الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي آية سورة النساء التي تصف تحريف علماء اليهود للكلام بتغيير اللفظ أو المعنى أو كتمان صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يذكر أمثلة على ذلك كتحريفهم كلمة «حطة» ودخولهم الباب على أستاههم وجحودهم نبوته وتحريف حد الرجم.
يسرد المقطع واقعة طلب النبي صلى الله عليه وسلم للتوراة وكشف عبدالله بن سلام لآية الرجم التي أخفاها اليهودي دليلاً على تحريفهم. ثم يستعرض عداوة اليهود المستمرة للمسلمين وانتقالهم من الغزو العسكري إلى الفكري عبر المنظمات الحديثة.
يفسر المقطع كيف حرف اليهود ألفاظاً مثل «اسمع غير مسمع» و«راعنا» و«السام عليكم» بقصد سب النبي صلى الله عليه وسلم. يوضح موقف عائشة ورد النبي الكريم بالرفق وتوجيه القرآن لهم للقول الحسن الذي رفضوه لعنادهم.
يفسر المقطع آية ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ مبيناً أن إيمانهم جزئي ومؤقت. فهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه كما أخبر الله عنهم في كتابه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال رحمه الله: ثم بين ربنا جل وعلا كيفية ضلالهم وعنادهم وإيثارهم الباطل على الحق، على عناد وضلال اليهود، كيف يعاندون، وأيضًا يقدمون الباطل على الحق وهم يعلمون أنه باطل. فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي اليهود، وهم علماء الضلال منهم. ﴿مِنْ﴾ هنا تبعيضية، أي ليس كلهم، لكن بعضهم هم علماؤهم وأحبارهم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويحرفون الكلم عن مواضعه إما بتغيير اللفظ أو المعنى أو هما جميعًا. فمن تحريفهم: تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم، على أنه غير مراد بها ولا مقصود بها، بل أريد بها غير ذلك، وكتمانهم ذلك. وإن من هذه الأمور التي يحرفونها أنهم يقولون: إنه ليس عندنا صفة لمحمد أنه نبي وأنه رسول، ليس عندنا في الكتاب صفة لمحمد، ويأتون بأشياء ليست موجودة عندهم. وكذلك أيضًا ذكر ربنا جل وعلا أيضًا بعد تحريفاتهم لما أمرهم بقوله جل وعلا: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، فغيروا اللفظ فقالوا: «حنطة» أو «حبة في شعرة»، فلم يقولوا حطة. وقال الله عز وجل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، فدخلوا على أستاههم. وهذا لأجل أن يعارضوا كلام الله جل وعلا، ويحرفوا. هذا الأول تحريف باللفظ، والثاني تحريف بالمعنى، معنى: دخلوا على أستاههم. وأيضًا كذلك ما ذكره -يعني المؤلف- أنهم قالوا: إن هذه الصفات التي ذكرت في النبي الذي نعرفه ليست في محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما نبي آخر. وكانوا يعترفون أن هناك نبيًا سيخرج في هذا الوقت، وكانوا يقولون للأنصار: «سنقاتلكم معه» أو «سنقتلكم معه». فهم كانوا يتمنون هذا، ويهددون أيضًا، يهددون الأنصار بذلك: الأوس والخزرج. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين. لما جاءهم ذلك النبي الذي يدعون، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا، يقولون: «سيأتي نبي ونحن سنكون معه ونقتلكم» وكذا. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين. وهنا أيضًا ذكر الله عز وجل هذا الأمر: أولاً أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، لماذا؟ حتى لا يؤخذ عليهم، لا يؤخذ عليهم شيء في كلامهم، فيأتون بأشياء ليست موجودة في كتبهم ويقولون: هي من عند الله، ويقولون: هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. وقضية الرجم أيضًا مشهورة في الصحيحين، أو في البخاري أقصد، لما جاء يهودي ويهودية زنيا، جاء بهما إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ما عندكم في التوراة؟» فقالوا: عندنا التحميم. أنا نحمم -يعني: نسوده ونطوف به في الأسواق-. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ائتوا بالتوراة». وجاء في رواية في سيرة ابن إسحاق: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى مدراسهم، وهو عبد الله بن صوريا، ذهب إليه النبي عليه الصلاة والسلام ومعه بعض أصحابه منهم عبد الله بن سلام، فقال له -يعني: قال هذا الكلام-، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ائت بالتوراة». فجاء بالتوراة ونشرها، ثم وضع يده على آية الرجم، أو وضع إصبعه على آية الرجم حتى لا يراها أحد، أو حتى لا يراها من يقرأ. فقال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم: «دعه يؤخر إصبعه». فلما أخر إصبعه، فإذا هي آية الرجم. ثم ذكر السبب الذي جعل اليهود يفعلون ذلك: لما كثر الزنا في أشرافهم، فعلوا هذا التحميم بدل الرجم. فهذا دليل على أنهم يحرفون اللفظ، وكذلك يحرفون المعنى، يحرفون الألفاظ ويحرفون المعاني، ويعطون الناس على ما أرادوا، لا يأخذون بالحق، بل يأكلون بهذه الفتاوى السحت، وأكلهم السحت، وقد نهوا عنه، وأخذهم أموال الناس بالباطل. قال رحمه الله: فهذا حالهم في العلم، شر حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق. وسبحان الله، هؤلاء اليهود من أذكر خلق الله، وخاصة عداوتهم للمسلمين عظيمة، تجد مكروا بالليل والنهار، وهم يمكرون، أن يخططوا كيف يغزون المسلمين. كان قبل يستخدمون الغزو، الغزو الاستعماري، يأتي ويستعمرون بعض البلاد، كان هذا قديمًا، ثم فكروا أن هذا لا يجدي شيئًا، وأن الناس يقاومونهم وكذا، ففكروا في الغزو الفكري، فرأوه أحلى لهم وأيسر لهم من هذا الغزو الذي كانوا يستعملونه للاستعمار. وأيضًا يجعلون لهم أذنابًا، ويجعلون لهم أناسًا يبثون أفكارهم، وأيضًا يزيدون أنهم يبعثون أناسًا بمصالح أخرى، إما طب وإما شيء من هذه الأمور، لأجل نشر مذاهبهم أو إخراج أهل الإسلام من إسلامهم. وهذه المنظمات الآن التي تفعل فعلها في اليمن، المنظمات الكافرة، غالبها إنما تريد فقط هدم الإسلام، تريد هدم الإسلام. لكن كما قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. أنا حتى ولو حصل لهم شيء، لكن نجاحهم قليل جدًا بإذن الله. وأيضًا تحذير من هؤلاء أيضًا يجدي كثيرًا، ويبعد الناس عن شرهم. إن كان الناس الآن يحتاجون إلى الأموال، فلهذا فهم يستخدمون هذه الأموال في جلب، في جلب الناس، وجلب المسلمين، وخاصة ضعفاء من النساء، وأيضًا كبار السن وغيره. قال رحمه الله: أما حالهم في العمل والمعاد، فإنهم يقولون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، أي: سمعنا قوله وعصينا أمره، وهذا غاية الكفر والعناد والشرط عن الانقياد. وهذا قول ابن عباس: «سمعنا وعصينا»، أي: سمعنا كلامك لكن نحن لا ننقاد لك، ولا أيضًا نتبع هذا الذي تذكره. قالوا: وكذلك يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بأقبح خطاب وأبعده عن العدل والأدب، فيقولون: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، قصدهم: اسمع منا غير مسمع ما تحب، بل مسمع ما تكره. هذا تفسير فسره مجاهد بهذا: ﴿اسْمَعْ﴾ أي: اسمعنا، ونحن نسمعك ما تكره. وجاء عن ابن عباس من طريق علي بن طلحة أنه قال: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، أو قال: قال في تفسيرها: إن المراد: «اسمعنا لا سمعك الله»، كأنها دعاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمع لا سمعك الله». ولهذا قال: ﴿وَرَاعِنَا﴾، يقولون: «اسمع لا سمعك الله وراعنا». لكن هم يأتون بها بلفظ آخر، يقولون: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، كأنهم يقولون: معنا ظاهرها: أنت لست ملزمًا بأن تسمعنا، لكن هم أرادوا أنه: ﴿اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، أي: أنك لا سمعك الله شيء. و﴿رَاعِنَا﴾: هم ما يقصدون «راعنا» أي: «رعنا» (قليل قليل)، وإنما يريدون «الرعونة» بالعيب القبيح. قال: ﴿وَرَاعِنَا﴾، وقصدهم ذلك: الرعونة، أي: الشدة والقبح بالعيب القبيح. أظنون أن اللفظ لما كان محتملًا لغير ما أرادوا من المعاني، أنه يروج على الله وعلى رسوله، فتوصلوا بذلك اللفظ الذي يلون به ألسنتهم إلى الطعن في الدين، والعيب للرسول، يحاولون أنهم يلون الحروف حتى يعيبوا أو يسبوا النبي عليه الصلاة والسلام، مثل ما يقولون في السلام فيقولون: «السام عليكم»، أي: الهلاك عليكم. ولهذا لما قالوا: «السام عليكم»، قالت لهم عائشة: «وعليكم السام واللعنة يا إخوة القردة والخنازير». فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «مه يا عائشة». فقالت: «ألم تسمع ما قالوا؟» قال: «ألم تسمع ما قلت لهم؟ قلت: وعليكم، فإنه يستجاب لنا ولا يستجاب لهم فينا، استجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا». وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة: «متى عهدتيني أفحش؟» فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «وعليكم». فكانوا يقولون: «السام عليكم». قال: ويصرحون بذلك فيما بينهم، فلذلك قال: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾، أن يلون ألسنتهم، ويحرفون الكلام ليجل أن لا يعرف، لكن هم يريدون السب، ويريدون العيب، لكن كأن فيما بينهم يقولون: قد فعلنا كذا وسببناه، وهو لا يدري، وهو لا يعرف. فلذلك فضحهم الله عز وجل بهذه الآيات. قال: فلذلك قال: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. ثم أرشدهم إلى ما هو خير لهم من ذلك، وهذا من رحمة الله عز وجل بهم، أنهم يسبون نبيه ويفعلون هذه الأفاعيل، إلا أنه يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. قال: وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في طلبهم العلم، لسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم. ولهذا تجد أن مثل هذه الدعوة العظيمة وهذا الأسلوب العظيم الذي فيه الرفق، يستفيد منه من أراد الله عز وجل به الخير. من أراد الله عز وجل به الخير يجد أن هذه الدعوة تدعوهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. قال: فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكهم، ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله بكفرهم وعنادهم. ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أي: إيمانهم شيء بسيط، يؤمنون بأشياء ويتركون أشياء، كما قال الله عز وجل: ﴿يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. فهذا ما يذكر الله تعالى.