الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 77، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح السعدي أن الآية تشير إلى اليهود الذين استبدلوا الإيمان بالله بالإيمان بالجبت والطاغوت حسداً للنبي والمؤمنين. يعرف الجبت بالظلم والشرك، والطاغوت بكل ما يُعبد أو يُطاع من دون الله كالكهانة والحكم بغير شرعه.
يوضح المقطع أن اليهود هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، بينما البروتستانت في الأصل يهود مكروا بالنصرانية وتحالفوا مع اليهود. يستشهد بالآيات التي تبين تفضيل اليهود للكفر والشرك على الإيمان حسداً وحقداً مع ذكر سبب النزول.
ينفي النص ادعاء بعض أهل الكتاب بأن دين المشركين أفضل من الإسلام، ويبين فساد دين المشركين القائم على عبادة الأصنام وإباحة المحرمات. يقابله كمال الإسلام القائم على التوحيد والعدل والإحسان وتحريم الخبائث.
يفسر المقطع آية تتحدث عن اليهود الذين حملهم الحقد على تفضيل دين المشركين على دين التوحيد. يصف صاحب هذا الموقف بأنه معاند متمرد على الحق مؤكداً أن هذا الوصف هو الواقع الفعلي لليهود.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فيقول العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾. قال رحمه الله: هذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة وطبعهم الخبيث حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعويض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله أو حكم بغير شرع الله. فدخل في ذلك السحر والكهانة وعبادة غير الله وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت. وهذا من المؤلف جمع بين أقوال أهل العلم في معنى الجبت والطاغوت، لأنه قد جاء عن بعض الصحابة أن الجبت هو السحر، والطاغوت هو عبادة غير الله، وقيل غير ذلك، فجمع المؤلف رحمه الله في هذا بين بعض هذه الأقوال. فمن قال: السحر، والكهانة، وعبادة غير الله، والحكم بغير الله، فكله طاغوت؛ لأن الطاغوت كل ما تجاوز الحد، أو ما تجاوز العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فيسمى طاغوتًا. فإذا تجاوز حده في الافتراء، وتجاوز حده في الطغيان، سُمّي طاغوتًا. والجبت هو الظلم، والجبت هو الظلم، ومن أعظم الظلم الشرك بالله، وكذلك السحر، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾، وهم أولى الناس بهذا، هم اليهود، ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾ مع أنهم أمروا أن يكفروا به، ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾، وهذا لخبثهم وحسدهم. فهؤلاء اليهود من أخبث الناس، ومن أعداء أهل الإسلام: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾، ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾. أما هؤلاء النصارى الآن الذين يتحالفون مع اليهود، وهم أصلًا يهود، لأن هؤلاء النصارى البروتستانت هم من أتباع هذه الطائفة، هم اليهود أصلًا، وإنما مكروا بالنصارى، مكروا بالنصارى فجعلوا بين فرق النصارى فرقة، وهي هذه التي تسمى البروتستانت، فصاروا يزكون اليهود ودين اليهود، وصاروا يتحالفون مع اليهود، ولأن من أقام هذه الطائفة هو رجل يهودي، فلذلك فهي ترجع لليهود، ولهذا دائمًا يتحالفون مع اليهود. أما الأرثوذكس وأيضًا النصارى الآخرون الذين هم متمسكون بما كان عليه أسلافهم الأولون، فغالبًا لا يتفقون مع اليهود إلا في ضرب المسلمين أحيانًا، وإلا فغالبًا لا يتفقون معهم، وتجد أيضًا هم أقل عداوة من اليهود بكثير. قال رحمه الله: كل هذا من الجبت والطاغوت، وكذلك حملهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله عبدة الأصنام على طريق المؤمنين. سبحان الله! هذا البهتان أو البهت الذي عند هؤلاء اليهود، حتى قالوا: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾، أن فضلوا عبادة الأصنام وهم يعلمون أنها شرك، على عبادة الله جل وعلا، وهم يعلمون أنهم على حق. بل كانوا كما قال الله عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾، يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام أنه أرسله الله عز وجل، ويعرفونه بصفاته كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم قوم أهل حسد، أهل حقد، وأهل كفر، فلذلك كانوا يفضلون طريقة الكافرين المشركين عبدة الأصنام على طريقة أهل الإيمان. ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾، أي: لأجلهم تملقًا لهم ومداهنة وبغضًا للإيمان. ذُكر في بعض سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين جاءوا إلى اليهود وقالوا: ديننا أفضل أم دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: دينكم أفضل، دينكم أفضل، افتراءً على الله كذبًا، أن فضلوا دين المشركين الذين يعبدون الأصنام على دين من يعبد الله جل وعلا. قال: ﴿ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾، أي: طريقة، فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! إن حملهم الحقد والحسد إلى مثل هذه الدرجة. قال: كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟ وهكذا تجد أهل الباطل دائمًا في باطلهم، يجرهم الغلو حتى أنهم يغلون في من يعادونه، فيجعلون خبث مثلًا أو ما يسمونه مثلًا أنه باطل، يجعلون من كان قريبًا لهم وقريبًا عليهم يجعلون قوله أبطل من قول من هو كفره بحق، فيجعلون أهل الإيمان مع إيمانهم ومع تمسكهم بالسنة، فيجعلون أن فرقة كذا وكذا من الكفار أو من المشركين أفضل منهم، وهذا هو مسلك اليهود عليهم لعائن الله. قال: هل ظن أن هذا يروج على أحد من العقلاء أو يدخل عقل أحد من الجهلاء؟ فهل يفضل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات وإباحة الخبائث وإحلال كثير من المحرمات، يعني: يعني إباحة الخبائث من الزنى والخمر وأكل الميت وغير ذلك، قال: وإقرار الظلم بين الخلق، فالقوي منهم يأكل الضعيف، يأخذ ماله ولا يعطيه شيء، قال: وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، مصدق، وتحريم كل خبيث وظلم، أن كل ما هو خبيث حرمه الشرع، ويحرم عليهم الخبائث، كذلك كل ظلم، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾. قال: ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ في جميع الأقوال والأعمال، أي: أن أقواله وأعماله كلها صدق، ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾، صدقًا في الأقوال وعدلًا في الأحكام. قال: فهل هذا إلا من الهديان؟ وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس أضعفهم عقلًا، وإما من أعظمهم عنادًا وتمردًا ومراغمة للحق، وهذا هو واقع اليهود، وأيضًا صفتهم، وإما من أعظمهم عنادًا وتمردًا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع، أي: الأخير. طيب، فهذا تفسير هذه الآية، معنى الآية: لم تر إلى الذين، هؤلاء اليهود، الذين حملهم الحقد والحنق حتى أن فضلوا دين المشركين على دين أهل التوحيد والإيمان، فهذا خلاص ما يذكر الله تعالى على...