الدرس في الأسباب الشرعية في جلب الأرزاق الدنيوية 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بر الوالدين وصلة الأرحام من الأسباب العظيمة التي تجلب الرزق الوفير وتطيل العمر. هذه الأفعال تعود بالخير على الفرد في الدنيا والآخرة.
البر بالوالدين وصلة الرحم يجلبان سعة الأرزاق ويزيدان في الأعمار. الحديث النبوي يشير إلى أن هذه الأفعال تعود بالنفع على الفرد في حياته.
صلة الرحم سبب لجلب الأرزاق وبركة الأعمار، بينما قطيعتها تؤدي إلى الفقر والشدة. ينبغي الحرص على صلة الرحم خاصة في المناسبات الدينية.
المقطع الأخير يشير إلى أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر الختام أهمية هذه العبادة في الإسلام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، ونحن لا نزال في هذا المبحث من المباحث المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة، وما يتعلق بالنظر والتتبع لأهم الأسباب الجالبة لنا بسعة الأرزاق. وكان مما مضى ذكره ما كان من نظر إلى الأسباب الشرعية، كالنظر في باب التوكل والدعاء، والإنصراف إلى باب الطاعات والعبادات، كالحرص على الصلاة وعلى طلب العلم. وأيضًا مما أذكر في هذا المقام، وهي من أعظم الأسباب الجالبة لكثرة الأرزاق وسعة الحال، ما يكون من بر الوالدين وصلة الأرحام. بر الوالدين وصلة الأرحام هما من الأسباب العظيمة التي جاءت في حقهما الأدلة الكثيرة على أنه من كان واصلًا لأرحامه، بارًا بوالديه، مع ما وعده الله جل وعلا من الأجر الكثير والفوز العظيم من الجنة والنعيم المقيم. كذلكم وعد الله عز وجل أصحابه بالرزق الوفير في الدنيا قبل الآخرة. وهذا الذي نحن نريده في هذا المقام في تتبع أهم الأسباب. فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يمد له في عمره، وأن يوسع له في رزقه، فليبر والديه وليصل رحمه». من سره، أي من أحب أن يتحلى بهذه المناقب والفضائل، من سره أن يمد له في عمره، إطالة الأعمار، ولا شك أن الواحد منا يحب أن الله جل وعلا يطيل في عمره. ولهذا نجد من بعض الناس ممن أعطاه الله الأموال الكثيرة والأرزاق الوفيرة، لربما صرفها هنا وهنا في المستشفيات وفي العلاجات التي تطيل في الأعمار. فلا حاجة لك بذلك يا عبد الله، فها هو نبينا صلى الله عليه وسلم أعطاك علاجًا ميسرًا مسهلًا، هو طاعة، وهو كذلك ترياق لكثرة الأعمار وإطالة الأعمار، أن يمد له في عمره وأن يوسع له في رزقه. سعة الأرزاق ما هما؟ قال: «فليبر والديه وليصل رحمه». أولًا أشار إلى بر الوالدين، كما قلنا بر الوالدين من العبادات العظيمة التي جعلهم الله جل وعلا جعل الإحسان إليهما بعد توحيده في آيات كثيرة. وليس فقط يا من كان بارًا بوالديه تتحصل على عظيم أجر الآخرة، بل كذلك تتحصل على ما فيه قرة عين لك في هذه الدنيا، بأن الله يمد في عمرك، وأن الله يوسع لك في رزقك. كن بارًا بوالديك، محسنا إليهما، ساعيًا إلى إرضائهما، تقوم على إسعادهما، تدفع عنهما كل ما يضرهما، أن تكون معهما في السراء والضراء، تعينهما، تمد لهما يد العون لهما. فمتى ما كنت على هذا الحال محسنا إليهما، فالله سيحسن إليك، فالله سيحسن إليك، أن الله يمد في عمرك، وأن الله يوسع لك في رزقك. وقد رأينا هذا، والله قد رأينا هذا، رأينا أن من الناس من يستشعر ببركة والديه، حتى وصل حال من بعض أهل المعرفة والتقى والإيمان أن يتنازع الإخوان يتنازع الإخوان في إبقاء الوالدين عندهما، الكل يتنازع، الكل يريد أن يبقي أباه وأمه عنده في بيته لا يغادر. لماذا لا يغادر؟ لما لمسوه من بركة إبقائهما عندهما. قد رأينا هذا ممن حضي ببقاء الوالد أو الوالدة عنده في بيته في آخر عمره، على مقدار ما ينفق عليهما وجد السعة، وجد البركة، حتى وصل الأمر في بعض الأماكن إلى أن يتنازع الإخوة والأخوات كل يحرص على إبقاء هذه البركة في بيوتهم. هذا عند من عند من الذي يحسن ويعرف شرع الله جل وعلا. لأن الموجود في هذه الأزمان تجد الإخوة والأخوات يتدافعون: عندك الوالد، لا عندك الوالد، لا أنت عندك الوالد، لا. سبحان الله، من الذي يدفع البركة إلا من ظلم نفسه؟ وما يأتي هذا إلا الجهل. بل إخواني في الله، كما أن البر والإحسان للوالدين أنك يا عبد الله تستجلب منهما سعة الأرزاق، كذلكم بالمقابل أن العناية بهما يدفع الله عز وجل عنك الشرور وعنك الهم والغم والكروب. يدل على ذلكم أيضًا ما جاء في الصحيحين في حديث ابن عمر في قصة الذين آواهم المبيت إلى غار، قصة معروفة، فوجدوا في غار فانسد الغار عليهم بصخرة عظيمة دحرجت، فما استطاعوا لها الخروج. حينها توسلوا إلى الله بأعمالهم. الشاهد أن من بين أعمال الثلاثة أن منهم من أخبر عن نفسه ما كان من بره بوالديه، فما كان من أمر الصخرة إلا أن تدحرجت، تدحرجت. إشارة إلى أن من أعظم الأسباب التي يدفع الله عز وجل عنك الهم والغم والضيق والكرب والحرج ما يكون من عنايتك بوالديك. فالبر بالوالدين، إخواني في الله، بغض النظر عن أجور الآخرة، فهي أعظم وأكثر وأوفى وأوفر، نتكلم عن حظ الدنيا، فبرك بوالديك تتحصن على أمرين عظيمين منها: ما يكون من إطالة الأعمار وسعة الأرزاق، وأيضًا ما يكون من دفع الشرور عنك، من دفع الشرور والهموم والكروب عنك. فاحسن يا عبد الله التعامل مع والديك، فلينظر كل منا إلى حسن تعامله مع والديك. هذا الأمر الأول: «فليبر والديه وليصل رحمه». صلة الرحم، صلة الرحم في معاشرة الأقارب والأرحام من الأعمام والأخوان من الأجداد والجدات، ومن بني العمومة والقرابة، فهؤلاء كذلك مما أمر الله جل وعلا بصلتهم، فإن فيصلتهم من الأجر الكثير في الآخرة. كذلكم عجل الله لك من الرزق العظيم: «من سره أن يمد له في عمره وأن يوسع له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه». ويؤيد هذا المعنى أيضًا ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرنا الديار ويزدنا في الأعمار». ثلاثة خصال، أول ما بدأ بها نبينا صلة الرحم، هذا الشاهد. صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار، ما بها يعمرنا الديار؟ تعمر بهم الديار، بماذا تعمر الديار؟ بالخير والنماء والكثرة والوفرة والبركة، ويزدنا في الأعمار. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بصلة الرحم، فهي سبب من أعظم الأسباب في جلب الأرزاق، والعكس بالعكس، كما قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: الرحم شجنة من الرحمن، من قطعها قطعه الله، ومن وصلها وصله الله». أي من وصل الرحم أو صله الله بما سامعنا بالخير والبركة، ومن قطعها قطعه الله، يمنع الله عنك الخير والبركة والرزق. وتأمل يا عبد الله في قاطع الأرحام كيف هو؟ كيف يعيش؟ وقد رأينا رأينا في هذه الحياة ما كان عبر وعظة لكل من يعتبر في حق من عاش في هذه الدنيا وهو عاق لوالديه وهو قاطع لأرحامه، كيف عاش؟ قد تكالبت عليه الأمراض والأسقام والضيق والفقر والشدة والحرج. رأيناهم رأي العين. أذكر عن نفسي في يوم من الأيام كنت في مركوب مع بعض الإخوة، فمررت على رجل في عز الظهيرة في عز الشمس وهو يدفع سيارة، وهي سيارة في آخر حياتها في الرمق الأخير، وهي في غاية من التعب، سيارة من الموديل القديم، وهي عاطلة، وصاحبها ويدفع عليها في عز الظهيرة وهو يتصبب عرقًا، فمررنا عليه فإذ بي أخذتني الرقة، قالت: يا إخوة، هذا رجل ساعدوه. قال: أما تدري من هذا؟ قلت: الله ما أدري. قال: هذا عاق لوالديه. قلت: سبحان الله. قالوا: هذا معروف، هذا عاق لوالديه. سبحان الله، فانظر كيف أوصله الله إلى هذه الحالة وهو في الدنيا. من عق يُعق، فاحذر يا عبد الله من القطيعة، من كان واصلًا لأرحامه بارًا بوالديه. والشيء بشيء يذكر، إخواني في الله، ونحن في مثل هذه الأزمان ومثل هذه الأوقات، ونحن في شهر شعبان، وها نحن قد وصلنا إلى منتصف شعبان. في هذا الباب وفي هذا الزمن وفي هذا اليوم، حسن جماعة من أهل العلم ما رواه ابن ماجه رحمه الله تعالى في سننه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليطلع ليلة نصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». فيغفر لكل خلقه إلا لمشرك أو مشاحن. نعم، هذا الحديث اختلف فيه العلماء، وإن كان أكثر العلماء على تضعيفه، إلا أن شيخ الألباني رحمه الله تعالى يرى تحسينه لشواهده، وأن له شواهد تنتهض للحجية. وهكذا على إثره ابن ماجه وابن حبان، كذلكم على تحسينه. فعلى تحسين هذا الحديث، فيه إشارة إلى فضيلة من كان مصطلحًا مع الناس، وفيه كذلك التحذير ممن رفع راية القطيعة والبغضاء والشحناء في مثل هذه المواسم. فاحرص يا عبد الله على أنك تكون فيه دائمًا وأبدًا على مدى الأزمان أن تكون بارًا بوالديك واصلًا لأرحامك، وخاصة في مثل هذه المواسم، فإن من خلالهما تجد يا عبد الله حظ الدنيا وحظ الآخرة من سعة الأرزاق ومن إطالة الأعمار. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.