التعليق على كتاب الداء والدواء 50

التعليق على كتاب الداء والدواء 50

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 50، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

عقوبة نسيان العبد لنفسه نتيجة نسيان الله

يوضح ابن القيم أن المعاصي تجعل العبد ينسى ربه، فيعاقبه الله بنسيانه وإهماله، فينسى العبد نفسه ومصالحه وسعادته وعيوبه وأمراض قلبه. فيصبح مهملاً لنفسه ساعياً في هلاكها، وهذا من أعظم العقوبات.

عقوبة إهمال النفس وغبن الآخرة

يوضح المقطع أن إهمال الإنسان لنفسه وارتكاب المعاصي يجلب عليه الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة، مبيناً أن أكثر الخلق قد باعوا أنفسهم بثمن بخس. وهذا الغبن يتجلى بوضوح عند الموت ويوم القيامة حيث يندم المفرط على تفريطه ويتمنى الرجوع للعمل الصالح.

التجارة مع الله وخسران من آثر الدنيا على الآخرة

يشرح المقطع مفهوم التجارة الرابحة مع الله مقابل خسارة من يبيعون الآخرة بالدنيا، مستشهداً بآيات قرآنية تصف حال الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ويضرب الأمثال والشعر لبيان غرور من يفضلون العاجل الحسي على الآجل الغيبي، مؤكداً أن التفاضل بين الناس إنما يكون بقوة الإيمان باليوم الآخر وعالم الغيب.

خاتمة الدرس والإشارة لاستكمال موضوع نسيان العبد نفسه

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أن الحديث عن عقوبة نسيان العبد نفسه ومصالحه سيستكمل في الدرس القادم، ويختتم بالدعاء والثناء على الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. لا زال رحمه الله تعالى يذكر من عقوبات الذنوب والمعاصي، وقد أطال في هذا الباب فأجاد وأفاد وأبدع، رحمه الله تعالى، وذكر عددًا ليس بالقليل من هذه العقوبات المترتبة على الذنوب والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوباتها -أي الذنوب والمعاصي- أنها تنسي العبد نفسه، وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها». قال: «فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه؟ وإذا نسي نفسه فأي شيء يذكر؟ وما معنى نسيانه نفسه؟ قيل: نعم، هذا جواب السؤال الأول. قيل: نعم، ينسى نفسه أعظم نسيان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أولئك هم الفاسقون. قال: فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. قال: فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين: إحداهما أنه سبحانه نسيه، والثانية أنه أنساه نفسه». قال: «ونسيانه سبحانه للعبد -يعني معنى نسيان الله عز وجل لهذا العبد- ﴿فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾، ﴿وَكَذَٰلِكَ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. قال: ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته، فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم، من اليد للفم. هذا معنى نسيان الرب تبارك وتعالى للعبد: أنه يتركه، أنه يتركه ويتخلى عنه، وهكذا يكون ذلك سببًا لهلاك هذا العبد، لأن العبد لا غنى له عن الله عز وجل، لا غنى له عن الله تبارك وتعالى، فإذا تركه الله وخلى بينه وبين نفسه وتخلى عنه كان ذلك سببًا للهلاك الذي ينزل على هذا العبد». قال: «وأمّا إنساؤه نفسه، قال: فهو إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وما تكمل به، ينسيه ذلك جميعه فلا يخطر -فلا يخطره- بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه. قال: فتراه مهملًا لمصالح نفسه لا يقصدها ولا يطلبها، قد أبعده الله عنها وحال بينه وبينها. وهذا كله يعتبر من ماذا؟ من الآثار المترتبة على هذه الذنوب وهذه المعاصي. تجده لا يحرص على أسباب سعادته وعلى ما فيه مصلحته، بل لربما على العكس يكون ساعيًا في الإضرار بنفسه وإهلاك نفسه». قال: «وأيضًا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله زوالها ولا إزالتها، وهذا كذلك أيضًا عنده من العيوب ما عنده، ومن التقصير ما عنده، فلا يوفقه ربنا عز وجل لأن يسعى في إصلاح العيوب والتخلص منها، وإنما استمر في ماذا؟ في غيه وفي ضلاله وفي باطله». قال رحمه الله تعالى: «قال: وأيضًا ينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول به إلى الفساد والهلاك. قال: فهو مريض مثخن بالمرض، ومثخن أي أنه ماذا؟ قد أثقله المرض وأشغله وأتعبه. قال: ومرضه مترامٍ به إلى التلف، الأمراض إذا لم تعالج فإنها تتأزم ولربما تتلف صاحبها، هذا في أمراض القلوب وهكذا في أمراض البدن. قال: ولا يشعر بمرضه ولا يخطر بباله مداواته. قال: وهذا من أعظم العقوبة العامة والخاصة، هذا من أعظم العقوبة العامة والخاصة». قال رحمه الله تعالى: «قال: فأي عقوبة أعظم من عقوبة -أعظم من عقوبة- من أهمل نفسه وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم، واختار على ذلك العذاب الأليم؟». وتعجب من أحوال بعض البشر، إذ أنه متلطخ بالمعاصي، الفواحش وغيرها من المخالفات الشرعية، حياته هم وغم وضيق وقلق وألم وحزن إلى غير ذلك. تقول: لماذا لا يتدارك نفسه؟ لماذا لا يرجع عن غيه فيغير الله عز وجل حاله إلى راحة وطمأنينة وسعادة ونعيم في العيش إلى غير ذلك؟ لكنها عقوبات لهذه الذنوب وهذه المعاصي، فإذا أقلع عنها وندم منها غير الله عز وجل حاله في الدنيا إلى حال أحسن، وهكذا في الآخرة هو موعود بالنعيم المقيم عند رب العالمين تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال: ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة، وضيعوها وأضاعوا حظها من الله، وباعوها رخيصة بثمن بخس. بيع الغبن -والغبن أو الغبن في البيع- هو أن يبيع السلعة بأقل من ثمنها الذي تباع به في السوق، أو أن يشتريها بأكثر من ثمنها الذي تباع به في السوق، هذا يعتبر مغبونًا، أي أنه خاسر، أي أنه خاسر. وهكذا معظم الخلق على انحراف وعلى ضلال، وعلى ضلال. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. كم هي المليارات من البشر ممن يعبدون الأصنام؟ أهل الصين كم عددهم، وكم المسلمين منهم؟ نسبة ضئيلة وعدد يسير. الهند كم فيها من الأعداد الهائلة من البشر؟ فيها معابد الأصنام ومعابد الفئران وغيرها من المعابد، ومنهم من يعبد البقر والنيران. المسلمون بالنسبة للمشركين يعتبرون أقل القليل، أقل القليل. إذن أكثر هذا الخلق كما ذكر ابن القيم قد نسوا أنفسهم حقيقة، وضيعوها وأضاعوا حظها من الله، وباعوها رخيصة بثمن بخس، أي ثمن قليل جدًا، بيع الغبن». قال رحمه الله تعالى: «قال: وإنما يظهر لهم هذا الغبن -أو الغبن- عند الموت، عند الموت، وعند الموت يا إخوان تظهر الحقائق لأصحابها. قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾، ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، حديد نافذ يرى الأمور على حقيقتها. ولهذا يا إخوان من كان مفرطًا في الدنيا قال: في هذه الساعة ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، يقول في هذه الساعة: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، فيرى الأمور على حقيقتها». قال: «وإنما يظهر لهم هذا الغبن عند الموت، ويظهر كل الظهور يوم التغابن. ما هو يوم التغابن؟ ما هو يوم التغابن يا أبا صالح؟ يوم التغابن ما هو ذلك؟ يوم التغابن: يوم يجمعكم ليوم الجمع، ذلك يوم التغابن. أحسنت، يوم القيامة هو يوم التغابن، يغبن الإنسان نفسه، يندم يا إخوان، يندم على تفريطه، على عدم تزوده. ما الذي يمنعني في الدنيا أن أجتهد لكي أنال هذه المنازل العالية والدرجات المرتفعة؟ ذلك يوم التغابن. إذن يظهر لهم هذا الغبن عند الموت، ويظهر كل الظهور يوم التغابن، يوم يظهر للعبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار». قال: «والتجارة التي اتجر فيها لمعاده -ما هو المعاد؟ أي يوم القيامة، يوم المعاد- قال: فإن كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرته. ومر معنا قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. هذه التجارة يا إخوان الذي ينتفع بها صاحبها في الدنيا، وينتفع بها أكثر في الآخرة». قال: «فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسبي، اشتروا الحياة الدنيا وحظهم فيها ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها، اشتروا الدنيا بالآخرة، فعمروا دنياهم وخربوا آخرتهم. ما حال من كان هذا حاله يا أبا الحسن؟ خاسر أم رابح؟ خاسر، هذا خاسر. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. قال: فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، واستمتعوا بها ورضوا بها واطمأنوا إليها، وكان سعيهم لتحصيلها وجمعها، وما يجعلوه على أجسادهم -على أجسادهم أي من متاع الدنيا من الملابس وغيرها- أو في بطونهم، وما يرضون به عيالاتهم ونساءهم، فباعوا واشتروا واتجروا، وهم إنما باعوا آجلًا بعاجل، باعوا آجلًا يعني الآخرة بآجل بعاجل أي الدنيا، قال: وحسنة بسيئة، ونقدًا بنسيئة، وغائبًا بناجز. غائب أي غير موجود، وناجز أي شيء موجود. وقالوا: هذا هو الحزم، هذا هو الحزم. في بعض النسخ: الجزم. هكذا ظنوا وهكذا اعتقدوا، وخاب ظنهم وساء وفسد اعتقادهم». قال: «ويقول أحدهم: خذ ما تراه ودع شيئًا سمعته، خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به. وهذا يعتبر صدر بيت للمتنبي، للمتنبي كما في ديوانه، يمدح فيه سيف الدولة الهمداني، يقول: خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به. وعجز البيت قال: في ظلمتي البيت ما يغنيك عن زحلي. وهذا البيت يعني يقول فيه مخاطبًا نفسه: خذ ما تراه من فضله، واصف ما تشاهده من مجده، أي مجد سيف الدولة الهمداني، ودع شيئًا سمعت له ولم تشهده، وأخبرت به عنه ولم تبصره. ففضل سيف الدولة الهمداني على الملوك يعني ماذا؟ فضل كبير، إلى غير ذلك مما كان المتنبي يكثر من الثناء والإطراء والمدح في سيف الدولة الهمداني، في سيف الدولة الهمداني». قال رحمه الله تعالى: «قال: ويقول الآخر: هات اليوم صوفًا وخذ مني غدًا خروفًا. وهذا موجود في بعض النسخ ولا يوجد في البعض الآخر، وهو عبارة عن مثل من الأمثال، مثل من الأمثال التي يغلب عليها العامية، يغلب عليها العامية. وبعضهم يعبر بتعبير آخر يقول: صوفك وخروفك وعيني ما تشوفك، وعيني ما تشوفك، وماذا إلى غير ذلك. وهذا مثل يضرب به في كيفية استغلال الآخرين بأمور تافهة، بأمور تافهة، والرغبة في التخلص منهم، ويذكر الناس في هذا قصصًا لبعض التجار إلى غير ذلك». وقال رحمه الله تعالى: «قال: ويقول الآخر: وكيف أبيع حاضرًا نقدًا مشاهدًا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار أخرى غير هذا؟ يعني بعض الناس يقول: كيف أبيع شيئًا موجودًا الآن عندي، حاضرًا، ألا وهو متاع الدنيا، نقدًا مشاهدًا في هذه الدار، أي في الدنيا، بشيء غائب في دار أخرى غير هذا؟ ويعني بذلك أنه يبيع متاع الدنيا الموجود بثواب الآخرة الذي هو ليس موجودًا الآن. لكن يا إخوان هنا يأتي الإيمان باليوم الآخر، وهكذا الإيمان بعالم الغيب، بعالم الغيب. وفي هذا يتفاضل الناس بين موقن ومتشكك، فضلًا عن من كان منكرًا وجاحدًا لما يكون في ذلك اليوم العظيم، الذي هو يوم القيامة، الذي هو يوم القيامة». ولزال رحمه الله تعالى يتحدث حول هذه العقوبة، ألا وهي نسيان العبد نفسه، وينسى مصالحها، وينسى حظوظها العالية وما يكون سببًا لسعادتها في الدنيا والآخرة، يبين ذلك رحمه الله في تتمة هذا الفصل، يأتي معنا الكلام عن ذلك إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.