الدرس في التعليق على الجواب الكافي 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تمنع العبد ثواب المحسنين وتخرجه من دائرة الإحسان. الإحسان يحول بين العبد وإرادة المعصية ويمنعه من الاستمرار فيها.
الإيمان يرتفع وينخفض بحسب الطاعة والمعصية، ومطلق الإيمان يبقى مع العبد حتى مع ارتكاب المعاصي. المعاصي قد تخرج العبد من دائرة الإحسان والإيمان إذا كانت من الكبائر.
الإحسان يحول بين العبد وإرادة المعصية بفضل استيلاء ذكر الله ومحبته وخوفه ورجاؤه على القلب. استمرار العبد في المعصية يخرجه من دائرة الإحسان وقد يخرجه من الإيمان.
يختتم الكلام بالتأكيد على كفاية ما جاء في كلام الإمام المقيب حول عقوبة معينة، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم. هذا يدل على أهمية الرجوع إلى العلماء والاعتماد على العلم الشرعي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الإمام المقيب رحمه الله تعالى: فصل من عقوباتها أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه ثواب المحسنين. فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي، فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهد. وإذا كانت هذه حالته، فلا يمكن أن يكون رجل يعبد الله كذلك وهو يستمر في المعاصي ويصر عليها. وهنا المقصود من كلام الإمام المقيب ليس من يعصي معصية ويتوب، إنما من يستمر في هذه المعاصي ويصر عليها، فهذا الذي تشمل هذه العقوبات. وقد يعاقب الله عز وجل أيضا بعض الصالحين ببعض العقوبات العاجلة لأجل تطهيرهم من هذه الذنوب، لأن العبد مهما بلغت درجته غالبا لا يخلو من الذنوب إلا من عصمه الله. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث القدس: «قال الله عز وجل: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب، فاستغفروني أغفر لكم». فلهذا من كان يعبد الله عز وجل بالإحسان، بالمشاهدة والمراقبة، فهذا يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلا عن واقعتها. قال: «وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصي فضلا عن واقعتها». فإذا خرج من دائرة الإحسان فإنه صحب رفقاء السوء، وعيشهم الهناء ونعيمهم التام، يريد الشيطان وأعوانه. قال: «فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين». فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». وهذا الحديث في الصحيحين، خرجاه بخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة. وفيه أن إيمان العبد يرتفع، أو كما جاء في حديث أبي هريرة في سنن أبي داود: «أن الإيمان يرتفع فيصير كالظلة إذا عصى العبد». وقيل: إن الإيمان الذي يذهب هو كماله، فلا يكون من دائرة أهل الإيمان ويكون في دائرة أهل الإسلام، كما قال شيخ الإسلام: مطلق الإيمان يبقى معه، ويسلب الإيمان المطلق، ويبقى معه مطلق الإيمان لأنه مؤمن. فقال رحمه الله تعالى: «فإياكم إياكم، والتوبة معروضة بعد ذلك». فخلاصة هذه العقوبة أن العاصي إذا استمر في معصيته فإنه يخرج من دائرة الإحسان، ولا يكون من المحسنين. والإحسان كما عرفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، على مقام المراقبة ومقام المشاهدة. فإذا امتنع قلب العبد عن هذه الأمور، فإن كان العبد على هذا الإحسان في العبادة، هذا الإحسان يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلا عن مواقعتها. قال: «هذا الإحسان لأنه يكون استولى على قلبه ذكر الله ومحبته وخوفه ورجاؤه، فغالبا يمنعه ذلك عن المواقعة، بل عن إرادة المعصية، ويبعده عن مواقعتها». لكن هذا أحيانا تكون بعض المعاصي خفية قد لا يشعر بها، مثل الرياء، ومثل الغيبة في الكلام وغيره. فأحيانا قد لا يشعر بها، لكن المؤمن يتوب إلى الله ويرجع ويستغفر الله جل وعلا بقلبه ولسانه، فهذا لا يضره. لكن من تمادى في الذنوب والمعاصي واستمر فيها وعاودها وهو يعلم، فهذا يمتنع أن يكون من المحسنين. فغالبا يخرجه ذلك عن دائرة الإحسان، وقد أيضا إن كانت هذه المعاصي من الكبائر قد تخرجه أيضا من دائرة المؤمنين، فيبقى معه الإسلام فقط. فهذا كلام الإمام المقيب رحمه الله تعالى في هذه العقوبة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.