تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 74

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 74

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعوة أهل الكتاب للإيمان بالقرآن المصدق لكتبهم

يفسر العلامة السعدي آية سورة النساء التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن الكريم لموافقته لما بأيديهم من التوراة والإنجيل، مبينًا أنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك يجحدون رسالته. هددهم الله بطمس الوجوه واللعن كما لعن أصحاب السبت، مؤكدًا أن كتب الله تصدق بعضها بعضًا فكفرهم بالقرآن كفر بما بأيديهم.

تكفير من يؤمن ببعض الكتب والرسل ويكفر ببعض

يوضح المقطع أن الكفر بالقرآن يستلزم الكفر بجميع كتب الله، وينكر على أهل الكتاب تفريقهم بين الرسل، مؤكداً وجوب مبادرتهم للإيمان لعلمهم السابق. يسوق قصة إسلام عبد الله بن سلام وموقف اليهود المتناقض دليلاً على العناد، مختتماً بتهديد الله لهم بمسخ الوجوه إن استمروا في الكفر.

عقوبة المعاندين من أهل الكتاب بمسخ الوجوه ولعنة أصحاب السبت

يفسر المقطع آيات العقوبة الإلهية لمن طمسوا الحق وكفروا بالرسول، حيث يُطمس وجوههم وترد على أدبارهم جزاء وفاقًا، ويُحل عليهم اللعنة كعقوبة أصحاب السبت الذين مُسخوا قردة وخنازير. ويؤكد أن تكذيب أهل الكتاب بالقرآن مع كونه مصدقًا لكتبهم يدل على عنادهم، فيستحقون المسخ واللعنة في الدنيا والآخرة.

لعن بني إسرائيل على لسان أنبيائهم داود وعيسى

تذكر الآية أن الله لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بسبب معصيتهم واعتدائهم، فلم ينهوا عن منكر. وبذلك صارت اليهود أمة ملعونة ولعنات الله متتابعة عليهم إلى يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾. قال: يأمر تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يؤمنوا بالرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم المهيمن على غيره من الكتب السابقة الذي صدقها. فربنا جل وعلا بعدما ذكر حال اليهود وعصيانهم، وأيضًا عنادهم واستكبارهم، ذكر ربنا جل وعلا أنه يدعوهم إلى الخير، يدعوهم إلى الإسلام. وقبل ذلك في الآية السابقة: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَارْعَنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. ثم دعاهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾، أي: من اليهود والنصارى وغيرهم: ﴿ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾. أنا ما دام هذا الكتاب مصدقًا لما معكم، يصدق الأمور التي عندكم في التوراة والإنجيل، فلماذا تكفرون بذلك؟ وما دام أن هذا الكتاب جاء مصدقًا لما معكم، فهذا حجة عليكم، بل أن الله عز وجل قد ذكر لهم صفات هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ذكر صفاته كلها حتى قال: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾، وأن الإنسان أشد ما عرفه لابنه، فقال الله عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾. فوق هذا إلا أنهم ينكرون رسالة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم ويجحدون القرآن، فلذلك هددهم الله عز وجل؛ لأنهم يعرفون ذلك وهم معترفون أيضًا بأن هذا الكتاب جاء مصدقًا لما معهم، فلِمَ ينكرونه؟ لماذا ينكرون هذا الكتاب؟ فقال جل وعلا: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾. ثم قال المؤلف رحمه الله: قال: فلما وقع المخبر به، قال: فإنها أخبرت به، أي: أخبرت بما يصدق هذا الكتاب، فلما وقع المخبر به كان تصديقًا لذلك الخبر. وأيضًا فإنهم لم يؤمنوا بهذا القرآن، فإنهم لم يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب؛ لأن كتب الله يصدق بعضها بعضًا. يعني: إذا كفروا بهذا الكتاب وهذا القرآن، فمعنى ذلك أنهم يكفرون بجميع كتب الله جل وعلا. قالوا: يوافق بعضها بعضًا، فدعوى الإيمان ببعضها دون بعض دعوة باطلة لا يمكن صدقها. وأيضًا تفريقهم بين الرسل، هذا قد أنكره الله عز وجل عليهم وجعله من أكبر الكفر: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ﴾. قال في قوله: ﴿ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾: حث لهم، وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه. أن هؤلاء النصارى أو هؤلاء اليهود والنصارى هم أعرف الناس بكتاب الله، أعرف الناس بالقرآن؛ لأنه جاء مصدقًا لما معهم، فهم أعرف من غيرهم من المشركين أو من الأوس والخزرج وغيرهم، لكن لم يريدوا الاهتداء ولا أرادوا الخير، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا ﴾. حقًا عليهم، وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من العلم والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم أعظم من غيرهم. ولهذا من أسلم من اليهود أو من النصارى تجده يسلم عن علم، مثل ما أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه، لما سمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام ورأى شكل النبي عليه الصلاة والسلام، وافق هذا الوصف ما عندهم في التوراة، ولأنه كان متجردًا لله عز وجل، فسرعان ما أسلم. وكان كعبًا حبرًا من أحبار اليهود، فسرعان ما أسلم رضي الله تعالى عنه. ولهذا تعجبت اليهود لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: «هو خيرنا وابن خيرنا». قال: «فإن أسلم؟» قالوا: «نعوذ بالله من ذلك»، «نعوذ بالله من ذلك». فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله». فقالوا: «شرنا وابن شرنا»، فأنكروه. ففي المقام نفسه، أولًا أثنوا عليه حتى صار خيرهم، ثم بعد ذلك لما أسلم صار شرهم، وهذا عين العناد. قال: لهذا توعدهم على عدم الإيمان، فقال: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾. وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق وآثروا الباطل، وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقًا والحق باطلًا، جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على أدبارها بأن تجعل في أقفائهم، وهذا أشنع ما يكون. إن الله عز وجل يقول: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾، أولًا يطمس هذا الوجه ثم يجعله خلفًا، يعني: بدل ما يكون الوجه أمام يجعله خلفًا، يعني: شعر الرأس أو شعر الرأس يكون أمامًا يعني في الصدر، والوجه يكون خلفًا على الظهر. ﴿ فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾، يعني: الظهر. قال: وردها على أدبارها بأن تجعل في أقفائهم، وهذا أشنع ما يكون. ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ﴾، بأن يطردهم من رحمته ويعاقبهم بجعلهم قردة، كما فعل بإخوانهم الذين اعتدوا في السبت، فقلنا لهم: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾. ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾، فقولًا: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. وقال الله عز وجل بعد ذلك: إن هؤلاء الذين أنكروا من اليهود، أنكروا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام وجحدوا، جعل الله عز وجل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت: ﴿ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾. فمسخ الله عز وجل بهم وحول صورهم، فمنهم القردة، ومنهم الخنازير، ومنهم غيرهم من هذه الأشكال أو من الحيوانات التي مسخهم الله عز وجل إليها. فمعنى الآية: خلاصة معنى الآية أن الله عز وجل يقول: يا أهل الكتاب، آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم. ما دام أنه مصدق لما معكم، هو مثل كتابكم، لماذا تكفرون به؟ فكفركم هذا يدل على أنكم معاندون، يدل على أنكم تعاندون الحق، تعاندون الله عز وجل. لكن جزاؤكم: ﴿ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾، يطمس الله عز وجل وجوههم كما طمسوا الحق، فيردها على أدبارها، تكون هذه الوجوه على الخلف. ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ﴾، إن تحل عليهم لعنة هنا، أو أي: ونلعنهم، كما لعن أصحاب السبت، فتحل عليهم اللعنة في الدنيا والآخرة، تحل عليهم اللعنة في الدنيا والآخرة. وهذا هو الذي حصل، وهذا هو الذي حصل: لعنهم الله عز وجل على لسان أنبيائهم: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾. فربنا جل وعلا لعنهم على ألسنة أنبيائهم، فصارت اليهود أمة ملعونة، لعنهم الله عز وجل إلى يوم القيامة، ولعنات الله عز وجل لهم متتابعة إلى يوم القيامة، ويكونوا جزاؤهم وخزيهم. فهذا ما يذكر في هذه الآية، الله تعالى أعلم.