الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 12، الدرس الثاني عشر:( مواساة المؤمنين ). ألقاها
درس اليوم يتناول موضوع مواساة المؤمنين حيث ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنواع المواساة بين المؤمنين. يُشدد على أهمية تفقد حال المؤمنين وإعانتهم حسب الحاجة.
المواساة بين المؤمنين تشمل عدة أنواع منها المواساة بالمال والبدن والنصيحة والدعاء. هذه الأنواع تعبر عن صور مختلفة من التكافل والتضامن بين المسلمين.
المواساة بين المؤمنين دليل على قوة إيمانهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس مواساة لأصحابه. اتباعه يقتضي مواساة الآخرين بحسب درجة الاتباع.
المقطع يتضمن الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل ذلك أهله وصحبه. هذا الدعاء يعبر عن التبريك والتحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فموضوع درسنا في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا بعنوان "مواساة المؤمنين". قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الفوائد": "المواساة للمؤمنين أنواع؛ مواساة بالمال، ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن والخدمة، ومواساة بالنصيحة والإرشاد، ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم، ومواساة بالتوجع لهم". هذه أنواع من أنواع المواساة بين المؤمنين. أما مواساة بالمال، أن يواسي المؤمن أخاه المؤمن، فيتفقد حاله وينظر في شأنه، فإن رأى بأنه يحتاج إلى المال أعانه، ويبدأ في ذلك بالأقربين، ويبدأ من الأقربين بأخص الأقربين، بالوالدين، ثم الإخوة، وكذلك الأعمام والأخوال إلى غير ذلك. وكذلك يتفقد حال الجيران، ويتفقد كذلك حال الأصحاب، ويتفقد كذلك حال المسلمين عامة. وكلما قوي إيمان العبد، كلما كثر حرصه على هذا الخير. قال: "ومواساة بالجاه، وهذا لمن آتاه الله جل وعلا جاهًا، يكون مسؤولًا، يكون قد جعل الله جل وعلا له مكانة في المجتمع، فهو يسعى بهذه المكانة التي آتاه الله جل وعلا يسعى في إعانة الناس بها، يواسي هذا بأن يخدمهم بما آتاه الله جل وعلا من الجاه، وينفع هذا، ويساعد هذا، فهذا كذلك من المواساة بين المؤمنين". قال: "ومواساة بالبدن والخدمة، كأن يحتاج المسلم إلى إعانة ومواساة بالبدن والخدمة، يحتاج أن تساعده مثلًا في حمل شيء له، أو في رفع شيء له، أو أن تخدمهم بالقيام ببعض الأعمال التي يحتاجها ذلك الأخ، وذلك المؤمن. هذا كذلك من المواساة بين المؤمنين". قال: "ومواساة بالنصيحة والإرشاد، وهذه كذلك من أعظم المواساة؛ بأن ينصح الإنسان أخاه المسلم، ويرشده إلى فعل الخير، ويحذره من أعمال الشر، ويأخذ بيده إلى مواطن الخير وإلى أعمال البر. وهذه من أعظم المواساة؛ لأن بها يكون النجاح، ويكون الصلاح لذلك العبد في دينه ودنياه". قال رحمه الله تعالى: "ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم، هذه كذلك من المواساة؛ الله جل وعلا مثلًا ما آتاك مالًا، أنت فقير، ما آتاك الله جل وعلا جاهًا، أنت أحد بسطاء الناس، لم تؤت كذلك من العلم حتى تنصح به، لكن بقي شيء تعين به إخوانك وتواسيهم به، وهو أن تدعو لهم، أن تدعو لهم بظهر الغيب، وأن تستغفر لهم، تستغفر للمؤمنين. هذه كذلك من أعظم المواساة بين المؤمنين؛ أن تكون داعيًا لعباد الله جل وعلا المؤمنين بأن يصلحهم الله، وبأن يغفر الله جل وعلا لهم زلاتهم". قال: "ومواساة بالتوجع لهم، بمعنى أن المؤمن إذا رأى الزلة حصلت للمؤمنين، والنكبة حصلت بالمؤمنين، والضر نزل كذلك بالمؤمنين، يتوجع ويتألم أن أصاب المؤمنين هذا الضر، وأن أصاب المؤمنين هذا البلاء. هذا دليل على صدق إيمان العبد وعلى قوة إيمانه ويقينه؛ إذ أن المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". قال رحمه الله تعالى: "وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة؛ فإذا كانت المواساة عظيمة، يدل على عظم إيمانك، وكلما نقصت، كلما كان ذلك الأمر دليلًا على نقص إيمانك. وكلما انعدمت، دل على انعدام الإيمان الكامل عند ذلك العبد". قال: "فكلما ضعف الإيمان، ضعفت المواساة، وكلما قوي الإيمان، قويت المواساة؛ إذن المواساة دليل من أدلة معرفة إيمان العبد". قال: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله؛ الرسول صلى الله عليه وسلم معلم هذه الأمة الخير والصلاح، وجميع أنواع البر. جميع هذه الأمور من المواساة قد قام بها؛ المواساة بالمال، قد واسى أصحابه، بذ جاهه، واسى أصحابه كذلك بالنصح والإرشاد، واسى أصحابه كذلك بالتوجع والاستغفار لهم". قال: "فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له؛ أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون مواساة لعباد الله جل وعلى بحسب اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم". قال رحمه الله: "ودخلوا على بشر الحافي في يوم شديد البرد، وقد تجرد من ثيابه وهو ينتفض، فقالوا: ما هذا يا أبا نصر؟ فقال: ذكرت الفقراء وبردهم، وليس لي ما أواسيهم، فأحببت أن أواسيهم في بردهم". والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.