شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 20

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 20

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 20، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحذير من مجالسة السفهاء والضحك معهم

يحذر الناظم أبو إسحاق الإلبيري من مجالسة السفهاء والضحك معهم لهواً، مبيناً أن ذلك يؤدي إلى الندم والبكاء يوم القيامة. يستدل بآيات قرآنية وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيرة الإلهية ووجوب البكاء الكثير والضحك القليل.

الرهن بالعمل وضرورة التوفيق الإلهي

يبيّن المقطع أن كل نفس رهينة بعملها ولا تدري مصيرها يوم القيامة، وأن التوفيق بيد الله وحده ولا يُطلب إلا منه. مفتاح التوفيق هو الدعاء الصادق والافتقار إلى الله، ومن وكله الله إلى نفسه فقد خُذل.

توفيق الله للعبد بحب الإيمان وكراهية الكفر

توضح الآيات أن الإيمان نعمة من الله زينها في قلوب المؤمنين، وأن الدعاء في السجود من أعظم مواطن الإجابة. يحث الناظم على الإلحاح في الدعاء مع الاعتراف بالتقصير، مستشهداً بدعاء يونس عليه السلام المضمون الإجابة لكل مكروب.

أهمية الاهتمام بالوصايا والنصائح الواردة في الأبيات

يؤكد المقطع على عظمة الأبيات المذكورة وما تحويه من وصايا ونصائح، مبينًا أن الاهتمام بها علامة للسعادة بينما إهمالها يؤدي للخسارة والندم. ويختتم بالدعاء والتسبيح خاتمةً للدرس.

  • 20 جمادى الأولى 1445هـ - 02/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: «ولا تضحك مع السفهاء لهوا *** فإنك سوف تبكي إن ضحكتا ومن لك بالسرور وأنت رهن *** ولا تدري أتفدى أم غللتا وسل من ربك التوفيق فيها *** وأخلص في السؤال إذا سألت ونادي إذا سجدت له اعترافا *** بما ناداه ذنون بن متى» وهنا يا إخوان، وهنا يا إخوان، لا تزال النصائح الثمينة، ولا تزال الدرر الثمينة يهديها الناظم رحمه الله تعالى. فهنا يحذر من مجالس السفهاء، يحذر من مجالس السفهاء. مجالس السفهاء يا إخوان تقوم على السخرية، تقوم على السخرية والضحك والهمز واللمز والتهكم بالآخرين. مجالس السفهاء تعمر بالغيبة والنميمة، فهي مجالس سوء ومجالس داء، وليست مجالس دواء. وفي هذه المجالس، مجالس السفهاء ومجالس السوء، يرد فيها الشخص عن الخير، وهكذا يزينون له الشر والمعصية، فهي مجالس الغفل عن الآخرة. إن تسأل عن المجالس التي تحصل فيها الغفل عن الآخرة فهي مجالس السفهاء، فهي مجالس السفهاء. مجالس القات، ماذا يدار فيها من أحاديث، وما هي الفوائد التي يخرج بها الإنسان؟ مجالس الطرب والغناء واللهو المحرم، وهكذا غيرها. فيقول هنا: «ولا تضحك مع السفهاء لهوا *** فإنك سوف تبكي إن ضحكت»؛ سوف تندم وتبكي يوم الحساب على ضياع هذه الأوقات، على ضياع هذه الأوقات، فيكون ذلك الضحك سببًا في البكاء المر في يوم القيامة. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، جزاء بما كانوا يكسبون. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٢٩-٣٦]. ماذا استفادوا من الاستهزاء والسخرية، وماذا طعن في أهل الخير والصلاح؟ ولهذا يا إخوان، جاء في حديث أم المؤمنين عائشة، وهكذا جاء من حديث أنس وغيره في الصحيحين، في قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، صلاة الكسوف، صلاة الكسوف، وأنها صلاة طويلة إلى آخره، ثم خطبته عليه الصلاة والسلام. وفيها تقول عائشة: فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخصفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا». ثم قال، وهذا هو الشاهد: «يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولبكيتم كثيرا». إذن: «ولا تضحك مع السفهاء لهوا». والمراد بالسفهاء ها هنا هم سفهاء العلم وسفهاء العمل، هم عديمو الأخلاق وسيئو العشرة. وقد حذرنا الله عز وجل من مجالستهم ومخالطتهم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقوله: «فإنك سوف تبكي إن ضحكتا»، أي: ستندم على تلكم المجالس وتلكم المخالطة. قال رحمه الله تعالى: «ومن لك بالسرور وأنت رهن *** ولا تدري أتفدى أم غللتا». أي: كيف تسر وتضحك وأنت رهين عملك؟ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، بما كسبت رهينة. كل واحد منا رهين عمله، ولا يدري يا إخوان: أهو من الناجين يوم القيامة أم أنه من الخاسرين في ذلكم اليوم، في ذلكم اليوم؟ فماذا؟ ربنا عز وجل يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، ما لم يكونوا يحتسبون. في حديث أبي مالك الأشعري، قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»، فمعتقها أو موبقها. بل ربنا جل في علاه يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠]. والمؤمن يا إخوان، يعني كلنا على يقين أنه سيرد على جهنم، سيرد: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]. لكن يا إخوان، لا ندري: أن أعبر ونسلم، أم أننا نكون من المتساقطين إلى النار والعياذ بالله؟ ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. قال: «ومن لك بالسرور وأنت رهن *** ولا تدري أتفدى» أي: من النار والعذاب، «أم غللتا» أي: تغلوا الأيدي مع الأعناق، ويساقوا إلى النار والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: «وسل من ربك التوفيق فيها *** وأخلص في السؤال إذا سألت». والتوفيق يا إخوان بيد الله عز وجل، وليس بيد أحد من البشر، وليس بيد أحد من البشر. ولهذا لا يطلب التوفيق إلا من الله عز وجل، فمن طلبه من غير الله كان من المحرومين. ولهذا يقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، ولكن الله يهدي من يشاء. هذه الهداية ماذا تسمى؟ ولكن الله يهدي من يشاء يا أبا الفاروق، أحسن: هداية إلهام وتوفيق. ولكن الله يهدي من يشاء. ومن مفاتيح التوفيق: الدعاء يا إخوان. وهكذا الافتقار إلى الله عز وجل، وصدق اللجوء إلى الله تبارك وتعالى، والرغبة إليه، والرهبة له سبحانه وتعالى. ولهذا يقول الله عز وجل عن شعيب: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: «قال: أجمع العارفون بالله أن التوفيق...» قال: «أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك، أن يخلي بينك وبين نفسك». ثم ذكر حديث أبي بكرة عند أبي داود وغيره: ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «دعوة المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت، لا إله إلا أنت». وهذا الحديث يا إخوان صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع وغيره. وأيضًا: إذا وفق الله العبد، كان ربنا عز وجل نعم المعين له، ونعم المولى، ونعم النصير، ونعم الحافظ لك، ونعم المسدد لك، والهادي لك. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧-٨]، والله عليم حكيم. وهذه الآيات عظيمة جدًا، فيها من أعلى مراتب توفيق الله عز وجل للعبد، وهي أن يحبب إلى قلبك الإيمان والطاعة، وأن يكره إلى قلبك الكفر والمعصية. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى معلقًا على هذه الآية: «يخاطب الله جل وعلا عباده المؤمنين فيقول: لو لا توفيقي لكم لما أذعنت نفوسكم للإيمان، فلم يكن الإيمان بمشورتكم، الإيمان لم يكن بمشورتكم وتوفيق أنفسكم، ولكن حببته إليكم وزينته في قلوبكم، وكرهت إليكم ضده الكفر والفسوق». ولهذا يا إخوان، دائمًا وأبدًا المسلم يسأل ربه عز وجل التوفيق، ويخلص في دعاء الله عز وجل وسؤاله إذا سأل ربه عز وجل التوفيق. قال: «ونادي إذا سجدت اعترافا بما ناداه ذنوني ابن متى». عندكم ماذا؟ «ونادي إذا سجدت له اعترافا» هكذا، نعم: «بما ناداه ذنوني ابن متى». ويا إخوان، الدعاء في السجود هو من مضان الإجابة، فالعبد في صلاته يكون قريبًا من ربه عز وجل، لكن أقرب ما يكون وهو ساجد، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء». وفي حديث ابن عباس أيضًا في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب» يعني تقول: سبحان ربي العظيم. «قال: وأما السجود فأكثروا من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم، أن يستجاب لكم». والناظم ها هنا يحث على الإلحاح في الدعاء، ولا سيما في موضع السجود، وأن يعترف العبد بتقصيره في حق الله عز وجل وتفريطه في جنب الله سبحانه، تأسيا بنبي الله يونس ابن متى، الذي هو صاحب الحوت. ﴿وَذَ النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فماذا فعل؟ قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧-٨٨]، وكذلك ننجي المؤمنين. وهذا يا إخوان دعاء عظيم جدًا، جمع بين التوحيد في أوله، والتنزيه لله عز وجل في وسطه، والاعتراف بالذنب، والاعتراف بالذنب، وسؤال المغفرة في آخره. وما دعا به مكروب إلا فرج الله به عنه، به عنه. وإذا اعترف العبد لربه وتواضع له، غفر الله له كما غفر ليونس ابن متى، وكما استجاب ليونس ابن متى، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، وكذلك ننجي المؤمنين. وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص في مسند أحمد والترمذي وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذنّون إذ دعا وهو في بطن الحوت: ما هي؟ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. قال عليه الصلاة والسلام: فإنه لم يدعو بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له». وهذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الترغيب والترهيب وغيره. فهذه أبيات عظيمة يا إخوان، وفيها من الوصايا، وفيها من النصائح والتوجيهات ما ينبغي أن نهتم به. فماذا؟ الاهتمام به علامة السعادة، والإخلال به قد يكون سببًا للخسارة والندامة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.