الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 178، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية حديث سيد الاستغفار الذي رواه شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين معانيه العظيمة وأهمية قوله في الصباح والمساء.
يشرح المقطع معنى العهد الذي أخذه الله على بني آدم ومعنى الاستطاعة في العبادة، ويبين أن الإنسان مهما حرص على طاعة الله فإنه لا يخلو من تقصير ونقص.
يشرح دعاء سيد الاستغفار ويبين معانيه العظيمة مثل الاعتراف بتقصير الإنسان واعترافه بنعم الله، واللجوء إلى الله لطلب المغفرة، ويشير إلى فضل قوله في الصباح والمساء.
من قال اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك في الصباح أو المساء ومات في يومه دخل الجنة، وينبغي للمسلم الحرص على هذا الدعاء مع اليقين بما يقول.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب سيد الاستغفار، قال: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، وهو العيشي أبو معاوية البصري، قال: حدثنا حسين، وهو ابن ذكوان المعلم، قال: حدثنا عبدالله بن بريدة، وهو ابن الحصيب الأسلمي، قال: عن بشير بن كعب، وبشير بن كعب هو ابن أبي الحميري العدوي أبو أيوب، قال: عن شداد بن أوس، وهو ابن ثابت الأنصاري، كنيته أبو يعلى، وهو ابن أخي حسان بن ثابت الصحابي الشاعر، رضي الله تعالى عنه. وأشداد بن أوس ليس له في صحيح البخاري إلا هذا الحديث، حديث سيد الاستغفار، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت». إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة، أو كان من أهل الجنة، وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله. والحديث في صحيح الإمام البخاري، وسيذكره المؤلف رحمه الله بأتم من هذا بعد حديثين. بوب الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب باب سيد الاستغفار، وأخذه رحمه الله من لفظ الحديث، وهو حديث سيد الاستغفار. وسماه النبي عليه الصلاة والسلام سيد الاستغفار لما اجتمع عليه هذا الحديث من معاني عظيمة. والسيد هو رئيس القوم الذي يقصد في طلب الحوائج أو ترجع إليه الأمور. وهذا الحديث لاجتماعه على المعاني العظيمة التي ترجع إليها معاني التوبة كان هو سيد الاستغفار. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحث على ويرغب في الاتيان بهذا الدعاء في الصباح والمساء، فهو من أذكار الصباح والمساء. فقال عليه الصلاة والسلام: سيد الاستغفار «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك». في أولا اعتراف العبد بربوبية الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل هو الرب المدبر المالك المتصرف سبحانه وتعالى، لا رب سواه، ولا إله عز وجل غيره. لا إله إلا أنت، لا إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى. خلقتني وأنا عبدك، اعتراف من العبد بضعفه وعجزه، وأنه مخلوق مربوب خلقه الله سبحانه وتعالى وأوجده من العدم، وهو عز وجل المستحق للعبادة لأنه هو الخالق، وهو الذي أوجدك وهو الذي خلقك ورزقك وأنعم عليك بسائر النعم، فهو سبحانه وتعالى المستحق للعبادة وحده. وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، قيل: المراد بالعهد أي الإيمان بالله سبحانه وتعالى والقيام بطاعة الله سبحانه وتعالى على ما أمر الله عز وجل. ووعدك أي رجاء وعد الله سبحانه وتعالى الذي وعد الله أهل الإيمان وأهل طاعته وأهل عبادته من دخولهم الجنة، وكذلك إيصال الأجر والثواب إليهم. وقيل: المراد بالعهد أي العهد الذي أخذه الله عز وجل على بني آدم من ظهورهم أنهم يشهدون بأن الله عز وجل هو الرب الذي يستحق العبادة وحده. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. وقوله: ما استطعت، أي أني آتي أو أفعل ما أمرت به من الطاعات من الطاعات والقربات ما استطعت، أي على حسب استطاعتي. وهذا اعتراف من العبد بتقصيره وعدم كماله، فمهما حرص على أن يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى فإنه كذلك لا يخلو بطاعته لله عز وجل من تقصير ونقص. لكن يأتي به الطاعة على قدر استطاعته، على قدر طاقته ووسعه. فهذا معنى قوله: ما استطعت. والإنسان مهما أراد أن يقوم بطاعة الله عز وجل حق القيام فلابد أن يعتليه التقصير. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «استقيموا ولن تحصوا، استقيموا ولن تحصوا»، أي لن تستطيعوا أن تقوموا بهذه الاستقامة على أكمل وجهها. لكن لا بد أن يحصل فيها تقصير ونقص. لكن يأتي العبد ما استطاع، بما استطاع من طاعته لله سبحانه وتعالى. وتقصيره يتوب إلى الله سبحانه وتعالى منه ويستغفر، والله جل وعلا يغفر له. قال: «أبوء لك بنعمتك وأبوء لك بذنبي». أبوء لك بنعمتك، أي أعترف لك بنعمتك. والمراد بنعمتك هنا أي جميع نعم الله لأنها مضافة، والمضاف المفرد المضاف إذا أضيف فإنه يدل على العموم. فمعنى بنعمتك أي بجميع نعمك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. أي نعم الله. فجميع النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها كثيرة لا يستطيع أن يعدها الإنسان أو أن يحصرها. فالواجب عليه أن يعترف بنعم الله عز وجل وأن يؤدي شكرها، وذلك باعتراف بها في قلبه بأن هذه النعم هي من عند الله سبحانه وتعالى، هي من عند الله عز وجل ما اكتسبها بقوته ولا بشطارته ولا بذكائه ولا بغير ذلك، بل هو فضل إنعام من الله سبحانه وتعالى أنعم بها عليك. ثم تسخر هذه النعم في طاعة الله عز وجل، فهذا من تمام شكر النعم. قال: «وأبوء لك بذنبي»، أي اعترف بذنبي وأني لا أعدم أن يقع مني ذنب، لأن الإنسان معرض لذلك، معرض للوقوع في الذنوب والمعاصي والخطأ. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم». فالذنب لا بد منه أن يقع منه الإنسان، لكن الذي يجب أن يبادر بالتوبة والاستغفار وعدم الإصرار على الذنب، عدم الإصرار. فليس هذا من فعل المؤمن. المؤمن يذنب ويخطئ، لكنه يبادر بالتوبة والاستغفار ولا يصر على المعصية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: «فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». هذا طلب من الله عز وجل المغفرة بعد اعتراف الإنسان بتقصيره واعترافه بنعم الله سبحانه وتعالى واعترافه كذلك بوقوعه في الذنوب، فإنه يلجأ إلى الله عز وجل ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء وطلب المغفرة، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله. «فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، الذي يغفر الذنوب هو الله عز وجل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. لا يملك المغفرة الذنوب أحد من الخلق، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من الصالحين، بل الذي يملك مغفرة الذنوب هو الله سبحانه وتعالى. قال: «أعوذ بك من شر ما صنعت». وهذا كذلك أيضا استعاذة يستعيذ بها العبد من شر ما قد يصدر منه. من شر ما صنعت، أي من شر الذي صنعت. وما هنا موصول لمعنى الذي. فتستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر ما قد يصدر منك من شر، سواء كان في الأقوال أو في الأفعال أو كان ظاهرا أو باطنا. فإنك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر ما تصنع وما يقع منك. فدل هذا الحديث وهذا الدعاء العظيم على هذه المعاني العظيمة، فيه اعتراف بربوبية الله سبحانه وتعالى وألوهيته عز وجل، وأن الله هو الرب وهو الإله الحق الذي يستحق أن يعبد وحده سبحانه وتعالى. وهكذا بأن الله عز وجل هو الخالق الذي تفرد بالخلق، فلا خالق غير الله عز وجل. وهكذا أيضا اعتراف الإنسان بالعهد الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على بني آدم. وكذلك أيضا تقصير الإنسان في قيامه بما أوجب الله عز وجل، وهذا يدل على ضعفه وعجزه وافتقاره إلى الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فالإنسان فقير إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا اعتراف الإنسان بنعم الله. وهكذا أيضا رجاء ما وعد الله عز وجل به. وهكذا استعاذة الإنسان من شر ما يصدر منه. وإضافة النعم إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا إضافة الذنب إلى فعل العبد «أبوء لك بذنبي»، فالذي يفعل الذنب هو العبد. فالله عز وجل قد بيّن للإنسان طريق الخير وحفه عليه وحذره وبيّنه. طريق الشر وحذره منه. ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي طريق الخير وطريق الشر. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالذي يفعل الذنب يفعله بنفسه وإرادته واختياره. فإذا عاقبه الله سبحانه وتعالى على هذا الذنب فقد عاقبه بعدله، وإذا عفى الله سبحانه وتعالى عنه فقد عفى عنه بفضله سبحانه وتعالى. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك». ليس من فعل الله سبحانه وتعالى الشر، وإنما هو من فعل العبد نفسه. وهكذا أيضا اعتراف الإنسان أنه لا يغفر الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى وحده. فهذه معاني عظيمة اجتمع عليها هذا الدعاء العظيم، فلذلك سماه النبي عليه الصلاة والسلام بسيد الاستغفار. ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أن من حافظ عليه فقاله حين يمسي، يعني في المساء في الليل، قال: فمات دخل الجنة، كان سببا في دخوله الجنة. وإذا قاله في الصباح فمات من يومه كذلك دخل الجنة. وسيأتي في ذكر هذا الحديث بأتم من ذلك، قيد ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أن يكون موقنا بما يقول فيه. فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الدعاء، أن يأتي به في الصباح وفي المساء. والله تعالى أعلم.