مقتطفات من فوائد الفوائد 24

الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 24، الدرس الرابع والعشرون:( الزهد في الدنيا ). ألقاها

تعريف الزهد وكيفيته

الزهد في الدنيا يعني ترك ما لا ينفع في الآخرة، ويستقيم بعد نظرين: النظر في الدنيا وسرعة زوالها، والنظر في الآخرة وإقبالها ودوامها.

أحكام الحيض والصفرة والكدرة

تأخذ أيام الصفرة والكدرة حكم ما قبلها، فإذا كانت قبلها حيضا فهي حيض، وإذا كانت قبلها طهرا فهي طهر. المرأة الحائض لا يصح صيامها.

حكم قراءة ومس القرآن للمرأة الحائض

ذهب جماعة من المحققين إلى جواز قراءة ومس القرآن للمرأة الحائض، واستدلوا بآيات وأحاديث نبوية، منها أن المقصود بالآية "لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ" هم الملائكة.

حكم قراءة القرآن بدون طهارة

يتحرى الإنسان التقوى بقدر استطاعته عند قراءة القرآن، مع الإشارة إلى آراء مختلفة حول قراءة القرآن بدون طهارة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. عنوان درسنا في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا بعنوان الزهد في الدنيا. الزهد في الدنيا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى تعاريف كثيرة في معنى الزهد، وأحسنوا التعاريف، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ما ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. الزهد تعريفه ترك ما لا ينفع في الآخرة، كما أن الورع ترك ما يضر في الآخرة، كما ذكر ذلك الشيخ الإسلام فيما نقله عنه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض كتبه، في مدارج السالكين وفي غيرها. قال رحمه الله تعالى في مدارج السالكين: لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا. قال: ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين. الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كعادته يبين أولا ما هي الأسباب وما هي العوائق، ثم يبين كيف يستطيع الإنسان أن يتجاوز تلك العوائق وأن يكون ممن صار على الطريق الذي أراده. فيقول رحمه الله تعالى: لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا. أي لابد أن تكون زاهدا في الدنيا. فكأنه هناك سؤال آخر مقدر وهو: كيف نزهد في الدنيا؟ فقال رحمه الله: ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين. أي إن أردت أن تكون زاهدا في هذه الدنيا كما أحب الله جل وعلا منك أن تكون كذلك، وكما أحب منك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون كذلك. فيقول إمام ابن القيم: لا يستقيم هذا إلا بعد نظرين صحيحين. والمراد بالنظر التأمل والتفكر. قال رحمه الله تعالى: النظر الأول النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها، واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم الرغبة عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف. فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها. إذن هو إما في هم قبل حصولها، وإما في هم عند الظفر بها وحصولها، وإما في هم وحزن بعد زوالها. فإذا هو في هم وغم في أحواله الثلاثة. قال رحمه الله تعالى: فهذا أحد النظرين. ومعنى هذا أن تنظر إلى الدنيا بهذا المنظار: هل هي باقية؟ الجواب: لا. هل قبل حصولها يكون فرح وسرور؟ الجواب: لا، يكون هم وحزن. فإذا ظفرت بها هل يكون فرح وسرور؟ الجواب: لا، هم وحزن. بعد أن تفوت إن فاتت عليك هل تجد فرحا وسرورا؟ الجواب: لا، بل هم وحزن. إذن مدارها على الهم والحزن. قال رحمه الله: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينها وبين ما هاهنا. قال: فهي كما قال سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة. قال رحمه الله: فإذا تم له هذين نظران، آثر ما يقتضي العقل إيثاره. فإذا تم له هذين نظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره، وزهد فيما يقتضي الزهد فيه. أي كأن ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن هذا لا يكون إلا بنظرين، يقول: بعد النظرين العقل الكامل والإنسان العاقل، بعد أن يرى ويدرك هذا الأمر وحقيقة هذا الأمر. قال رحمه الله تعالى: فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة، إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل، وقويت رغبته في الأعلى الأفضل. فإذا آثر الفاني الناقص كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له، وإما لعدم رغبته في الأفضل. يقول إمام ابن القيم رحمه الله: فكل أحد مطبوع أي أن الإنسان طبع على هذا، جبل على ماذا؟ قال: على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلا متى؟ إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل. قال رحمه الله: وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة. قال: فإن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى، وإما أن لا يصدق. قال: فإن لم يصدق كان عادما للإيمان رأسا، لأنه لم يؤمن بالآخرة. قال رحمه الله تعالى: وإن صدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل، سيء الاختيار لنفسه. أي أنه دائر بين أمرين: إما أن يكون دينه فاسد، وإما أن يكون عقله فاسد. إن قدم الدنيا العاجلة على الآخرة. قال رحمه الله تعالى: وهذا تقسيم حاضر ضروري، لا ينفك العبد من أحد القسمين منه. فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان، وإما من فساد في العقل. قال: وما أكثر ما يكون منهما. وهذا حال الكافرين. قال رحمه الله تعالى: ولهذا نبذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم، واضطجعوها، ولم يألفوها، وهجروها، ولم يميلوا إليها، وعدوها سجنا لا جنة. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». قال رحمه الله: فزهدوا فيها حقيقة الزهد. ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب. فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. قال رحمه الله: وفاضت على أصحابه فآثروها بها، ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها. وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن له بالرحيل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مالي وللدنيا، إنما أنا كراكب في ظل شجرة ثم راح وتركها». النبي صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث وهو حديث صح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود، وحسن لغيره. قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعيه في اليم، فلينظر بما يرجع». النبي صلى الله عليه وسلم كذلك يعلم أصحابه فيقول لهم: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم». قال رحمه الله تعالى: وقال خالقها سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. إلى آخر الآية. قال الإمام ابن القيم: فأخبر عن ذم الدنيا وزهد فيها، وأخبر عن دار السلام ودعا إليها. زهد في الدنيا وبيّن حقيقتها، ودعا ربنا جل وعلا وخالقنا ومولانا ومليكنا سبحانه وتعالى دعا إلى دار السلام. قال: وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. إلى غير ذلك من الآيات التي ذكرها رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال رحمه الله: وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تساقله عن طاعة الله وطلب الآخرة. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ملفتا النظر إلى هذه المسألة الخفية. قال: فلينظر الإنسان حاله، إذا رأى من نفسه إقبالا على الله وإقبالا على الطاعة، فليحمد الله. وإن رأى من نفسه تساقلا عن طاعة الله جل وعلا وإقبالا إلى الدنيا، فليسأل الله جل وعلا أن يعافيه مما ابتلي به، وليسأل الله جل وعلا من فضله. قال رحمه الله: ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. إلى هنا انتهى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الباب. أما السؤال الأول: امرأة تسأل أن زوجها جاء معها فخرج منها دم يسير، وكانت منتظرة الدورة، ثم انقطع الدم وأصبح يخرج منها صفرة يوم وليلة، ثم خرج منها الدم، بقيت تصوم وتصلي، فهل تكون أيام الصفرة من الحيض؟ الجواب: أن أيام الصفرة تأخذ حكم ما قبلها. أيام الصفرة والكدرة تأخذ حكم ما قبلها. فإذا كان قبلها حيضا فإنها تأخذ حكم الحيض. وإذا كان قبلها طهرا فإنها تأخذ حكم الطهر. لحديث أم عطية في البخاري، وكذلك جاء في خارج البخاري بزيادة كما في سنن أبي داود وغيره. قالت أم عطية رضي الله عنها وأرضاها: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا». أي إذا طهرت المرأة ثم ظهر منها صفرة أو كدرة، فكانت الصفرة أو الكدرة بعد الطهر أو في زمن الطهر، فإنه يكون طهرا، ولا يعد شيئا. فإذا كان في زمن الحيض أو بعد الحيض متصلا بالحيض، فإنه يكون له حكم الحيض. لحديث: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا». قال العلماء: مفهومه أنهم كانوا يعدونه بعد الحيض شيئا. مفهومه أنهم كانوا يعدونه بعد الحيض شيئا، أي بعد الحيض يأخذ حكم الحيض، وبعد الطهر يأخذ حكم الطهر. فإذا كان كذلك، وصامت المرأة في الحالة المذكورة، في حالة الطهر قبل أن يخرج منها الحيض، فإن صيامها صحيح. وإن كان بعد خروج دم الحيض، ثم ظهرت صفرة أو كدرة، فإن صيامها لا يصح في تلك الأيام. فالحاصل على هذا، فالظاهر ها هنا في السؤال أنها تقول: كان منتظرا الدورة، ثم انقطع الدم وأصبح يخرج منها صفرة يوم وليلة. فالدم اليسير الأول إذا كان دم حيض، والمرأة أعلم بحيضها من غيرها. فإذا كان دم حيض، ثم عقب ذلك صفرة أو كدرة، فيأخذ حكمه. وإن لم يكن دم حيض، ولكن خرج ذلك الدم بسبب كما ذكرت: بسبب جماع زوجها، ثم انقطع، وبقيت الصفرة أو الكدرة، ثم استمرت كذلك، ثم خرجت الحيضة، فإنه لا يكون حيضا، ولكن دم الأول يكون دم فساد. فتغسله وتصلي وتصوم، الأول تغسله وتصلي وتصوم، ولا تبالي بالصفرة أو الكدرة التي كانت عقب الدم الذي ليس بدم حيض. السؤال الثاني: إذا جاء مع الرجل زوجته، وقبل أن تغسل نزل منها دم الحيض، هل تغسل بنية رفع الجنابة؟ وهل يجوز قراءة القرآن ودخول المسجد والحال هذا؟ الجواب: أنها تغسل لغسل جنابة. فإذا طهرت من الحيض اغتسلت كذلك لغسل الحيض. ولكن الفقهاء يذكرون المسألة ها هنا: إن قطع حيضها، وكانت على جنابة من قبل، ولم تغسل، هل يجزئ الغسل الواحد للأمرين؟ الجواب: إذا كان بالنية، بنية التشريك، يجزئ. وإذا كان بنية غسل الحيض، فبعض أهل العلم ذهب إلى أنه يجزئ. والأظهر أنها تغسل غسلين: تغسل غسل الجنابة، وتغسل غسل الحيض، لأنهم واجبان مقصودان. أما قراءة القرآن، فجمهور أهل العلم يمنعون من هذا. جمهور أهل العلم يمنعون المرأة الحائض من أن تقرأ القرآن، واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة. والذي عليه جماعة من المحققين، وعليه فتوى العلامة الألباني، وكذا فتوى شيخنا العلامة مقبل بن هاد الوادعي: أنه لا بأس بقراءة المرأة الحائض للقرآن، وهي حائض. بل وكذلك مس القرآن، لا بأس للمرأة أن تمس القرآن وهي حائض. وذلك لما أولا: أن الأدلة المذكورة منها ما هو صحيح، وليس بصريح. ومنها ما هو صحيح، وليس بصريح. فالصحيح الذي ليس بصريح: قول الله جل وعلا: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. هذه آية من كتاب الله جل وعلا. فبعض أهل العلم استدل بها على أن القرآن لا يمسه إلا طاهر، لا يمسه إلا طاهر. طاهر. وهذه الآية كما ذكر العلماء: إنما هي إنما المراد بهم الملائكة، لا يمسه إلا المطهرون، أي الملائكة. إذ أن المطهرون: الملائكة. أما الإنسان، متطهر. المسلمون متطهرون، أي يتطهرون متى ما جاء وقت الطهارة، تطهروا. لذا قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. المتطهرين من الرجال أو النساء. مقصود هنا يتطهر نساء من الحيض. فالحاصل أن المقصود بالآية: الملائكة. بقي استدل كذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عمر بن حازم، عن أبيه، عن جده: «لا يمس القرآن إلا طاهر». بعض أهل العلم يحسنون هذا الحديث، وبعضهم لا يحسنه. وعلى تحسين هذا الحديث، وقع الخلاف كذلك: هل من كان على غير طهارة يمس القرآن أم لا؟ فاستدل بعضهم على عدم الجواز بهذا الحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر». وبعض أهل العلم من صحح هذا الحديث، وقال: لا دلالة فيه على ذلك. لأن المقصود: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، معناه: لا يمسه النجس، لا يمسه من كان نجسا. قالوا: والمؤمن ليس بنجس. والمؤمن ليس بنجس، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة حينما كان على جنابة، فذهب ثم اغتسل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره: «إنه كان على جنابة»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن لا ينجس». بمعنى أن المؤمن لو كان على جنابة، فإنه لا ينجس. فاستدل من استدل بهذا الحديث على أن المؤمن لا ينجس. فإذا كان لا ينجس، جاز له أن يأخذ المصحف، وأن يقرأ القرآن. وكذلك استدل العلماء رحمهم الله تعالى على جواز مس المصحف للمرأة الحائض، وكذا الجنب، بما جاء في الصحيح: عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «ناوليني الخمرة». وكانت في المسجد، وكانت الخمرة في المسجد. فقالت له عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «يا رسول الله، إني حائض». فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن حيضتك ليست بيدك». بمعنى أن مكان الحائض محله معروف، وليست الحائض بيدك. فيدك ليست بنجسة. فأخذت تلك الخمرة وأعطتها للنبي صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: معنى هذا أن الحائض إذا مست المصحف بيدها، فإن يدها ليست بنجسة، وحيضتها ليست بيدها. فاستدلوا كذلك على جواز مس المصحف للحائض وللجنب بهذا الحديث. والحاصل: أنه ذكرت جملة من الأدلة في ذلك. وعلى هذا القول كما سمعتم من سبق ذكره من العلماء، فلا مانع من أن تمس القرآن المرأة الحائض، والمرأة الجنب. بل جاء في صحيح مسلم، من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل أحيانه». يقرأ القرآن على كل أحيانه. وجاء أيضا في صحيح مسلم، وغيره: من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري، وأنا حائض، فيقرأ القرآن». يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن. فالحاصل: أن هذه الأدلة بمجموعها، بل ببعض أفرادها، تدل على جواز قراءة القرآن ومس القرآن للحائض وللجنب. والله أعلم. لكن ما هو الأفضل؟ وما هو الأكمل؟ الأكمل للجنب أن يغتسل، ولمن أحدث حدثا أصغر أن يتوضأ. هذا هو الأكمل. لأن الله عز وجل يحب المتطهرين. وكلما كان الإنسان في قراءة كتاب الله جل وعلا في حالة أكمل، كان أولى وأفضل، وكان أدعى لتعظيم كتاب الله جل وعلا. لكن إن احتاج لقراءة القرآن، كحال المرأة الحائض، تستمر بها أسبوع، عشرة أيام، أو أقل أو أكثر، فنقول: لا تمس المصحف. الجواب: لا بأس في مس المصحف لهذا المعنى. والله تعالى أعلم. ودخول المسجد والحال هذا، الجواب: تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تأتي بالخمرة من المسجد، وكانت حائض. فدل هذا على جواز دخول المرأة الحائض المسجد. وسدل العلماء كذلك بما جاء في الصحيح: أن امرأة السوداء كانت تقوم في المسجد، وكان لها بيت أو خباء في المسجد. قال العلماء: وفيه دلالة على أن المرأة يجوز أن تبقى في المسجد، ولو كانت حائض. إذ أن هذه المرأة لا بد أن تكون حائض، وليس لها منزل إلا في المسجد. فدل على عدم المانع من ذلك. وأيضا استدلنا بما كان من حال نساء النبي صلى الله عليه وسلم في حال الاعتكاف. فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يعتكفن معه في المسجد، وعددهن تسع. والغالب أن يبعد أن واحدة منهن لا يأتيها الحيض في خلال تلك الفترة. فالحاصل: أن فيه معنى من هذه المعاني، فيه معنى جواز بقاء المرأة إذا كان مثلا معتكفة، أو دخلت المسجد لحاجة، أو ما شابه ذلك، لا بأس في ذلك إن كان لحاجة. أما إذا كان لغير حاجة، تبقى في بيتها، هو خير لها. طيب. الأخ يقول: يخرج منه بعض الهواء أثناء قراءة القرآن، يعني شبه الفساء، أو ما شابه ذلك، في أثناء قراءة القرآن، فماذا يصنع؟ الجواب: نقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وتقدم الكلام على مسألة حكم قراءة القرآن لغير الطاهر. والله تعالى أعلم.

شاركنا على