الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 76، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الشيخ سعد آية "لم تر إلى الذين يزكون أنفسهم" موضحاً أن اليهود والنصارى ادعوا البنوة والجنة بغير برهان، وأن التزكية الحقيقية تكون من الله للعاملين الصالحين. ويؤكد أن من تزكى بعمل صالح نفع نفسه، والله غني عن الطاعة لكنه يفرح بتوبة العبد ورجوعه لكرمه ورحمته.
يحذر النص من مدح النفس وتزكيتها ذاتياً لكونه دأب العاجزين وطريقاً للغرور وترك الطاعات، مستشهداً بهدي السلف في توبيخ نفوسهم رغم صلاح أعمالهم. ويؤكد أن التزكية الحقيقية من الله وحده بالإيمان والعمل الصالح، داعياً المسلم لمحاسبة نفسه وكبحها عن العجب.
يبيّن المقطع أن الكافرين يزعمون لأنفسهم الاستحقاق والثواب وحدهم، وهذا افتراء على الله وكذب لأن الله لم يظلمهم مثقال ذرة بل أعطاهم فوق استحقاقهم وفتح باب التوبة. لكن تكبرهم وفرحهم بعلمهم الباطل أوجب عليهم العذاب يوم يجدون أعمالهم هباء منثوراً، وكفى بافترائهم إثماً مبيناً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولا مبعد قال العلامة سعد رحمه الله عند تفسير قول الله جل وعلا لم تر إلى الذين يزكونا مفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلة انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا يقول رحمه الله هذا تعجب من الله لعباده وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى ومنحى نحوهم من كل من زكى نفسه بأمر ليس فيه فتزكيتهم كثيرة وقد ذكر الله عز وجل بعض هذه التزكيات في القرآن وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وقالوا نحن أبناء الله وأحباءه وغيرها من هذه الدعاوى والتزكيات فقال فربنا جل وعلا يوبخهم على هذا وأيضا يتعجب من فعلهم وكيف يزكون أنفسهم وإنما الذي يزكي العبد هو الله جل وعلا فإذا زكاه كان من الفائزين قال وذلك أن اليهود والنصارى يقولون نحن أبناء الله وأحباءه ويقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها فإنما البرهان ما أخبر به في القرآن في قوله بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فهؤلاء هم الذين زكاهم الله وأما هؤلاء اليهود والنصارى فلم يزكيهم الله وإنما من عمل يزكيه عمله ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه أي من أراد التزكية فإنه يسلك طريق هذه التزكية بالعمل الصالح وبالرجوع إلى الله جل وعلا وبدعائه سبحانه وتعالى والتجاء إليه جل وعلا والتضرع إليه فتكون تزكية النفس بهذا ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه أيضا هذه التزكية يتزكى العبد لنفسه أي أنه ينفع نفسه بها والله عز وجل غني عن طاعة الطايع جل وعلا لكن ربنا جل وعلا رحيم بعباده فلهذا يفرح بتوبتهم ورجوعهم ويفرح بشكرهم له جل وعلا ويفرح بطاعتهم وهذا من كرمه جل وعلا ورحمته بعباده وإلا فهو غني عنهم وكما قال الله عز وجل وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد وقال في حديث أبي ذر قال الله عز وجل يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ما ينقص من ملك الله عز وجل شيء لكن من تزكى لنفسه نفع نفسه وأما أن الإنسان تقول ويدعي التزكية فهذا الدعاء باطل وهذا دعب العاجزين هذا دعب العاجزين أنهم يدعون أشياء ليست فيهم ويتمنون على الله الأمان هذا دعب العاجزين فتجدهم أن يدعون أشياء وأن لهم ولهم وأنهم يفعلون ويفعلون وهذا هو عيب النفس وينبغي المؤمن أن يقدح أو أن يكدح نفسه ويغبطها وأيضا يخفضها ويوبخها وهكذا كان السلف رحمهم الله مهما فعلوا من الأفعال ومهما كان معهم من الأعمال فما يزكون أنفسهم أبدا وإنما يدمون أنفسهم يدمون أنفسهم أنها هي المخطية وأنها المذنبة وأنها كذا وكذا مع أعمالهم الصالحة فالذي يمدح نفسه وأنه يفعل ويفعل غالبا يصيبه الغرور والعجب فلهذا يترك ما كان يفعله من الصالحات ومن الأعمال التي ترضي الله جل وعلا وأما من يكبح نفسه وأيضا يدمها فغالبا يحثه هذا على الاجتهاد يحثه هذا على الاجتهاد ولهذا تجد كثيرا من السلف من كان يدم نفسه ما كانوا يمدحون أنفسهم أبدا وإذا مدحوا فإنهم يبينون غير ذلك فهذا الإمام أحمد رحمه الله لما أثنوا عليه كثيرا قال ما نحن إلا قوم مساكين ما نحن إلا قوم مساكين وقال رحمه الله أنا أعلم بنفسي منكم أنا أعلم بنفسي منكم فلهذا فالإنسان لا يثني عاما على نفسه ويمدح نفسه وخاصة في الأعمال الصالحة فيقول الحمد لله أنا أقوم الليل وأنا أصوم النهار وأفعل وأفعل وكذا فهذا غالبا يصاب بالغرور وبعد ذلك يترك العمل فلهذا قال الله عز وجل ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء التزكية تكون من الله ليس من العبد نفسه فقد يكون العبد يعمل العمل وهو يظن أن هذا العمل يقربه إلى الله مثل حال أهل البدع بل حال أهل الباطن من أهل الشرك تجدهم يفعلون هذا الأفعال ويتقربون بها إلى الله بل بعضهم سحرة السحرة أيضا يفعلون فعل هذه الأفعال ويظنون أنهم يتقربون إلى الله بهذه الأفعال وهذه أعمال باطلة بل هي كفر بالله جل وعلا فيأتون يوم القيامة يظنون أن معهم أعمال لكنهم يأتون وليس معهم ذلك الأعمال التي كانوا يدعونها وكانوا يظنون أنهم يتحصلونها طيب فلهذا فلا ينبغي المسلم أن يزكي نفسه بل يحاول أن يوبخ نفسه ويعظها وأيضا يذكرها بالأعمال الصالحة وبالله وأيضا كذلك يكمحها حتى لا حتى لا تكون أو تتسلط عليه هذه النفس قال رحمه الله قال فهؤلاء هم الذين زكاهم الله ولهذا قال هنا بل الله يزكي من يشاء أي بالإيمان والعمل الصالح بالتخلي عن الأخلاق الرديلة والتحلي بالصفات الجميلة وأما هؤلاء فهم وإنزقوا أنفسهم بزعمهم أنهم على شيء وأن الثواب لهم وحدهم فإنهم كذب في ذلك ليس لهم من خصال الزاكين نصيب بسبب ظلمهم وكفرهم لا بظلم من الله لهم ولهذا قال ولا يظلمون فتيلا أن الله عز وجل لم يظلمهم بل أعطاهم فوق حقهم الذي يستحقون وأيضاً وأيضاً كذلك فتح لهم باب التوبة والرجوع لكنهم تكبروا وظلوا أنهم أن ما عندهم هو الذي يدخلهم الجنة وفرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون أي حاق بهم يوم القيامة ولما جاءوا إلى الله عز وجل فوجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً وأيضاً ربنا جل وعلا بينا أن الكفار لا يجدون تلك الأعمال التي يدعونها وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً وأيضاً يأتون يوم القيامة ويلقون ما لا ما لا يحتسبون كانوا يظنون شيئاً فلما جاءوا فما وجدوا ذلك الذي كانوا يظنونه وإنما كانوا في وهم وفي خيال فيدعون لأنفسهم أشياء ليست لهم قال وهذا لتحقيق العموم أي لا يظلمون شيئاً والفتيل لا يظلمون فتيل عن الشيء الذي هو خفي عن شيء صغير جداً وخفيف جداً والفتيل هو شق النواه أن الفتيل هذا القشرة التي تكون في النواه يسمى فتيل قال فلا يظلمون فتيلاً أي حتى هذا المقدار لا يظلمون أي لا يظلمون شيئاً ولو كان يسيراً بل ربنا جل وعلا أعطاهم وهو العدل سبحانه وتعالى وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وخلقهم وأيضاً رزقهم وربنا جل وعلا يرزق الكافر والمسلم لكن هؤلاء ابتعدوا عن الله وعرضوا عن الله جل وعلا قال ولا مقدار الفتيل الذي في شق النواه أو الذي يفتل من وسخ اليد وغيرها قال تعالى انظر كيف يفترون على الله الكذب أي بتزكيتهم أنفسهم لأن هذا من أعظم الافتراع لله لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار لأن الله جعل ما هم عليه حقا وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا على يريد اليهود النصارى افترون على الله الكذب يدعون أنهم هم أهل الله وأنهم هم أهل الحق وأنهم هم أهل الجنة قالوا وهذا أعظم الكذب وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا والباطل حقا ولهذا قال وكفى به إثما مبينا أي ظاهرا بينا موجبا للعقوبة البليغة والعذاب الأليم أن هذا يكفيهم أنهم يفترون على الله الكذب فيكفي في تعذيبهم وإلحاق الإثم بهم فهذا ما يذكر في هذه الآيات والله تعالى آلم