الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  296

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 296

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 296، ألقاها

تراجم العلماء الثقات

يتحدث هذا الفصل عن ترجمة يحيى بن سعيد القطان ومسدد بن مسرهد، حيث يذكر أقوال العلماء في حفظهما واتقانهما لعلم الحديث. كما يتناول ترجمة عكرمة وروايته عن الحجاج بن عمر الأنصاري.

رواية وتصحيح الروايات

يتناول هذا الفصل رواية يحيى بن أبي كثير عن تلاميذه وتوضيح تواضعه، كما يوضح الاختلاف في روايات عكرمة حول حديث معين وتصحيح العلماء لبعض هذه الروايات.

أحكام الحج والإحصار

يشرح هذا الفصل مفهوم الإحصار في الحج وحكم التحلل في حالة الإحصار ووجوب الهدي أو الصيام، كما يشير إلى وجوب إعادة الحج لمن استطاع في السنة التالية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في مسند حجاج بن عمر الأنصاري رضي الله عنهما. حجاج بن عمر هو من بني غنم بن مازن، المازني الأنصاري رضي الله عنه، وقد كان من صغار الصحابة. وكان أيضا عند زيد بن ثابت يتعلم. قال رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، ومسدد هو ابن مسرهد، أبو الحسن البصري. قال الإمام البخاري رحمه الله: هو مسدد كاسمه، وكان حافظا كبيرا. قال يحيى بن سعيد، وهو شيخه يحيى بن سعيد القطان: لو أتيت مسددا إلى بيته لكان يستأهل ذلك. وقال أيضا: لو أني أردت أن أعطي أحدا كتبي يحفظها عنده لأعطيتها مسددا. وكان مسدد رحمه الله على السنة، وقد كتب إلى الإمام أحمد يخبره ببعض السنة، فكتب إليه رسالة سميت رسالة إلى مسدد، وذكر فيها الإمام أحمد بعد بعض الاعتقادات: أعتقدها للسنة. قال: أكبرنا يحيى، ويحيى بن سعيد الإمام الجبل، كان لا يمارى ولا أيضا يقارن في هذا العلم. كما قال الإمام أحمد رحمه الله: ما قارنت أحدا بيحيى بن سعيد إلا ورأيت يحيى بن سعيد أكبر منه، أي في علم الحديث. وقال رحمه الله: لا أعلم أحدا في العلم أفضل من يحيى بن سعيد، يخبر عن رؤيته أنه لا أحد أفضل في هذا العلم، خاصة علم الحديث، أفضل من يحيى بن سعيد رحمه الله. كان حافظا كبيرا، وأيضا عارفا بهذا العلم، وعارفا بروايات المشايخ، بل كان لا يروي إلا ما كان متصلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يفعله إلا رجل مطلع، فلهذا كان يحيى بن سعيد من الجبال في هذا العلم. وكان رحمه الله من أزهد الناس، وكان أيضا يحب القراءة. وجاءت رواية صحيحة ذكرها الإمام أبو محمد في الجرح والتعديل أن سبب موت يحيى بن سعيد أنه كان يقرأ عليه الطلبة، كان يجلس في شرف، ثم يمر الطلبة عليه فيحدث على طريقة العراق التحديث، يحدث كل طالب خمسة أحاديث أو ستة على ما بدا له. فمر من عنده محمد بن إسماعيل الترمذي -محمد بن إسماعيل الترمذي ليس هو صاحب السنن، صاحب السنن محمد بن عيسى، ولم يسمع منه يحيى بن سعيد، وإنما هو أنزل وهو من تلاميذ البخاري- فمر من عنده محمد بن إسماعيل وكان مقرئا يقرأ القرآن، وقد قرأ عند عبد الله بن كثير وغيره، فقال له: لا أحدثك حتى تقرأ أنا. قال: لا أحدثك حديثا حتى تقرأ قرآنا. قال: فقرأ محمد بن إسماعيل سورة الزلزلة، فلم ينته منها إلا وسقط يحيى، حتى خدش. سقط من مكان مرتفع، فأخذ إلى بيته، فمات بعد أيام رحمه الله. وكان كثيرا ما يسقط. ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لو كان هذا يدفع لدفعه يحيى بن سعيد. لو كان هذا الشيء معناه كان كثير من السلف يسقطون، وإن كان لم يحصل هذا عند الصحابة رضي الله عنهم، وإنما حصل بعدهم. لكن أحيانا يحصل بدون تعمد. قال: «حدثنا يحيى بن أبي كثير، وهو أبو نصر يحيى بن أبي كثير، يقارن بالزهري، وهو حافظ كبير، بل إن شعبة كان يفضل يحيى بن أبي كثير على الزهري لكثرة حفظه. وقال الإمام أحمد: تتبعت أحاديث يحيى بن أبي كثير فلم أره أخطأ في شيء، الخطأ عنده عزيز جدا. كان إذا حفظ شيئا حفظه كما هو ويؤديه كما سمع، حتى قال همام: مما تعجب من يحيى بن أبي كثير، قال: كنا نحدثه بالغداة في الشيء، فيحدثنا به بالعشي. فيحدثنا به بالعشي، غالبا الشيخ إذا سمع شيئا من التلاميذ تجد أنه لا يحفظه جيدا. ولهذا لو نظرت إلى تراجم بعض الكبار كلاعمش وأبي سحاق السبيعي وجماعة من هؤلاء، تجد أن روايتهم عن بعض التلاميذ لا يضبطونها. مثلا للاعمش إذا روى عن بعض تلاميذه تجد أنه لا يضبط حديثه، كذلك أبو سحاق السبيعي، كذلك جماعة. لكن يحيى بن أبي كثير يروي عن تلاميذه ويحفظ هذا الحديث كأنه معنى يضبطه، فيأتي لهم به بالعشي. العشي معنى بعد العصر، يأتي لهم بهذا الحديث الذي قد سمعوا منهم بعد الفجر. وكان رحمه الله يروي عن تلاميذه، بل إنه روى عن هقل بن زياد، وهقل بن زياد تلميذ للأوزاعي، والأوزاعي يعتبر من صغار تلاميذ يحيى بن أبي كثير، وهذا لشدة تواضعه. فكان يروي عن هقل بن زياد عن الأوزاعي، فكان تواضعه عظيم حتى رفعه الله عز وجل. وكان إمام أهل الجزيرة، إمام أهل اليمامة. قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة، وعكرمة هو أبو عبد الله البربري، مولى بن عباس رضي الله عنهما. وكان عكرمة واسع العلم، كما ذكرنا بالأمس أن عكرمة هو أوسع أصحاب بن عباس وأفقههم. قال عن عكرمة: قال سمعت الحجاج بن عمر الأنصاري. هنا في رواية حجاج الصواف أن يحيى بن أبي كثير أن عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمر الأنصاري. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخلاف. هذا قد ذكره الشيخ رحمه الله. قال: سمعت الحجاج بن عمر الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». قال عكرمة: فسألت بن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقال: لا، صدق. قال: حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، من عسقلان التي هي قرب القدس، وسلمة وهو ابن الشبيب، قال: أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني، أبو بكر، عن معمر، وهو معمر بن راشد، أبو عروة اليماني البصري، عن أصله بصري، لكن سكن في اليمن ولزمها، قال: عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة، وهو أبو عبد الله كما قلنا البربري. وعكرمة لم يثبت عنه شيء من أقوال الخوارج، اتهمه بعض السلف بأنه مع الخوارج، لكن لم يثبت عنه قول ولا خروج. لكنه في آخر عمره لما ذهب إلى الكوفة جلس عند الصفرية، جلس عند قوم يقال لهم الصفرية، والصفرية هؤلاء خوارج، لكن الظاهر أنه لم يعلم معتقدهم وظنهم أناس عباد. فجلس عندهم، وكان مختفيا، لكن كما قلنا لم يثبت عنه شيء من أقوال الخوارج، ولا أيضا كذلك من مذهبهم، فلهذا فهو من أهل السنة. وقد دافع عنه جماعة من العلماء كالإمام أحمد وغيره. وكذلك ذكره البخاري في صحيحه. قال: عن عكرمة عن عبد الله بن رافع، وهو ابن أبي رافع، مولى أم سلمة رضي الله عنها، وهو ثقة. وهنا ذكر واسطة بين عكرمة والحجاج. قال: عن الحجاج بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كسر أو عرج أو مرض» فذكر معناه. قال سلمة بن شبيب: أنبأنا معمر. طيب. قال: هذا حديث صحيح. قال الشيخ: لا يضره أن عكرمة تارة يرويه عن الحجاج وتارة يرويه بواسطة، فيحتمل أنه رواه عن حجاج ثم ثبته فيه عبد الله بن رافع، ويحتمل أنه رواه عن عبد الله بن رافع ثم تيسر له لقي حجاج بن عمر فرواه عاليا والله أعلم. لكن بعض العلماء كالبخاري وأبي حاتم رأوا أن رواية معمر وسلمة أصح، وهي التي فيها ذكر عبد الله بن رافع. ذكر عبد الله بن رافع. بل قال الإمام أبو حاتم: لم يسمع من الحجاج بن عمر إلا عبد الله بن رافع. هذا يدل على أنه لم يصح سماع عكرمة عنه. والظاهر أن الحجاج بن الصواف -ابن أبي عثمان الصواف- هو الذي أخطأ في ذكر السماع، أو أنه كما قال الشيخ: أن عكرمة سمع من الحجاج، وكذلك سمعه من عبد الله بن رافع عن الحجاج. قال: على أن البخاري يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح، يعني التي فيها عبد الله بن رافع، كما في الترمذي. قال: والحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه النسائي وابن ماجة. فهذا الحديث في حكم من الأحكام، في أحكام الحج وأحكام الإحصار والفوات. الإحصار إذا أحصر الإنسان، منع من أداء الحج. معنى أحرم من الميقات ثم منع من الحج أو من العمرة، فهذا يسمى إحصارا. والفوات هو أن يفوت عليه الحج، مثل أن يأتي إلى الحج وقد خرج الناس من عرفة. يأتي مثلا في فجر اليوم العاشر، يوم العيد، فاته الوقوف بعرفة، فهذا يعتبر فواتا. حجه غير صحيح، فات عليه الحج. فهناك تجد في أبواب في الفقه وكتب الفقه بابا أو كتابا في الإحصار والفوات. وهذا الحديث من قسم الإحصار. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المرض يعتبر من الإحصار، كما ذهب بعضهم كالحنفية إلى أن الإحصار إنما يكون لإحصار عدو، لأن الله عز وجل إنما ذكر الإحصار في القرآن: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فإن أحصرتم أي منعتم من الحج. ومما يمنع المرض، مما يمنع. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين قال لضباعة بنت الزبير بنت عمه: أراك تشتكين، قالت: مريضة. قال: «فإذا أحرمتي فاشترطي». قالت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: «أقولي: اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني». قال: قال: قولي: «اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني». والحديث معروف في الصحيحين، حديث الزهري عن عروة عن عائشة. وهذا الحديث أيضا مثله: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». والمراد من كسر أو عرج، معناه كسرت رجله، سقط من فوق ناقة، أو سقط أو حصل حادث لهم بالسيارة، فكسرت رجله، فاحتاج إلى أن يذهب إلى العلاج، فذهب عليه الحج أو فاته الحج. فهنا يحل بهذا، وعليه هدي. فإن حصرتم فما استيسر من الهدي، إلا إن اشترط. والشرط هل يجوز لكل أحد؟ أم لمن يجد أنه مثلا يشتكي من مرض أو من غيره؟ فبعض العلماء قال: هو عام، من اشترط في الإحرام فإنه إن حل ليس عليه هدي. وهذا فائدة الاشتراط. فائدة الاشتراط: من اشترط فإنه يسقط عنه الهدي. ومن لم يشترط، معنى يجب عليه الهدي، معنى يذبح هديا. إن كان معه فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة. فمن كسر أو عرج، صاب أو عرج بشلل أو غيره، فلم يستطع أن يذهب إلى الحج. لكن مثلا إن استطاع أن يذهب ويحج، مثل هذه الهيئات مثلا الناس في السيارات يذهب إلى المستشفى يربط رجله، قد لا يتجاوز هذا يوما أو يومين أو حتى ساعات، فمعنى يذهب يعالج نفسه ويذهب إلى الحج. لكن هذا هنا من كسر أو عرج فقد حل، لمن تيقن أنه لا يستطيع أن يذهب إلى الحج أو أنه يفوته الحج. أما من يعرف أنه مثلا سيذهب، وأن هذا سيعالجه في أيام أو في يومين أو كذا أو في ساعات، ثم يذهب بسيارته أو بمواصلات إلى الحج، فهذا لا شيء فيه، ولا يحل، ولا يكون محصرا. وإنما هذا من أحصر فمنع. منعه هذا الكسر، يحتاج إلى ذهاب إلى مستشفى، ويحتاج إلى عملية، قد لا يستطيع أن يمشي. وكان هذا قديما كان صعبا جدا. فلهذا إن منعه المرض أو حتى مرضا عاديا، مثلا جاءته حمى شديدة ما استطاع أن يتحرك من مكانه، فاته الحج، فهو أيضا يتحلل، لا بد أن يتحلل، يتحلل بذبيحة، يذبح ويتحلل بها. وهل يحلق؟ فظهر أن الحلق مستحب، ليس واجبا. إن حلق فبها، وهو من باب الاستحباب. أما الذبيحة فهي واجب، يتحلل بذبيحة. قال: «وعليه الحج من قابل»، لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وعليه الحج من قابل، أي يعيد هذا الحج في السنة الثانية التي ستأتي إن شاء الله تعالى، إن يسر له. فهذا ما يذكر فيه هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

شاركنا على