الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 18، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المحاضر أبياتاً من منظومة الإلبيري تذكّر بحقارة الدنيا وتقلب أحوالها، فالإنسان يأكل من ثمر الأرض ثم تأكله الأرض بعد موته إلا من استثنى الله. ويذكر حديث عجب الذنب الذي منه يُخلق الإنسان ومنه يُركب يوم القيامة.
يحذر المقطع من أن الاشتغال بالدنيا والتعلق بها يعري الإنسان من الفضائل والإيمان، بينما تركها يكسوه لباس التقوى والخير. ويبين أن مشاهدة دفن الأصدقاء يومياً ينبغي أن تكون موعظة وعبرة بقرب الأجل.
يؤكد المقطع أن الموت طالب كل إنسان وملاقيه لا محالة، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأبيات شعرية. ويوضح أن الغفلة عن الموت تؤدي إلى الشقاء، بينما السعيد من اتعظ بجنائز الآخرين واستعد للقاء ربه.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن ينفع الحاضرين بما سمعوه، وأن يجعله حجة لهم لا عليهم، ويصلي على النبي محمد وآله. ثم يشكر الحضور على مشاركتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته، منظومة الإلبيري: قال: «وتطعمك الطعام، وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت، وتعرى إن لبست لها ثياباً، وتكسى إن ملابسها خلعت، وتشهد كل يوم دفن خل، كأنك لا تراد بما شهدت». هذه الأبيات، أيها الأحبة في الله، لا زال الناظم رحمه الله تعالى يذكرنا بهذه الدنيا وحقارتها، وأنها لا تساوي شيئاً، ويذكرنا بتقلب أحوالها، وأن دوام الحال فيها يعتبر من المحال. فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى: «وتطعمك الطعام، وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت». أي: اليوم تطعم أنواعاً من الأطعمة التي تنبتها الأرض من الخضار والفواكه والحبوب وغيرها، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. لكن عما قريب، وبعد وقت قليل، إذا مات الإنسان ووضع في قبره ووصد في لحده، فعندها تأكل الأرض أجساد العباد، إلا من استثنى الله عز وجل من النبيين والصديقين والشهداء. قال ربنا عز وجل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «كل ابن آدم يأكله التراب، إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب». قال: «كل ابن آدم يأكله التراب، إلا عجب الذنب». ما هو عجب الذنب؟ ما هو عجب الذنب يا أبا بدر؟ ما هو عجب الذنب يا أبا عبد الرحمن؟ عندك؟ أحسنت. آخر فقرة في العمود الفقري يقال لها العصعص، نعم، وتسمى أيضاً بعجب الذنب. فالأرض تأكل ابن آدم ولا تترك منه إلا هذا العظم الصغير. فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ «منه خلق، ومنه يركب». فيوم القيامة ينزل الله عز وجل مطراً غليظاً ك ماء الرجال، فتنمو أجساد بني آدم: ﴿كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. واستثنى النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أوس بن أوس، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي». قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني: أصبحت تراباً ورفاتاً. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء». أجساد الأنبياء، وهكذا مثلهم الشهداء، وأفضل منهم الصديقون. قال رحمه الله تعالى: إذن اليوم يا إخوان نأكل مما تخرجه هذه الأرض، وعن قريب إذا وضعنا في هذه الأرض فإنها تأكل منا، ما فيها طعمنا. وقوله: «وتعرى إن لبست لها ثياباً، وتكسى إن ملابسها خلعت». هنا أراد رحمه الله تعالى أن يبين أن من انشغل بالدنيا وجعلها أكبر همه، فسوف يتعرى من الفضائل والأخلاق الكريمة، ومعاني الخير والإيمان، وهكذا غيره مما يقرب إلى الله تبارك وتعالى. وكما قيل: «ثوب الرياء يشف عما تحته، فإذا التحفت به فإنك عارٍ». ثوب الرياء يشف عما تحته، أي: يظهر ما تحته، فإذا التحفت به فإنك عارٍ. وهذا من قصيدة أبي الحسن الاتهامي رحمه الله تعالى التي سبق معنا الإشارة إليها، وفيها يعظي ولده. وقوله: «وتكسى إن ملابسها خلعت». أي: انتركت الانشغال بالدنيا، وخلعت عن نفسك التعلق بشهواتها، فسوف تكسى بحلل الإيمان، وهكذا أيضاً لباس التقوى والآداب الكاملة والخصال الطيبة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون. ولباس التقوى، يا إخوان، يعتبر خير اللباس الذي تستر به العيوب، وتستر به المعايب، وتستر به النقائص، وغير ذلك. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «رب كاسية في الدنيا، عارية يوم القيامة، عارية يوم القيامة». وقوله رحمه الله تعالى: «وتشهد كل يوم دفن خل، كأنك لا تراد بما شهدت». وقوله: «وتشهد كل يوم دفن خل». والخل، يا إخوان، هو الصديق، الصديق المخلص، أو يقال: الصديق المختص، كما في قوله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. إلا المتقين. وهكذا قوله عز وجل: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۚ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وهذا جاء عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والخل، يا إخوان، كما ذكر العلماء، هي تعتبر أعلى مراتب المحبة. فالمحبة مراتب، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مدارج السالكين» أنها على عشرة مراتب، وذكر غيرهم أكثر من ذلك، فأوصلها بعضهم إلى خمسة عشر مرتبة. فذكروا أن أولها: العلاقة، أو العلاقة، وثانيها: الإرادة، وثالثها: الصبابة، ورابعها: الغرام، وخامسها: الوداد، وسادسها: الشغف، يعني تعلق القلب الزائد بالمحبوب، الشغف، وسابعها: العشق، وثامنها: التتيم، وتاسعها: التعبد، وعاشرها وهي أعلاها: الخلة. فهذه عشرة مراتب ذكر العلماء أنها من مراتب المحبة. فكم نحن نودع ممن نحب من الأهل، وهكذا من الأصحاب والجيران والأقارب وغيرهم. فكل يوم يمر علينا في هذه الدنيا نفارق أناساً في سننا، أو لربما أصغر منا، أو لربما أكبر منا سناً، فنحضر جنائزهم، فنصلي عليهم، ونحمل جنائزهم، وهكذا نقوم بدفنهم، كأننا بعيدون عن هذا الأمر. يعني: الواحد يفعل هذه الأشياء ولا يتوقع أنه في لحظة قد يكون بدلاً من أنه يحمل، فإذا به يحمل، ويصلي فإذا به يصلى عليه، وهكذا يدفن، فإذا به يدفن، فإذا به يدفن. فهذا من الأمور التي ينبغي أن يستشعرها المسلم. وذكر الإلبيري رحمه الله تعالى ذكر في قصيدة أخرى غير هذه المنظومة، كما في ديوانه، أبياتاً تدل على هذا المعنى، فقال: «تمر لذاتي واحداً بعد واحد وأعلم أني بعدهم غير خالد وأحمل موتاهم وأشهد دفنهم كأني بعيد منهم غير شاهد فما أنا في علمي بهم وجهالتي كمستيقظ يرنو بمقلة راقد» يرنو: أي ينظر. بمقلة راقدي، ومقلة العين: أي شحمة العين التي تجمع السواد والبياض، السواد والبياض. معنى ذلك: أنه على الإنسان أن يتذكر أن الموت طالبه وملاقيه، أن الموت طالبه وملاقيه. فربنا عز وجل يقول: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. إذن هو وراءنا، نفر منه، قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. تجده أمامك، تجده بين يديك. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصي بتذكر الموت والإكثار من ذلك، فكان يقول: «أكثروا ذكر هاذم اللذات»، يعني الموت. ومعنى «هاذم اللذات»: قاطعها، ألا وهو الموت. أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده. وذكر، أو جاء في شعر كعب بن زهير بن أبي سلمى في قصيدته التي مطلعها: «بانت سعاد فقلب اليوم متبول، متيم إثرها لم يُجز مقبول». ذكر رضي الله تعالى عنه في هذه القصيدة، التي من أهل العلم من وصلها، ومنهم من أوقفها، هي عند الحاكم والبيهقي وابن إسحاق بأسانيد عديدة، منها مراسيل كمرسل سعيد بن المسيب، ولهذا حسنها جماعة من أهل العلم. وشيخ الإسلام في كتابه «الصارم المسلول على شاتم الرسول» يشير إلى تقوية هذه القصيدة وأنها ثابتة. وكعب بن زهير كان قد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، يعني: أمر من لقيه بقتله، حتى أنه ذكر في هذه القصيدة: «أُخبرت أن رسول الله أوعدني، والعفو عند رسول الله مأمول». أشهد من هذا يقول كعب بن زهير بن أبي سلمى: «كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول فإذا حملت إلى القبور جنازة فاعلم بأنك بعدها محمول». وهذا من الأمور، يا إخوان، للأسف الشديد، كم نغفل عنه! كم نغفل عنه! فلذا يا إخوان ينبغي أن نستشعر ذلك. والسعيد، يا إخوان، من اتعظ بغيره، والشقي، يا إخوان، من وعظ به غيره. فأخذنا في هذه الليلة أبياتاً ثلاثة، ألا وهي قوله رحمه الله تعالى: «وتطعمك الطعام، وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمت وتعرى إن لبست لها ثياباً، وتكسى إن ملابسها خلعت وتشهد كل يوم دفن خل، كأنك لا تراد بما شهدت». فأسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما نقول أو نسمع، وأن يجعل ما نقوله أو نسمعه حجة لنا لا حجة علينا يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمزيد، شكراً للمزيد.