهو فرق بين الحق والباطل. فلهذا هنا أمران: اجتماعان وافتراقان. اجتماع على الحق، واجتماع على الباطل، وافتراق على الحق أو فرقة على الحق، وفرقة على باطل. وإلا فالأصل أن الاجتماع يكون على الحق، لكن قد يكون الاجتماع على باطل، وهو الاجتماع على غير الكتاب والسنة. فالاجتماع على غير الكتاب والسنة هو اجتماع باطل يفرق أهل الإسلام. ولهذا حكم العلماء على أهل التحزب أنهم أهل فرق، ويفرقون أهل الإسلام؛ لأنهم بتحزيبهم هذا، أو بحزبهم هذا، ذكروا بنودًا غير البنود التي في الكتاب والسنة. يعني يذكرون أشياء ويتعاهدون عليها وهي ليست موجودة في الكتاب والسنة. ومنها أنهم يبايعون غير الأمير الذي يكون فيهم، فيجعلون لهم أميرًا خاصًا بالتنظيم، وهذا فعل الإخوان المسلمين، ومن كان مثلهم من أصحاب جمعية الحكمة والإحسان وغيرهم، يجعلون لهم أميرًا على هذا التنظيم الذي هم فيه. وأيضًا فيه بيعات، وفيها أيضًا عهود، هم يسمون البيعة عهدًا، وكله واحد، سواء كان عهدًا أو بيعة، على أن يلتزموا بأشياء تكون بينهم، وبعضها تكون خاصة بتنظيمهم، فيجعلونها مثل خطوط حمر يعادون ويوالون عليها، وهي ليست من الإسلام في شيء. وهذا هو الفرقة التي أحدثوها في أهل الإسلام، وخاصة في أهل السنة، فهم الذين فرقوا أهل السنة. وإلا كانت السنة مجتمعة، وكان أهل السنة مجتمعين، فجاء هؤلاء بتنظيمهم، تنظيم الإخوان، ثم تفرعت منه فروع، وفرقوا أهل السنة بذلك. وخرجت من هذا التنظيم فرق من الفرق التي خالفت أهل الإسلام، كالهجرة والتكفير الذين كفروا أهل الإسلام، وأيضًا أتباع سيد قطب والسرورية الذين يكفرون المجتمعات، وغيرهم من أصحاب القول بأن هذا القرن هو مثل جاهلية قبل الإسلام، يسمونها جاهلية القرن العشرين. وألف محمد قطب، أخو سيد قطب، كتابًا سماه «جاهلية القرن». وذكر أيضًا سيد قطب أن هذا القرن أو هذا العصر مثل عصر الجاهلية تمامًا، بمعنى: أولئك كفار كلهم، وهؤلاء أيضًا كفار كلهم. فجاءت هذه الأفكار الغريبة: تكفير المسلمين، بل وأيضًا ما يتبع ذلك بتحليل دمائهم وأموالهم. وحدثت بعد ذلك هذه الفرق، من قاعدة، وأيضًا النصرة وغيرهم من هذه الفرق المنبثقة من هذا التنظيم الباطل. فلهذا تحزبهم وتكتلهم على بنود هم وضعوها، ليست من بنود الإسلام، هذا تفرق لأهل الإسلام. فكل من خالف الإسلام فهو فرق أهل الإسلام. ولهذا الفرق التي حدثت في الإسلام، كالخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم من الفرق التي حصلت، وهم منتسبون للإسلام، هم فرقوا دين الله عز وجل. ولهذا سماهم النبي صلى الله عليه وسلم فرقًا، كما جاء في حديث عوف بن مالك، وجاء من حديث معاوية وأنس وأبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة ». فهذا يدل على أن الفرق حاصل في الإسلام، وهؤلاء الفرق من أين حدثت؟ حدثت بمخالفتها للكتاب والسنة. فلهذا لما أمر الله عز وجل بالاعتصام حذر من التفرق. وما هو التفرق؟ هو ترك الكتاب والسنة ومخالفة الكتاب والسنة. فمن خالف الكتاب والسنة فهو فرق. ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾، عندهم البينات، عندهم الكتاب والسنة، لكن خالفوا الكتاب والسنة وفرقوا أهل الإسلام. وأيضًا قال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾. فكما قال عبد الله بن مسعود، كما ذكر عنه عمرو بن ميمون أنه قال: سألت عبد الله بن مسعود عن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، قال: « الفرقة الناجية ما كان الرجل على الحق، ولو كان وحده، هو على الحق، ولو كان وحده ». لكنه على الحق، على الكتاب والسنة. فإذا خرج عن الكتاب والسنة فقد فرق. إذا خرج عن الكتاب والسنة فقد فرق. وهذه الفرقة التي تحدث بالمخالفة للكتاب والسنة هي الفرقة المذمومة. وأما الفرقة التي تحصل بالكتاب والسنة، بمعنى بيان الكتاب والسنة، فهذه فرقة محمودة، مثل ما جاء في البخاري: النبي عليه الصلاة والسلام قال: « ومحمد فرق بين الناس، ومحمد فرق بين الناس ». معنى فرق بين أهل الحق وأهل الباطل. فالذي يأتي بالكتاب والسنة فهو يفرق بين الحق والباطل. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾، فإذا جاءت البينات خرج من يخالف هذه البينات وهذا الشرع، فيحصل تلك الفرقة. فاجتماع يكون على الحق، واجتماع على الباطل وهو اجتماع على غير الحق، وكذلك أيضًا من اجتمع على باطل فهو اجتماع باطل، وأما من اجتمع على الحق وعلى الكتاب والسنة فهذا اجتماع حق. طيب، قال: معناه مثل ما يكون تنظيم الإخوان المسلمين، تجد أنهم يقولون: الواجب أن نتوحد، ونتوحد، توحيد الصفوف، وهم لا يريدون أن يخضعوا لشرع الله. فتجد أنهم ينكرون الدعوة إلى التوحيد، كيف يكون معناه توحد وهم ينكرون دعوة التوحيد؟ الدعوة التي دعا إليها النبي عليه الصلاة والسلام، ودعا إليها أتباعه، فكيف يتوحد مع هؤلاء الذين ينكرون هذه الدعوة وينكرون الدعوة إلى ذلك الأمر العظيم؟ وأيضًا التحذير من الشرك، فيقولون: ليس هناك شرك، وإنما الآن شرك القصور، وأما شرك القبور فقد ذهب. وكأنهم عميان، لا يرون الشرك الذي عند الشيعة والرافضة، وعند أهل التصوف، ما يحصل عند القبور في مصر وفي غيرها من الشرك الصراح، فيقولون: هذا قد ذهب، وإنما الآن شرك القصور، ويريدون به أي ما يحصل من الحكام. والمهم أن هؤلاء فرقوا دين الله عز وجل، وفرقوا أهل الإسلام، وفرقوا السنة. قال رحمه الله: قال: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. يدعون إلى الخير وهو الدين، أصوله وفروعه وشرائعه. ولتكن منكم أمة، أي طائفة، يتفرغون للدعوة إلى الله جل وعلا. يدعون إلى الخير وهو الدين، أصوله وفروعه وشرائعه. يدعون إلى الدين كله، ما يقتصرون على بعض الدين. لكن هناك بعض الاهتمامات ببعض الأشياء، كما مثلا كما قلنا: التوحيد، يهتمون بدعوة الناس إلى التوحيد لأن شركًا قد حصل في هذه الأمة. وأيضًا لا يجعلون ولا يقتصرون الدعوة بالتوحيد فقط، بل الدعوة إلى التوحيد وإلى الأعمال والفروع وكذلك السلوك والمنهج. قال: ويأمرون بالمعروف وهو ما عرف حسنه شرعًا وعقلًا. وهذا قول أهل السنة، على أن الحسن الذي يكون حسنًا شرعًا وعقلًا، وأحيانًا يكون شرعًا فقط الذي لا تدركه العقول. ويكون أيضًا القبح قبحًا شرعًا وعقلًا كذلك، لكن أحيانًا يكون شرعًا فقط. وما كان قبحه عقلًا غالبًا يكون أيضًا محرمًا في الشرع، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾. وهذا قول أهل السنة خلافًا للمعتزلة، وكذلك الأشاعرة. قالوا: وينهون عن المنكر وهو ما عرف قبحه شرعًا وعقلًا. ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾، أي المدركون لكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب. ويدخل في هذه الطائفة أهل العلم والتعليم، والمتصدون للخطابة، وعظ الناس عمومًا، خصوصًا المحتسبون. المحتسبون: الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والدعوة إلى الله. يدخل هؤلاء كلهم. ليس هناك يقال مثلا: الذي يقوم أمام الناس هذا داعي، لا، الذي يدعو إلى الله سواء كان دعا الناس بالعلم والتعليم وهو أعظم، أو بالخطابة والوعظ، وكذلك بالنصيحة الفردية أو الجماعية، وغيرها من هذه الأمور التي تكون في الدعوة. بعض الناس مثلا برأيه وبعقله يدعو، ويؤيد من يدعو إلى الله عز وجل، ومنهم من يدعو بماله. كل ذلك يكون دعوة إلى الحق، ودعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: الذين يقومون بإلزام الناس بإقامة الصلوات وإيتاء الزكاة والقيام بشرائع الدين، وينهونهم عن المنكرات. أي هؤلاء المحتسبون. والحسبة معروفة من زمن، فهؤلاء الحسبة هم الذين يقومون بإلزام الناس بإقامة شرع الله جل وعلا، من إقامة الصلوات وإيتاء الزكوات والقيام بشرائع الدين، وينهون عن المنكرات الظاهرة. قال: فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم، أو على وجه الخصوص، أو قام بنصيحة عامة أو خاصة، فإنه داخل في هذه الآية الكريمة، وهو من أهل الفلاح. وقال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾، لا أحد أحسن منه في هذا الباب. قال: ثم نهاهم عن سلوك مسلك المتفرقين الذين جاءهم الدين والبينات، الموجب لقيامهم به واجتماعهم، فتفرقوا. أن لو تمسكوا بدين الله وبما جاءهم من البينات لكان اجتماعهم حقًا، لكن خالفوا ذلك فتفرقوا واختلفوا، وصاروا شيعًا. ولم يصدر ذلك عن جهل وضلال، وإنما صدر عن علم وقصد سيء وبغي من بعضهم على بعض. ولهذا قال: ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. ثم بين متى يكون هذا العذاب العظيم، ويمسهم هذا العذاب العظيم. ثم ذكر ربنا جل وعلا بعض هذه صفات أهل الإيمان، وصفات أهل الباطل الذين فرقوا أهل الإسلام. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر الله تعالى عنه.