تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 52

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 52

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات آل عمران 108-109 وبيان الفرقان بين الحق والباطل

يشرح العلامة السعدي أن الآيتين تفصلان بين الحق والباطل وتحدد مصير الأولياء والأعداء، مؤكداً عدل الله وفضله في عدم ظلم العباد. كما تبين الآيات أن الناس يوم القيامة فريقان: فريق تبيض وجوههم وفريق تسود وجوههم.

العدل الإلهي والفضل في الجزاء وأنواع الأحكام الإلهية

يوضح المقطع أن ثواب المؤمنين من فضل الله وعقاب الكافرين من عدله، مع تنزيه الله عن الظلم. ويستعرض أصناف الأحكام الإلهية الثلاثة: القدرية والشرعية والجزائية.

خاتمة تلخيص شرح الآيات والترجمة

يختتم المؤلف تلخيصه لشرح الآيات مؤكداً الاكتفاء بما ذُكر. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 108]، ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [آل عمران: 109]. قال رحمه الله: يثني تعالى على ما قصه على نبيه من آياته التي حصل بها الفرقان بين الحق والباطل، وبين أولياء الله وأعدائه، وما عده لهؤلاء من الثواب وللآخرين من العقاب، وأن ذلك مقتضى فضله وعدله وحكمته، وأنه لم يظلم عباده ولم ينقصهم من أعمالهم، أو يعذب أحدًا بغير ذنبه، أو يحمل عليه وزر غيره. ولما ذكر أن له الأمر والشرع، ذكر أن له تمام الملك والتصرف والسلطان. فهذه الآية كأنها فاصل بين تلك الآيات الكثيرة التي بيّن الله عز وجل فيها ضلال اليهود والنصارى، وأبطل أيضًا دحض حججهم، أبان أن حججهم لا شيء التي يقولونها والتي يدعونها، وإنما هي أماني ليس إلا. وقد قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111]، فليست لهم براهين وإنما هي أماني يتشبثون بها، فزيّفها الله عز وجل في هذه السورة. أبان ربنا سبحانه وتعالى أن الناس يوم القيامة على فريقين: فريق تبيض وجوههم، وفريق تسود وجوههم. فبعد أن بيّن هذا البيان العظيم، قال جل وعلا: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾، أي هذا الفرقان الحق، وهذه الآيات التي تبين الحق، وألزم هؤلاء على باطل، أي اليهود والنصارى، ومن كان مثلهم من أهل الأهواء والبدع الذين اخترعوا في دين الله، والذين أيضًا يبتعدون عن الهدي الصحيح. فهؤلاء بيّن الله عز وجل مناهجهم في هذه الآيات، فهذه آياته. قال: ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ ﴾، فمن عمل صالحًا فليحمد الله، ومن أساء فإنما على نفسه، ولم يظلمه الله عز وجل. وكما قال المؤلف رحمه الله، فذلك كله بمقتضى فضله وعدله، فما كان من فضل ومن ثواب وجزاء عظيم يعطيه الله عز وجل أهل الإيمان فهو من فضله، وما كان من عقاب وجزاء لأهل الكفر والفساد والفجور فهذا من عدله جل وعلا. ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ﴾ [الزخرف: 76]، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 117]، فهم الذين ظلموا أنفسهم، وهم أيضًا الذين تسببوا في ظلم أنفسهم. وأما ربنا سبحانه وتعالى فقد نزه نفسه عن الظلم جل وعلا، والظلم يعتبر من الصفات السلبية والمنفية في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا »، فلهذا فربنا جل وعلا نزه عن نفسه الظلم لأجل أن يثبت كمال الضد وهو العدل، عدله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضًا فضله الذي أعطاه لعباده الصالحين. فالناس يتقلبون بين الفضل والعدل، فأهل الثواب هم أهل الفضل، وأهل العقاب هم أهل العدل، ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ ﴾. ثم قال: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾، فيجازي المحسنين بإحسانهم والمسيئين بعصيانهم. وكثيرًا ما يذكر الله عز وجل أحكامه الثلاثة مجتمعة، يبين لعباده أنه الحاكم المطلق، فله الأحكام القدرية والأحكام الشرعية والأحكام الجزائية. الأحكام القدرية: أي ما قدره الله عز وجل في هذا الكون، وكل ما يقع في هذه المعمورة، هذه الأحكام القدرية التي تابعة للقدر وتابعة لعلم الله عز وجل الأزلي الذي علم كل شيء سبحانه وتعالى، ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 7]. والأحكام الشرعية: هي التي جاءت في الآيات والحديث من الأوامر والنواهي. والأحكام الجزائية: تترتب على الأعمال الصالحة وكذلك الأعمال الفاسدة والطالحة، فهذا هو الأحكام الجزائية، ما يرتبه الله عز وجل من الثواب والعقاب. فيقول المؤلف رحمه الله: إن ربنا سبحانه وتعالى كثيرًا ما يذكر أحكامه الثلاثة مجتمعة، يبين لعباده أنه الحاكم المطلق، أي عنده هذه الأشياء: أحكام قدرية تقع بمشيئته، وأحكام شرعية يأمرهم الله عز وجل وينهاهم، ثم بعد ذلك أحكام جزائية يجازي المحسن وأيضًا كذلك المسيء. فهذه ثلاثة أحكام تدل على حكم الله عز وجل المطلق، وأنه الحاكم الذي لا يتعقبه أحد، لا يتعقب حكمه أحد، كما قال: ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62]، ﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ [الرعد: 41]، ولا أيضًا يعارض حكمه أحد، فله الحكم المطلق سبحانه وتعالى. قال: فهو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فيكون بالأحكام القدرية والشرعية، وكذلك أيضًا الجزائية في العقوبات التي يجعلها الله، أو في الفضل والنعم التي يمدها ربنا سبحانه وتعالى لعباده. قالوا: ومن سواه، ومن سواه من المخلوقات محكوم عليها، ليس لها من الأمر شيء، لا من الأحكام القدرية لأن كل شيء داخل مشيئته سبحانه وتعالى، فمشيئة العباد تابعة لمشيئة الله جل وعلا النافذة في كل شيء. وأما الأحكام الشرعية فليس لهم حكم، بل الحكم لله جل وعلا. ومن ادعى أن الحكم لغير الله، كما يقولون: الحكم للشعب كما هي الديمقراطية، أو الحكم للناس، أو الحكم لكذا وكذا، فهذه كل من أحكام الجاهلية، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]. قال مجاهد وغيره: كل حكم ليس هو حكم الله فهو حكم الجاهلية، ليس حكم الله فهو حكم الجاهلية، ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾. فهذا خلاصة ما يذكر وما بينه المؤلف رحمه الله في ذكر هذه الآيات. سنكتفي بهذا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر