الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 48، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يسعى الشيطان للسيطرة على القلب بوصفه ملك الأعضاء، فيقعد لابن آدم في كل طريق خير كإسلام، هجرة، جهاد، صدقة، وحج، محاولاً ثنيه عنها بالوساوس والشبهات، مستخدماً النساء والمردان كوسائل للفتنة. ويؤكد المقطع أهمية اتقاء الشبهات، وحفظ الجوارح، ومجاهدة النفس الأمارة بقطع مواد قوتها من القرآن والعلم والصالحين حتى لا يستولي الشيطان على القلب.
يوسوس الشيطان للقلب بالمصالحة عبر تزيين الشهوات، ويستعين بجندين عظيمين هما الغفلة عن الله والدار الآخرة، والشهوات المزينة في القلوب، فيجمع الغافلين ليغلبوا الذاكرين. ويستغل مواطن الشهوة والغضب للإيقاع بالإنسان وجعله تابعاً للهوى.
يحث المقطع على ضرورة اليقظة والحذر والتسلح بالإيمان لتجنب الغفلة والشهوات التي تجعل الإنسان عرضة لوساوس الشياطين. ويختتم بالدعاء لله أن يحفظ الدين، ويتوفى المسلم على الإيمان، ويعيذه من مكر الشياطين، مع الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس العلمية التي نتذاكر فيها رسالةً نافعةً وكتابًا عظيمًا لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي المشهور بابن القيم. وهذه الرسالة كما تكرر وتقرر أنها الداء والدواء، ولها اسم آخر ألا وهو: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. ولا نزال كذلكم أيضًا مع هذه المعركة العظيمة وهذه الحروب الكبيرة مع الشياطين، مع الشياطين والشياطين بكل ما أوتوا من قوة يريد أن يسيطروا على الثغور، وهكذا أن يتسللوا من هذه المداخل لكي يصلوا إلى الملك، لكي يصلوا إلى الملك. فمن هو الملك؟ فمن هو الملك؟ يجيب أسامة... نعم يا أسامة، من هو الملك؟ طيب، استحأ أسامة، لا بأس. نعم يا أبا صالح، فضل... نعم، هو القلب، هو القلب. ولمَ يريد أن يصل إلى القلب؟ لماذا لا يهتموا باليد أو باللسان أو بالرجل؟ لماذا التركيز على القلب؟ نعم، لأنه الملك، والملك ماذا يفعل؟ الأوامر تصدر منه، هو الذي يأمر اللسان أن يتكلم، والعين أن تنظر، والأذن أن تستمع، وهكذا بقية الجوارح. إذا سيطروا على القلب، هنا سيطروا على مركز التحكم والسيطرة على بقية هذه الجوارح، بقية هذه الجوارح. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وذكر رحمه الله تعالى ضمن فصل عظيم يتعلق بمحاولة الشيطان لإفساد الثغر الأعظم الذي هو اللسان، الذي هو اللسان. ذكر فيما ذكره رحمه الله تعالى أن الشيطان قاعد لابن آدم بكل طريق، وداخل عليه من كل باب. قال رحمه الله تعالى عن الشيطان أنه يقول لأعوانه وأصحابه: قال لهم: «وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق». على، وليس للإنس مساعدين، وإنما على الإنس محاربين. قال: «بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب، واخعدوا لهم كل مرصد. أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين». ولا تجد أكثرهم شاكرين. أو ما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق غيره حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها. إما أن يأتي بحاجته كلها، وإلا فلا أقل من أن يظفر ببعضها. ما لا يدرك كله لا يترك جله. على هذا يمشي الشيطان الرجيم. قال: وقد حذرهم ذلك رسولهم، فقال لهم: «إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها». فقعد له بطريق الإسلام، فقال: «أتسلم وتذر دينك ودين آبائك ودين آبائك؟» فخالفه وأسلم. فقعد له بطريق الهجرة، فقال: «أتهاجر وتذر أرضك وسماك؟» قال: فخالفه، أي الإنسان خالف الشيطان. قال: فخالفه وهاجر. فقعد له بطريق الجهاد، فقال: «تجاهد فتقتل، فيقسم المال وتنكح الزوجة». تقاتل أو تجاهد فتقتل، فيقسم المال، أي مالك، وتنكح الزوجة، أي ينكحها غيرك. وهذا الحديث أخرجه أحمد والنسائي من حديثي سبرة بن الفاكه، سبرة بن الفاكه رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح سنن النسائي، وهكذا في سلسلته الصحيحة وصحيح الترغيب والترهيب وغيرها من كتبه. قال رحمه الله تعالى: قال: «فهكذا فاقعدوا لهم بكل طريق من طرق الخير». فإذا أراد أحدهم أن يتصدق... لاحظوا يا إخوان حيال الشياطين وصيد الشياطين لهذا الإنسان. قال: «فإذا أراد أحدهم أن يتصدق، فاقعدوا له على طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه: أتُخرج المال فتبقى مثل هذا الفقير السائل؟» أي الذي يسأل الناس، «فتبقى مثل هذا الفقير السائل، وتصير بمنزلته، أنت وهو سواء». أو ما سمعتم ما ألقيت على لسان رجل منهم، سأله آخر أن يتصدق عليه، فقال: «هي أموالنا، إن أعطيناكموها صرنا مثلكم، صرنا مثلكم». وكما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾. ربنا تبارك وتعالى وعد المنفقين العوض، وهكذا البدل: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. ما من يوم يصبح فيه العباد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا وملكان ينزلان»، أي إلى الأرض، «فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا»، أي أتلف ما لا... من أمسك، ما لا من أمسك. قال رحمه الله تعالى: قال: «واقعدوا له بطريق الحج، فقولوا له: طريقه مخوفة، مشقة، يتعرض سالكها لتلف النفس والمال، النفس والمال». وكم يا إخوان يتعذر من يتعذر عن أداء فريضة الحج بهذا، يقول: في الحج يموتون أناس، وفي الحج زحام شديد ومخاطر، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. الذي عنده استطاعة على أداء الحج، استطاع بدنية ومالية، عنده نفقة، أميناء الطريق، عنده زاد وراحلة، حج فلان فقد استطعت إليه سبيلا. فيعتذر بزواج الأولاد أو عمران الدار أو غيرها. قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، غني عنه وعن ماله، يبقى في أرضه وداره. لهذا عمر رضي الله تعالى عنه جاء عنه أنه كان يبعث رجالا في الناس يقولون: «ليت يهودي أو نصراني، رجل وجد السبيل إلى الحج ولم يحج». فكم هي الشياطين تقف للكثير من المسلمين على طريق الحج. قال رحمه الله تعالى: قال: «وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير، وزهدوهم فيها، وخوفوهم سلوكها، ونفروهم عنها، وصعبوها عليهم، وصعبوها عليهم، واذكروا لهم آفاتها وبعدها، وبعدها». وهذا يا إخوان مما يجتهد فيه الشياطين، ونحن قد أمرنا ربنا عز وجل أن نستعيذ به من شرهم وكيدهم ومكرهم ووسوستهم، هؤلاء الشياطين، هؤلاء الشياطين. فانظروا إلى ما علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم: أن إذا دخل أحدنا إلى المسجد، الشيطان قد يتبعنا إلى المسجد، فماذا نقول عند الدخول؟ «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، من الشيطان الرجيم». وذلك لأن الشيطان يحرص يا إخوان أن يفسد على الإنسان صلاته، وأن يفسد على الإنسان كذلكم أيضًا طاعته، قد يلهيه عن تلاوة القرآن وعن ذكر الرحمن. إذا قام يصلي جاءه يشغله ويلهيه، فيأخذه في رحلات بعيدة ومشاريع كبيرة، فلا يرجع إلا متى؟ إلا في نهاية الصلاة، إلا في نهاية الصلاة. بعدها لا يدري المصلي كم صلى، ولا ماذا قرأ الإمام في صلاته، إلى غير ذلك مما الشيطان يكون حريصًا عليه. قال رحمه الله تعالى: ومن ذلكم يا إخوان أنه يشغل طالب العلم عن مجالس العلم وحلق الذكر والقرآن. فإذا جلس الطالب في الدرس شعر بنوم وثقل ونعاس. ولهذا قد يحرص بعض الطلاب أن يجلسوا بعيدا عن مكان الدرس، يبحث له عن جدار يستند عليه أو مكانا يختبئ فيه، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. ومن المعلوم يا إخوان أن الشخص كلما دنى من مصدر الشيء ازداد نشاطه، وهكذا ازداد... وهكذا ازداد فهمه وإدراكه، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: «ثم اقعدوا لهم». قال: «ثم اقعدوا لهم على سائر طرق المعاصي والذنوب، فحسنوها لهم، وحببوهم فيها، وشهوها إليهم»، أي اجعلوهم... أي اجعلوهم يشتهونها، اجعلوهم يشتهونها. قال: «وشهوها إليهم، وزينوها في نفوسهم، واجعلوا أكبر أعوانكم على ذلك النساء والصبيان المردان». قال: «واجعلوا... واجعلوا أكبر أعوانكم على ذلك النساء والصبيان المردان». قال: «فمن أبوابهم فادخلوا على بني آدم، فنعم العون هؤلاء لكم». ومر معنا بعض الشيء الذي يتعلق بالفتنة الحاصلة بسبب النساء، وهكذا بسبب الصبيان، ولا سيما المردان. فكم يقع داء العشق في ماذا؟ في باب النساء، وهكذا في باب المردان. وفي باب المردان يا إخوان أكثر، في باب المردان أكثر، وتعلق القلوب بهم أخطر. ومر معنا بعض القصص التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في الفتنة بذلك، كقصة أسلم مع ذلكم الرجل، وهكذا غيره، وهكذا غيره. لهذا يا إخوان: السلامة لا يعادلها شيء، السلامة لا يعادلها شيء. ولا يزكي الواحد منا نفسه، وإنما يتهمها في هذا الباب، ويدفع عنها التهم، وينأى... وينأى بها عن أماكن الريب والشبهات. ومن استبرأ... أو ومن اتقى... كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، لدينه من النقص، ولعرضه من الطعن. «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام». قال رحمه الله تعالى: قال: «ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين، فامنعوها أن تبطش بما يضركم أو تمشي فيه، أو تمشي فيه». وهذا يا إخوان كذلكم أيضًا من الأمور التي الشيطان أحرص ما يكون على... إلى استغلالها والسيطرة عليها، فيريد أن يدخل من هذين الثغرين، من اليدين، وهكذا من الرجلين. قال: «واعلموا أن أكبر عونكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة». إذن لابد أن تجعل بينكم وبين نفس... وبين نفس هذا الإنسان صلحا ومسالمة لكي تستميل هذه النفس إليكم. قال: «فأعينوها واستعينوا بها، وأمدوها واستمدوا منها، وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة، فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها، ولا سبيل لكم إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها، إلا بقطع موادها». أي المواد التي متى ما وصلت إلى النفس كانت سببًا لزكائها، وهكذا طهارتها، وهكذا عفتها وصلاحها. حاولوا اجعلوها لا تستمع إلى القرآن، حاولوا أنها لا تجلس في مجلس علم أو حلقة ذكر، حاولوا أنها لا تجالس الصالحين ولا الأخيار المتقين، إلى غيرها يا إخوان مما لو حصل لكان ممدًا لهذه النفس بالقوة والطهارة، والطهارة والخير والصلاح، والخير والصلاح. قال: «ولا سبيل لكم إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها». قال: «فإذا قطعت موادها، وقويت مواد النفس الأمارة، وانقادت لكم أعوانها، فاستنزلوا القلب من حصنه، واعزلوه عن مملكته، وولوا مكانه النفس الأمارة، هي التي ستحكم وتتصرف وتعمل، وتعمل». قال: «فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه، ولا تجيئكم بما تكرهون أبدًا». إيش معنى «أبدًا»؟ ما معنى «أبدًا» يا أبا...؟ قال: إيش معنى «أبدًا»؟ يبشرهم فيقول: «ولا تجيئكم، ولا تجيئكم بما تكرهون أبدًا». أبدًا... طيب، أحسنت. نعم يا أبا الفاروق، دائمًا... قطعًا، أبدًا. فهذا من معاني «أبدًا». قال: «مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها، بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله، بادرت إلى فعله». قال: «فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته، الملك المخلوع، إذا أحسستم منه أنه بدأ يطالب، يريد أن يسترد عرشه وكرسي مملكته، قال: فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته، وأردتم الأمن من ذلك، قال: فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح، فزينوها وجملوها له، وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد، وقولوا له... أي للقلب، للملك، وقولوا له: ذق طعم هذا الوصال، ذق طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس، كما ذقت طعم الحرب وباشرت مرارة الطعن والضرب، ثم وازن بين لذة هذه المسالمة ومرارة تلك المحاربة، فدع الحرب تضع أوزارها، فليست بيوم وينقضي، وإنما هو حرب متصل بالموت». لاحظوا: يخوفون الملك تارة، ويرغبونه تارة أخرى، ويرغبونه تارة أخرى. يقولون: ما في داعي للحرب، خليك مسالم، استمتع بهذه العروس وتلذذ بها، فهذا خير لك من الحرب. «دع الحرب تضع أوزارها، فليست الحرب يومًا وينقضي، وإنما هو حرب متصل بالموت». يعني إلى أن تموت. وأشد هذه الحرب متى يا إخوان؟ أشد هذه المحاربة متى يا أبا سالم؟ عند الاحتضار، عند الاحتضار. الشيطان يقول لأعوانه: «اهتبهوا، لا يفوتكم، إن فاتكم دخل الجنة، وتدخلون أنتم النار». هنا يستخدم جميع الأسلحة، ويحاول بكل ما أوتوا من قوة أن يزيغ هذا الإنسان في ساعة الاحتضار. قال: «وإنما هو حرب متصل بالموت، وقواك تضعف عن كل حرب دائم، عن كل حرب دائم». قال رحمه الله تعالى: قال: «واستعينوا يا بني بجندين عظيمين، لن تغلبوا معهما». أرأيتم حرص الشيطان؟ أرأيتم جده وجد هذا؟ أرأيتم تعليمه لأعوانه كيف يدخل على بني الإنسان، وهو هو صاحب الخبرة وصاحب المكر والكيد، وعنده من التجارب ما عنده، فيحاول أن يعلم ويدرس ويربي وينشئ هؤلاء الأعوان من أجل تنفيذ هذه الخطط؟ يقول: «واستعينوا يا بني بجندين عظيمين، لن تغلبوا معهما: أحدهما جند الغفلة، جند الغفلة». والغفلة يا إخوان كم تجر على أصحابها ما تجر من الويلات. ولهذا حذرنا ربنا عز وجل منها، ومن أن نكون من أهلها: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾. قال: «أحدهما جند الغفلة». قال: «قال... قال: فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله والدار الآخرة بكل طريق وبكل حيلة، فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك، فإن القلب إذا غفل عن الله تمكنتم منه ومن أعوانه، ومن أعوانه». إذن هذا أول الجنود الذين يستعين بهم هؤلاء الشياطين، حاولوا أن يجعلوا الإنسان غافلا. قال: «والثاني جندوا الشهوات، جندوا الشهوات». الشهوات عند من؟ نعم، أبو صالح الذي بجانبك. الشهوات: جمع أو مثنى أو مفرد؟ جمع. فما مفرده؟ نعم، شهوة. شهوة. وما مثناه؟ إذن عندنا شهوات وشهوة، بقي المثنى. أحسنت: شهوتان، شهوتان. قال: «والثاني جندوا الشهوات، فزينوها في قلوبهم، وحسنوها في أعينهم، وصولوا عليهم بهذين العسكرين». ما معنى «صولوا»؟ ما معنى «صولوا» يا عبد الرحمن؟ هي اسم أو فعل أو حرف؟ «صولوا»: اسم أو فعل أو حرف؟ «صولوا»... اسم. أحسنت يا أبا طاهر. أسمعت إجابك عبد الرحمن؟ فهل... فهل توافق أو تخالف؟ ماذا قال؟ هو اسم. أصاب أم أخطأ؟ أخطأ. فما هو الصواب؟ فعل. طيب، ما زال السؤال عندك: أهو ماضٍ أو مضارع أو أمر؟ «صولوا». أصل الفعل «صال يصول». علامة المضارع غير موجودة. مضارعه «يصول»، وماضيه «صال». ماذا بقي؟ أمر. أحسنت، فعل أمر. قال: «صولوا»، أن يأمرهم بأن يصولوا. طيب، ما معنى يقول «صولوا» يا أبا سوريا؟ يقول: «صولوا عليهم بهذين العسكرين» للسمرار. «صولوا»... «صولوا». طيب، طيب، أحسنت. نعم يا أبا عبد الله أحمد. «صولوا»... ها، افعلوا. طيب، أحسنت. ماذا يعني؟ ماذا... أغزوهم، قاتلوهم، وهكذا أيضًا: ماذا؟ حاربوهم، أدخلوا... أدخلوا عليهم بهذين العسكرين. «يصول ويجول» في ساحة المعركة. قال: «صولوا عليهم بهذين العسكرين، فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما، واستعينوا على الغفلة بالشهوات، وعلى الشهوات بالغفلة، واقرنوا بين الغافلين». ثم استعينوا بهما على الذاكرين، ولا يغلب واحد خمسة. يقول: «اقرنوا»، يعني حاولوا تجمعوا بين الغافلين: شلة، مجموعة، فريق، كلهم من الغافلين. طيب، ثم استعينوا بهؤلاء الغافلين على من كان ذاكرًا، فالمجموعة تغلب... تغلب الواحد في الغالب. قال: «ولا يغلب واحد خمسة، فإن مع الغافلين... فإن مع الغافلين شيطانين، صاروا أربعة. فإن مع الغافلين اثنين، معهما شيطانين، صاروا أربعة، وشيطان الذاكر معهم». واضح يا إخوان؟ عندنا اثنان من أهل الغفلة، مع كل واحد منهما قرين، صاروا كم؟ الاثنان زائدًا شيطانان، معهما قرينان، أربعة. بينما الذاكر واحد وشيطانه ليس معه، وإنما عليه، وإنما عليه معهم. قال: «وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم من ذكر الله أو مذاكرة أمره ونهيه ودينه، ولم تقدروا على تفريقهم، فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الإنس البطالين، فقربوهم منهم، وشوشوا عليهم بهم». قال: «وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا عونا له على تحصيلها. وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم ويصابروكم ويرابطوا عليكم الثغور، فاصبروا أنتم لهم، وصابروا، ورابطوا عليهم الثغور، وانتهزوا فرصكم، وانتهزوا... أي استغلوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب، فلا... فلا تصى... فلا تصطادون بني آدم في أعظم من هذين الموضعين، في أعظم من هذين الموضعين». ولزال يا إخوان، ولزالت المعركة مستمرة، ولزال الشيطان يصول ويجول، ويبحث عن ثغرة وعن مدخل يدخل هو وأعوانه وحلفائه منها لكي يصل إلى مصدر القيادة ومحل الإمارة، إلى الملك وهو القلب. فهذا يستدعي منا دائمًا وأبدًا أن نكون يقظين، وأن نكون حذرين، وأن نكون متسلحين، بعيدين عن الغفلة، وبعيدين عن الشهوات التي إذا انخرطنا فيها وانغمسنا فيها كنا صيدًا سهلًا لهؤلاء الشياطين، لهؤلاء الشياطين. أسأل المولى جل في علاه أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، واسأله تبارك وتعالى أن يعيذنا من مكر الشياطين ووساوسهم وخطراتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة، شكرا للمشاهدة.