تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 49

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 49

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى التقوى ودرجاتها وكونها شكراً لنعمة الله

يشرح العلامة السعدي أن التقوى هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وتتفاوت درجاتها من فعل الواجبات إلى فعل المستحبات. ويؤكد أنها اسم جامع لكل طاعة، وأن أعظم شكر لنعمة الله هو تقواه حق تقاته لأن الغاية من الخلق هي العبادة.

وجوب الاستقامة على التقوى والتمسك بالكتاب والسنة

التقوى هي عبادة الله بفعل أوامره وترك نواهيه مع الإخلاص، وشبهها عمر بن الخطاب بالاجتناب عن الشوك في الطريق. يجب على المسلم الاستمساك بالكتاب والسنة والاعتصام بحبل الله والثبات على ذلك حتى الممات.

الاعتصام بحبل الله وآثار الإسلام في توحيد القلوب

يؤكد المقطع على الاستمرار على التقوى حتى الممات مستشهداً بحديث المعاملة وآية الاعتصام، ويبين كيف جمع الإسلام قلوب الأوس والخزرج بعد عداوة. وينبه على خطر التعصب الجاهلي حتى لو كان بأسماء شرعية كما حدث في غزوة كاد ينشب فيها خلاف.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل ثبات الدين

يشير المقطع إلى أن إتمام حال الأمة وإقامة دينها يتحقق بتكليف طائفة تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويبين أن هذا الطريق هو الضمان لبقاء الخير، على أن يتم تفصيل ذلك في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا * وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا * وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ * وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ * أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال رحمه الله: هذه الآيات فيها حث الله عز وجل عباده المؤمنين أن يقوموا بشكر نعمه العظيمة، أن يتقوا حق تقواه، وأن يقوموا بطاعته وترك معصيته مخلصين له بذلك. فهذه الآية كما ذكر الشيخ أنها من شكر نعمة الله تعالى على عباده أنهم يتقونه حق تقاته. وحق التقوى هو انتثال الأمر واجتناب النهي، كما جاء عن عبد الملك بن حبيب: «أن تقوى الله أن تعمل بطاعة الله بنور من الله ترجو ثواب الله وتخشى عذابه». فهذه التقوى تتقي عذاب الله جل وعلا. فالتقوى هي من الوقاية، لهذا فالتقوى هي فعل الأمر وترك النهي. وهذه درجة، ودرجة أعظم منها في التقوى أن يتقي العبد الأمر، أو أن يفعل الأمر ويفعل أيضًا المستحب ويترك النهي والمكروه، فهذا أيضًا منزلة عظيمة من منازل التقوى. ويدخل في التقوى الورع والزهد وغيرها من المعاني الجميلة العظيمة التي جاءت في الكتاب والسنة. فالتقوى هي اسم جامع لكل طاعة لله جل وعلا وترك المعصية. فلهذا من شكر الله جل وعلا على نعمه أن يتقيه العبد حق تقواه. فربنا جل وعلا ما خلق العباد إلا ليعبدوه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فغاية الغاية هذه التي أمر الله عز وجل بها هي عبادته، والعبادة هي التقوى. فتقوى الله عز وجل هي عبادة الله: فعل الأمر وترك النهي، وهذا هو العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهر والباطن. قال: وأن يقوم بطاعة وترك معصيته، وهذا معنى التقوى كما قلنا، مخلصين له بذلك. ويتقي العبد ربه جل وعلا أن يبتعد عن ما يغضبه ويجتهد في ذلك. ولهذا جاء عن عمر أنه سأل أبيّ بن كعب - ذكره الإمام ابن القيم، لكن لما بحث عليه الباحثون لم يجدوا شيئًا من ذلك، لكن جاء في بعض كتب الآداب كالخرائطي وغيره - عند الخرائطي وغيره جاء عن أبي هريرة أنه سأل عمر، والمعنى الصحيح أنه سأله عن ما هي التقوى، فقال: «هل وجدت في طريقك طريقًا فيها شوك؟» قال: بلى. قال: «فماذا فعلت؟» قال: اجتهدت وشمرت. قال: «فهذا التقوى». أن يتقي الإنسان الوقوع فيما حرم الله، ويفعل ما أمره الله، فيجتهد في ذلك؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل كل أمر ويجتنب كل نهي. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال نبيه عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث الحكم بن حزن الكُلف، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ويقول: «يا أيها الناس، إنكم لن تستطيعوا أن تعملوا بكل ما أمرتكم به، إنكم لن تستطيعوا أن تعملوا بكل ما أمرتكم به، فسددوا وقاربوا، فسددوا وقاربوا، اجتهدوا في الصواب». أنكم تأتون التقوى. فلهذا فالتقوى أمرها عظيم عند الله جل وعلا، وهي تأتي كما قلنا بمعاني الاستقامة أيضًا، خوف الله، هذه كلها المعاني تدخل فيها الورع والزهد. قال رحمه الله: ولكن ولله الحمد، أو قال هنا: وأن يقيموا دينهم، يستمسكوا بحبله الذي أوصله إليهم وهو الكتاب والسنة، وجعله السبب بينهم وبينه وهو دينه وكتابه، والاجتماع على ذلك وعدم التفرق، وأن يستديموا إلى الممات، أن يثبتوا على هذا الحق إلى أن يموتوا. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أن لا يأتيكم الموت إلا وأنتم على الخير، على الإسلام، على ما أنتم عليه من تقوى الله جل وعلا. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار وتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر...» - أن يأتيه الموت، منيته، معنى الموت - قال: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة وتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، فليأتِ الناس ما يحب أن يؤتى إليه، فليأتِ الناس ما يحب أن يؤتى إليه». فلهذا قال هنا المؤلف: أن يستديم ذلك إلى الممات. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وأعظم الخاتمة أن يختم للعبد بالحسنة، بالدين، بالإسلام، بالإيمان، بذكر الله عز وجل، وكل ما دل على ذلك فهذا من الخاتمة الحسنة، أنه يموت على ما يكون فيه طاعة لله وتقوى لله. ثم ذكر جل وعلا الاعتصام بحبله، قال: ذكرهم ما هم عليه قبل هذه النعمة، وهو أنهم كانوا أعداء متفرقين، فجمعهم بهذا الدين وألف بين قلوبهم وجعلهم إخوانًا. فعن كانوا متعادين. وهذه الآية لا شك أنها نزلت في الأوس والخزرج، كانت بينهم حروب في الجاهلية، ثم صاروا إخوانًا، وصاروا أيضًا أكثر من الإخوان، ونسوا ذلك الصراع الذي كان بينهم، ونسوا تلك الحروب، ونسوا أيضًا الثارات التي حصلت بينهم، وكل ذلك لأن الإسلام هذب نفوسهم. وإن كان وجد من يحرش في مثل هذه الأمور، والشيطان يدفعه، هناك وجد من يحرش الناس أو من يحرش الأنصار في تلك الأمور، مثل ما حصل في تلك الغزوة، أن رجلًا من الأنصار كسع رجلًا من المهاجرين، كسعه، مع أن يضربه برجله في مؤخرته، فغضب هذا المهاجر وقال: يا للمهاجرين، وقال الرجل الأنصاري: يا للأنصار. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «أبدعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ أبدعوة الجاهلية؟» سماها النبي صلى الله عليه وسلم جاهلية، مع أنها أسماء شرعية: المهاجرون والأنصار، لكن لما جعلت للتعصب سماها النبي صلى الله عليه وسلم جاهلية. «أبدعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة». فلهذا حصل شيء من هذا لكنه يسير، وإلا فكانوا إخوانًا ويقاتلون معًا ويثني بعضهم على بعض. قال رحمه الله: فأنقذهم من الشقاء ونهج بهم طريق السعادة، لذلك بين الله لكم الآيات لعلكم تهتدون إلى شكر الله والتمسك بحبله. وأمرهم بتتميم هذه الحالة، والسبب الأقوى الذي يتمكنون به من إقامة دينهم بأن يتصدى منهم طائفة يحصل فيها الكفاية. أن بيّن لهم الطريق والسبيل إلى ثبات هذا الخير وإلى بقاء هذا الخير، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإن شاء الله تعالى نتكلم عليه في الدرس الآخر. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.