شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 16

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 16

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 16، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضل معرفة الله على الغنى في منظومة الإلبيري

يواصل الشيخ شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري مبيناً أن الفقر لا يضر من عرف ربه، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على مقابلة الإساءة بالإحسان. يبرز كرم الله وحلمه على العصاة رغم إغداقه عليهم الأرزاق.

مقارنة الفقير الصابر بالغني الشاكر وأثر القناعة

يتناول المقطع فضل القناعة والصبر على الفقر، مبيناً أن الغنى الحقيقي في رضا القلب لا في المال، وأن الآخرة خير من الدنيا. يستعرض آراء العلماء في تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر أو العكس، مؤكداً أن الدين نصفان: صبر وشكر.

التقوى معيار التفاضل الحقيقي عند الله

يؤكد المقطع أن الفضل الحقيقي عند الله إنما هو بالتقوى لا بالفقر أو الغنى، مستدلاً بالآيات والأحاديث وأقوال ابن تيمية وابن القيم. يختم بأن طاعة الله تجارة رابحة لا تبور، بينما الإعراض عن النصيحة يؤدي إلى الخسران.

عقول الكفار وعدم انتفاعها بالهداية والدعاء بالخاتمة

يذكر المتحدث أن الكفار امتلكوا عقولاً قوية مكنتهم من اختراعات عظيمة، لكنهم لم يستخدموا هذه العقول للوصول إلى الحق الذي يرضي الله. يدعو الله أن يجعل المستمعين من الذين يتبعون أحسن القول ويصلح أحوال المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم نعم، من يقرأ مر معنا في الدرس الماضي ضمن أبيات منظومة أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى ثلاثة أبيات: قوله: «لئن جلس الغني على الحشايا لأنت على الكواكب قد جلست، وإن ركب الجيادة مسومات لأنت مناهج التقوى ركبت، ومهما افتض أبكار الغواني فكم بكر من الحكم افتضت». نعم، تفضل يا رحمه. أحسنت. نعم، من يزيد؟ تفضل يا رحمه. أحسنت. نعم، من يزيد؟ من يقول: «أنا»؟ تفضل يا رحمه. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد: قال الإمام أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى، وهو لا يزال في بيان فضل العلم على المال، وهكذا فضل العلماء على الأغنياء، قال رحمه الله تعالى: «وليس يضرك الإقتار شيئا إذا ما أنت ربك قد عرفت، فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعته أنخت، فقابل بالقبول لنصح قولي، فإن أعرضت عنه فقد خسرت، وإن راعيته قولا وفعلا وتاجرت الإله به ربحت». وكما سبق معنا يا إخوان، وصايا عظيمة ونصائح ثمينة يبثها وينثرها أبو إسحاق الإلبيري لشخص وقع فيه ونال منه، وجعل يعدد معايبه. فانظروا كيف قابل الإساءة بالإحسان، كيف قابل الإساءة بالإحسان. وهذا يا إخوان هو الذي يدعونا إليه شرعنا. ألم يقل الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35]. ونبينا صلى الله عليه وسلم هذه صفته، كما جاء في البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر -وقيل: ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما، أنه قال في وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، في التوراة قبل القرآن: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفض ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء» إلى آخر ما ورد في هذا الأثر أو في هذا الحديث. فهذه الصفات العظيمة التي قررها هاهنا هي صفات أهل الإسلام التي جاءت في القرآن، وهكذا أيضا في السنة. قالها هنا: «وليس يضرك الإختار شيئا»، والإختار هو الفقر وقلة ذات اليد، وهكذا شدة وضيقة المعيشة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]، وعلى المقتري قدره، أي من كان فقيرا، وهكذا أيضا عنده ضائق من العيش، ويشفي من قلة ذات اليد. وهكذا في قوله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: 100]. لو جعل الله رزقي بيدك أو رزقك بيدي، فمتى ما كنت راضيا عنك سأعطيك، ومتى ما أغضبتني ما سأعطيك شيئا، وأنت كذلك. لكن انظروا إلى غنى ربنا عز وجل وجوده وكرمه، انظروا إلى لطفه بعباده وحلمه على من يعصونه، بل ويحاربهم. بعض الناس يسب الرب والدين، وتجد أن الله عز وجل لربما يغدق عليه بالأرزاق. بعض الناس لربما ينسب له الصاحبة والولد، ويجعل له الند والشريك، ومع هذا ربنا تبارك وتعالى يعطيهم من هذه الأرزاق. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: 133]، ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: 58]، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]. فالاختار يا إخوان لا يضر الشخص شيئا إذا أنت فقير وأنت تعيش ظروفا صعبة وعليك ديون لفلان وعلان، هذا ما يضرك إذا كنت مع الله عز وجل، وإذا كنت قد عرفت حق الله سبحانه وتعالى وقمت به، وقمت به، فهذا يعتبر من أعظم الغنائم. إذا كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء، ما فرق بينك وبينه. إذا رزقك الله عز وجل القناعة يا إخوان، الدنيا إن جاءت فبها ونعمة، الدنيا إن جاءت فبها ونعمة، وإن لم تأت فعليها السلام. أهم شيء ألا تضيع عليك الآخرة، أهم شيء ألا تضيع عليك الآخرة. ولهذا ربنا عز وجل يقول لخير البرية وأزكى البشرية صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 4-5]. أي الآخرة خير لك من الدنيا. ولسوف يعطيك ربك فترضى. أنت اليوم فقير لا تيأس، قد بعد أيام أو أشهر أو سنوات تكون في مصاف الأغنياء. هذه دنيا متقلبة، فغناها إلى فقر، وقوتها إلى ضعف، وعافيتها إلى سقم. فماذا الإنسان في هذا الباب لا ييأس؟ فدوام الحال كما قيل من المحال. «وليس يضرك الإختار شيئا إذا ما أنت ربك قد عرفت». كم من فقير يا إخوان مرتاح مطمئن القلب، منشرح الصدر، ينام نوما هنيئا ويستلذ بطعامه ولو كان طعاما متواضعا. وكم من أرباب الأموال وذوي التجارات قد لا ينام من الهم، وقد لا يأكل من شدة الغم الذي يعانيه، الذي يعانيه. وذكر العلماء يا إخوان مقارنة بين الفقير الصابر وبين الغني الشاكر، أيهما أفضل؟ عندنا واحد فقير حوشان ضبحان لكنه صابر، بينما آخر أغدق الله عليه من النعم وآتاه الله من الأموال ما لربما يعجز عن عدها، لكنه شاكر. فأيهما أفضل؟ فأيهما أفضل الذي بجانبك؟ عندك يا أبا عبد الله: فقير صابر أو غني شاكر؟ طيب، نعم يا حبيب. الغني الشاكر. طيب، هل لك أن تعلل فتذكر سببا لترجيحك وتفضيلك للغني الشاكر على الفقير الصابر؟ ممكن أن يتصدق. طيب، زد. أحسنت. طيب، هذه الجهة عند أصحاب الجدار كلهم، من الطرف إلى الطرف، أصحاب الجدار، نعم وأنت منهم. عندك أيهما أفضل: غني شاكر أم فقير صابر؟ لا تقوم يا سعيد، خليكم كهلك. طيب، عندك ها؟ الغني الشاكر. نعم، كلاهما؟ كيف وهذا شاكر؟ نعم، الغني الشاكر يا إخوان، ها. طيب، الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى له كتاب قيم في هذا، سماه بماذا يا با حمزة؟ أحسنت: «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين». والعلماء في هذا الباب لهم ثلاثة مذاهب مشهورة: الأول: تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر، وأتوا استدلوا بالأحاديث والآيات التي فيها فضل الصبر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. ومن أهل العلم من ذهب إلى تفضيل الغني الشاكر، واستدلوا واستدلوا بالآيات والأحاديث التي فيها بيان فضل الشكر. ولا يخفى على الجميع أن مقام الصبر ومقام الشكر كلاهما من المقامات العالية، فالدين نصفان: نصف صبر ونصف شكر، كما قال ربنا عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. وفي حديث أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي قال عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء يعني نعمة شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». وكما قيل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت، ويبتلي بعض الناس بالنعم. ولهذا نتج عن هذا كله مذهب ثالث: قالوا ليس هناك فضل بالفقر أو الغنى، بالفقر أو الغنى، وإنما الفضل بالتقوى. وهكذا ما يتعلق بحقائق الإيمان التي في قلب هذا الفقير أو ذلكم الغني. واستدلوا على ذلك بقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكرم الناس؟» قال: «أتقاهم»، قال: «أتقاهم». وهكذا أخبر عليه الصلاة والسلام أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بماذا؟ إلا بالتقوى، إلا بالتقوى. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أنه سأل شيخه -من شيخه يا أبا عبد الله؟ من شيخه الإمام الإمام بن القيم رحمه الله تعالى يذكر أنه سأل شيخه، أحسن شيخه: أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى- سأله عن ذلك: أيهما أفضل، الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟ فكان جوابه رحمه الله تعالى: قال: «أفضلهما أتقاهما لله، أتقاهما لله». قال ابن القيم: فقلت له: «آه، ماذا فإن كانوا في التقوى سوى؟» فإن كانوا في التقوى سوى، قال: «فهم في الفضل سوى، فهم في الفضل سوى». أكذا ذكر رحمه الله تعالى. إذن يا إخوان، العبرة بماذا؟ العبرة بالتقوى وروابط الإيمان. مع أنه قد يقول قائل: الفقير لابد أن يصبر، ماذا سيفعل؟ ماذا بيده؟ الفقير لابد أن يصبر مرغم على الصبر. لكن الغني قال: يبلوني، أشكر أم أم أكفر؟ الغني يا إخوان الفتنة في حقه أكثر، لأن الدنيا بين يديه ويستطيع أن يفعل ما تشتهيه نفسه بسبب ما عنده من مال ومتاع. لكن الفقير ليس بيده شيء، ليس بيده شيء. ومع هذا العبرة بما في القلب من التقوى وروابط الإيمان. قال رحمه الله تعالى: قال: «فماذا عنده لك من جميل إذا بفناء طاعته أنخت». وهنا يبين رحمه الله تعالى أن الذي عند الله عز وجل لمن لزم طاعته واعتنى، واعتنى بها، وأقبل على الله عز وجل، فإن الله تبارك وتعالى يعد له من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على أن العلم له آثار عظيمة ينتفع بها الشخص في الدنيا، وهكذا أيضا في الآخرة. ثم ختم هذه الأبيات بقوله: «فقابل بالقبول صحيح نصحي، فإن أعرضت عنه فقد خسرت، وإن راعيته» أي قبلت النصيحة واستمعت للموعظة والإرشاد، قال: «وإن راعيته قولا وفعلا وتاجرت الإله به ربحت». إذن أنت في تجارة مع الله عز وجل، تجارة لن تبور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: 10]. انظروا تجارة لا يخسر ولا يخيب صاحبها. لكن الذي لا يستمع إلى النصائح، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10-11]. هم كانوا يسمعون لكن ما كانوا ينتفعون بسمعهم فيعملون بهذه النصائح ويستجيبون لهذه الأوامر. وهكذا كانوا عقلاء، لربما من قوة عقولهم اخترعوا الذرة وصنعوا الطائرة وغيرها من الأشياء، لكن ماذا؟ لم ينتفعوا بهذه العقول للوصول ومعرفة الحق الذي يكون دليلا وسببا إلى ما يرضي الله عز وجل وإلى دخول جنات النعيم. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.